"2013" عام الدبلوماسية الإيرانية
"الاتفاق النووي نموذجاً"

السنة الثالثة عشر ـ العدد 145 ـ ( ربيع أول 1435 هـ) كانون ثاني ـ يناير ـ 2014 م)

بقلم: معين عبد الحكيم*

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

"والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجال من هؤلاء". هذا ما قاله رسولنا العظيم (ص) واصفاً القوم الذين ينتمي إليهم سيدنا سلمان الفارسي (رض). لقد بات معلوماً اليوم أن الإيرانيين خلال الفترة الماضية كانوا يعملون بصمت، كل يوم يعلنون عن منظومة جديدة.

وبقيت المفاوضات مستمرة... حتى نالوا اعترافاً ببرنامجهم النووي، ورفعاً للحصار عنهم، تفاوضوا مع أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين القوى العظمى في العالم، وكان لهم تحالفهم القوي مع الصين وروسيا كورقة ضغط، لم يستجدوا أحداً, بل على العكس تفاوضوا على قاعدة التكافؤ مع الجميع, استفادوا من تجارب جميع الدول التي فرضت عليها العقوبات الاقتصادية.

تحدثوا عن الكيان الصهيوني ودوره الخطير في المنطقة, ومعاداته للجميع, خاطبوا الجمهور العربي بأكمله, بأن "إسرائيل" هي الخطر الحقيقي على كل شعوب المنطقة, وهي عدو العرب والإيرانيين.. بالمقابل, وللأسف الشديد, كان الخطاب السياسي العربي الرسمي متخماً بمفردات عن: "مبادرة السلام العربية, والخطر الإيراني والهلال الشيعي..". متناسيا القواسم المشتركة التي تجمعنا كاللغة والثقافة والدين، والمصالح الواحدة، والأعداء المشتركون.. فيكفي فقط أن تكون قضية فلسطين لوحدها هي التي تجمعنا.

توطئة تاريخية

منذ انتصار الثورة الإسلامية في العام 1979مرت إيران بمراحل عدة على صعيد سياساتها الخارجية، ونظراً إلى ما لديها من نزعة استقلالية وتجارب في أنظمة الحكم، فقد سعت إيران دائماً من أجل عدم تكرار الماضي البغيض، حيث التدخلات الأجنبية والتي كان من أبرزها التدخل الأجنبي في تأميم صناعة النفط والإطاحة بالحكومة المنتخبة في ذلك الحين. 

وفي عامي 1977، و1978 وقبيل قيام الجمهورية الإسلامية قامت إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر بمساندة نظام الشاه من أجل حماية المصالح الأمريكية في الخليج، وفي أوج الثورة الشعبية والاضطرابات، اعتبر كارتر إيران جزيرة مستقرة في بحر متلاطم الأمواج فكان خطابه ساذجا استند إلى الدعم الأمريكي المطلق لنظام الشاه. لكن بعد سقوط الشاه لم ترغب الولايات المتحدة في القبول بحقيقة التحولات الداخلية الإيرانية أو التسليم برغبة الشعب الإيراني في تغيير النظام، ومنذ ذلك الوقت واجهت واشنطن الجمهورية الإسلامية بأساليب عدة كان منها: تقديم الدعم للجماعات المناهضة للثورة وتجميد الأرصدة المالية الإيرانية وحشد الحلفاء ضد إيران، وبعد عملية السفارة الأمريكية في طهران التي استمرت 444 يوما اختارت الولايات المتحدة، الآلة العسكرية والعنف من أجل حل الأزمة وبينما لم تنجح تلك الطرق في إدارة الأزمة سعت الولايات المتحدة قدر الإمكان لدعم حالة عدم الاستقرار في إيران .

ونظراً للسياسات الأمريكية المتشددة تجاه إيران يصعب التنبؤ بانفراجة في العلاقات بين الدولتين. فمنذ عام 1993، تتبع الولايات المتحدة سياسة المقاطعة وعزل إيران.

على صعيد آخر، لا يمكن الفصل بين السياسات الإقليمية التي تنتهجها إيران في الخليج وبين ملف العلاقات الإيرانية الأمريكية، وبعبارة أخرى فإن نمط التفاعلات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية يؤثر مباشرة على علاقات إيران مع دول الجوار وخاصة دول الخليج.

وقد حافظت إيران على استقرارها وقوتها على الساحة الدولية بعد مرور أكثر من عقدين على نجاح الثورة الإسلامية ويمكنها مواصلة النجاح من خلال الحفاظ على استقلاليتها وعزتها وقدرتها على تسوية القضايا العالقة من خلال المشاورات والمباحثات الدبلوماسية حيث يعتبر أسلوب إزالة التوتر والنهوض بمستوى العلاقات الدبلوماسية الإيرانية من أهم عوامل النجاح الإيراني على الصعيد الإقليمي، وفي هذا الإطار من الممكن أن تكون المباحثات الإيرانية مع الترويكا الأوروبية بشأن الملف النووي مؤثرة للغاية فنجاح إيران في المباحثات النووية سيفتح الطريق أمام مشاورات دبلوماسية مع دول أخرى تترقب عن كثب مسيرة المباحثات الإيرانية مع الترويكا الأوروبية.

على صعيد آخر فإن العلاقات الإيرانية القوية مع الصين وأوروبا في مجال الاقتصاد والطاقة سيكون لها انعكاسات أمنية داعمة لتحسين العلاقات الأمنية مع دول الجوار.

أما بخصوص التعاون الإقليمي مع دول الجوار فقد وقعت إيران عدة اتفاقيات مع السعودية والكويت وقطر وتم التباحث حول آليات تفعيل التعاون الأمني ودعم التعاون الإقليمي في اتفاقية بين إيران والسعودية، وقامت إيران أيضا بنشاط ومشاركة فاعلة في إطار مجموعة دول الجوار للعراق، وهو ما بدا جليا خلال الاجتماعات التي عقدتها هذه المجموعة سواء في القاهرة أو إسطنبول أو طهران والتي كانت سببا في بناء الثقة بين إيران ودول الجوار.

ليس لإيران في الأساس شروط ضرورية من أجل الانضمام إلى تحالف أو اتحاد مع جاراتها، وفي ظل الأوضاع الأمنية الراهنة على المستوى الإقليمي والدولي فإن عليها الانضمام إلى تحالف إقليمي وتفعيل مشاركتها وتعاونها على الصعيد الدولي.

وتعتبر الأوضاع والظروف الدولية المحيطة بإيران سواء مناسبة أو غير مناسبة، ودور القوى الدولية وأنماط التحالفات والائتلافات من المحاور الرئيسية المؤثرة في عملية صنع قرار السياسة الخارجية الإيرانية مع الأخذ في الاعتبار العلاقة القوية بين العولمة ومسيرة التحول والتغيرات المجتمعية.

ويولي جهاز السياسة الخارجية أهمية خاصة لكفاءات النخبة من الجامعيين والخبراء والبرامج التخطيطية الدقيقة، وعلى الصعيد الإقليمي يتم الاهتمام بمناقشة وبحث التطورات الإقليمية المحيطة بإيران، وما تفرزه من فرص وتهديدات على الأمن القومي الإيراني.

ونظراً للظروف العالمية الجديدة يتحدث المتخصصون والباحثون في مجال السياسة الخارجية عن مستقبل السياسة الخارجية الجديدة وعن الحاجة إلى إعادة النظر بشأن الاتجاهات التقليدية.

وفي هذا الإطار يجب الأخذ في الاعتبار دور ومكانة الولايات المتحدة الأمريكية وتأثيرها على الأوضاع في منطقة الخليج. وتقوم السياسة الخارجية الأمريكية الراهنة على الأحادية والهيمنة وإعطاء الأولوية للمناطق الجيوبوليتيكية وعدم الاهتمام بالقوانين الدولية وتهميش دور المنظمات والمؤسسات الدولية وتهميش الأدوار التي تقوم بها القوى الدولية الأخرى المنافسة لها. والحفاظ على المكانة الأمريكية بوصفها القوة الوحيدة.

وعلى الرغم من وجود هذه المحاور قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إلا أنه تم تبنيها بشكل جاد خلال ولاية بوش الابن، ولذا لم تكن واشنطن مستعدة على الإطلاق للقبول بحتمية التحولات والتغيرات السياسية والاجتماعية الإيرانية منذ نجاح الثورة الإسلامية في إيران وحتى الآن. لقد ركزت السياسة الأمريكية على السعي من أجل تحقيق هدف مفاده إخضاع النظام الإسلامي الإيراني عن طريق دعم الجماعات المعارضة والحصار الاقتصادي وممارسة الضغوط الدبلوماسية.

الاتفاق النووي أنموذجاً

يأتي اليوم الاتفاق النووي الإيراني بعد أكثر من عقد على ملف المفاوضات، وبعد مسلسل العقوبات الاقتصادية والحصار الجائر من جانب الدول الغربية، وتصاعد هذا المسلسل بشكل أحادي خارج إطار مجلس الأمن ابتداءً من العام 2009، حيث توصل المفاوضون الإيرانيون إلى اتفاق مع مجموعة 5+1 على مرحلتين.

صحيح أن المرحلة الأولى والمحددة بستة شهور شملت تنازلات إيرانية تتعلق بدرجة التخصيب، وبعدم بناء أجهزة طرد مركزية جديدة، والسماح بالمراقبة الدقيقة والمستمرة لجميع المفاعلات النووية الإيرانية من قبل مراقبي وكالة الطاقة النووية، وأن تنحصر درجة التخصيب لليورانيوم بحدود 5% فقط، ووقف تطوير مفاعل أراك النووي.

ولكن الصحيح أيضاً أن إيران حصلت بالمقابل، على تنازلات بشأن رفع قسم كبير من العقوبات الاقتصادية التي تتعلق بالأغذية والدواء وبتجارة البتروكيماويات وصناعة السيارات، وبالتحويلات المصرفية وباسترداد المليارات المجمدة من عوائد النفط في البنوك الغربية... الخ

 أما المرحلة الثانية، فتتصل بصياغة اتفاق شامل حول البرنامج النووي الإيراني، بعد اطمئنان الطرفين بأن الضمانات المقدمة من كل طرف تم تنفيذها بدقة.

وفي مجال التقييم الموضوعي لمعادلة الربح والخسارة، يمكن القول أن إيران حققت ما يلي:

أولاً: أن الغرب أقر ولأول مرة بحق إيران، في تخصيب اليورانيوم بنسبة 5% على أراضيها وداخل مفاعلاتها المتعددة، حيث لحس الغرب شرطه القديم بعدم السماح لإيران بهذا الحق، وفي الذاكرة شروط دول الغرب، بنقل اليورانيوم إلى الخارج لتخصيبه في مفاعلات نووية فرنسية وغيرها.

ولا يغير من واقع هذه الحقيقة، تصريح وزير الخارجية الأمريكي جون كيري "بأن الاتفاق لا ينص على هذا الحق" إذ أن النص الوارد في الاتفاق يقول: "تتعهد إيران بعدم تخصيب اليورانيوم بنسبة تتجاوز لـ"5%" لمدة ستة شهور"ما يعني موافقة مجموعة الـ (5+6) على حق إيران في نسبة تخصيب الـ"5%" في مفاعلاتها .

صحيح أن إيران قبلت بخفض نسبة التخصيب من 20% إلى 5% ما يعتبره الغرب إنجازاً، لكن هذا الإنجاز لا قيمة له، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن إيران وفق تصريحات قادتها المتتالية منذ أكثر من عشر سنوات، بأن برناًمجها خاص بالأغراض السلمية المدنية.

وحسب العديد من المراقبين المقربين من دائرة صنع القرار في إيران، فإن لجوء إيران إلى التخصيب بنسبة 20%، كان في سياق تكتيكي، حتى تبدو وكأنها قدمت الكثير الكثير عندما تتنازل عن هذه النسبة إلى 5%، وهي النسبة التي تريدها للأغراض السلمية..

ثانياً: أن المفاوض الإيراني، أفشل الشرط الغربي القائل بنقل كمية اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 20% (186) كيلو غرام، إلى الخارج وتحييده، وفرض على المفاوضين الغربيين القبول بما طرحه " بأن يتم أكسدة جزء منه بنسبة 20% ليصبح مخصباً بنسبة 5%، وأن يتم تحويل جزء آخر إلى وقود نووي يستخدم في بقية المفاعلات النووية القائمة.

ثالثاً: صحيح أن الاتفاق، نص على عدم إنتاج أجهزة طرد مركزية جديدة، لكنه لم ينص على عدم تدمير أي من الموجود لديها، علماً أن إيران كانت تمتلك فقط 300 جهاز طرد مركزي، وبحوزتها الآن (19) ألف جهاز طرد مركزي، وهي بالتالي في سياق الأغراض السلمية لبرنامجها، يكون لديها فائض من أجهزة الطرد المركزية.

رابعاً: صحيح أن الاتفاق نص على تجميد أنشطة مفاعل (أراك)، لكنه ضمن عمل بقية المفاعلات "نطز، وفوردو في حدود نسبة التخصيب المتفق عليها 5%.

خامساً: ضمنت إيران بقاء جميع مفاعلاتها النووية، وأفشلت مطالب الغرب بتفكيك أي من هذه المنشآت بما فيها مفاعل "أراك"، حيث لم ينص الاتفاق على هدم أي من هذه المنشآت.

انتصار للدبلوماسية الإيرانية

أما من الناحيتين السياسية والإستراتيجية للاتفاق النووي الإيراني مع دول 5+1 فيمكن القول:

أولاً: أن الاتفاق - كونه سلم بحق إيران بتخصيب اليورانيوم على أرضها - شكل ضربة في الصميم لإستراتيجية الغرب وخصوصاً الولايات المتحدة، لأنها لا تسمح لأي دولة بإنشاء برنامج نووي دون موافقتها، أو بدون أخضر منها، وفي الذاكرة عندما تجرأ الرئيس الباكستاني الأسبق ذو الفقار علي بوتو، على الشروع في برنامج نووي خاص بباكستان، توعده وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كسينجر بالويل والثبور، فكان أن رتبت وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي، آي، إيه) انقلاباً ضده على يد الجنرال ضياء الحق الذي نفذ فيه حكم الإعدام.

ثانياً: أن الاتفاق سلم بأن إيران دولة نووية، أو ما بات يطلق عليها "دولة العتبة النووية " بما يمكن إيران في ظروف توازنات دولية جديدة، أن تطور برنامجها النووي على النحو الذي تريد .

ثالثاً: أن الاتفاق شكل سابقة في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة في مطلع تسعينات القرن الماضي، في التأكيد على سيادة الدولة واستقلاليتها، ما يشجع دولاً أخرى في العالم الثالث للتمرد على الفيتو الأمريكي والأطلسي، في ضوء الظروف الجديدة الناشئة ممثلةً بانتهاء القطبية الأمريكية الواحدة، وظهور "منظومة البريكس" المكونة من (روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا) كقطب مضاد.

رابعاً: لقد كرس هذا الاتفاق - على تعبير بعض المراقبين انقلاباً في الواقع "الجيو/استراتيجي" من آسيا الوسطى حتى ضفاف المتوسط، مروراً بدول الخليج، إذ أصبح من الصعب على أي قوة في المنطقة تجاهل إيران النووية، أو الاستناد إلى عدائها مع الولايات المتحدة، لمواجهتها على مختلف الجبهات الإقليمية من أفغانستان، إلى العراق وسوريا.

خامساً: كما أن رفع العقوبات بشكل جزئي عن إيران، يحسن إلى حد كبير من الوضع الاقتصادي في إيران وتصليب موقفها، حيث اشتمل الاتفاق على تعهد مجموعة الـ(5+1) بتجميد خططها الهادفة إلى خفض مبيعات إيران الحالية من النفط الخام، وإعادة مبالغ محددة من صادرات النفط الإيراني للخارج/وتجميد العقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على كل من:(خدمات النقل والتأمين المرتبطة بمبيعات النفط الخام + صادرات إيران البتروكيميائية + قطاع مبيعات الذهب والمعادن والخدمات المتعلقة به + قطاع تصنيع السيارات والخدمات المتعلقة به).

يضاف إلى ذلك تعهد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بالترخيص لتزويد وتركيب القطع اللازمة في إيران لضمان سلامة الطيران المدني الإيراني، والترخيص لعمليات التصليح والتفتيش المتعلقة بضمان سلامة الطيران في إيران، وكذلك عدم فرض أي عقوبات جديدة من قبل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان، فيما يتعلق ببرنامجها النووي لمدة ستة أشهر.

يضاف إلى ذلك: السماح بإقامة قناة مالية، تسمح لإيران باستخدام جزء من عوائدها النفطية المجمدة في الخارج، بهدف تفعيل ما سمته مجموعة الـ (5 +1) بـ" التجارة الإنسانية" لتلبية حاجات الشعب الإيراني وهي تشمل "التحويلات المالية المرتبطة بمشتريات إيران من الغذاء والسلع الزراعية والأدوية والأجهزة الطبية"/ تسهيل التحويلات للمصاريف الطبية للشعب الإيراني وللطلبة الإيرانيين في الخارج عبر مصارف إيرانية وأجنبية/رفع الاتحاد الأوروبي لسقف التحويلات المالية للأعمال التجارية التي لا يشملها قانون العقوبات إلى نسبة متفق عليها. ويمكن القول إن ما شجع إيران على إدارة المفاوضات بكفاءة وبمرونة ذكية، هو:

أولاً: اطمئنانها بأنه لم يعد بوسع الولايات المتحدة وحلفائها، استصدار أي قرار من مجلس الأمن بفرض عقوبات جديدة ضدها، في ضوء الدور الجديد والهائل لكل من روسيا والصين في مجلس الأمن، اللتين حالتا حتى اللحظة، دون استصدار أي قرار عقابي بحق النظام في سوريا منذ اندلاع الأزمة السورية قبل أكثر من عامين.

ثانياً: اطمئنانها بأنه لم يعد بمقدور الولايات المتحدة، شن عدوان عسكري على إيران في ضوء أزمتها المالية والاقتصادية، وفي ضوء تجربتها القاسية في كل من العراق وأفغانستان/وفي ضوء فشلها في تنفيذ مشروعها التآمري على سوريا وتراجعها عن توجيه ضربة عسكرية ضدها.

ثالثاً: اطمئنانها بأن زمام المبادرة في حل الأزمات الدولية، وبخاصةً في الشرق الأوسط أصبح في يد موسكو بشكل رئيسي، وبأن دبلوماسية الخارجية الأمريكية بات في حالة متردية وتنشد الحلول الوسط التي تقدمها الدبلوماسية الروسية.

ومما سهل مهمة المفاوض الإيراني أيضاً، في تحقيق ما تقدم من نتائج لصالح إيران عاملان رئيسيان هما:

أولاً: أن المفاوض الإيراني ذهب للمفاوضات، مسلحاً بخطة واضح فيها الهدف الاستراتيجي والخطوط الحمر التي لا يجوز خرقها وهي "حق إيران النووي في التخصيب على أرضها" وواضح فيها أيضاً الاستعداد للمناورة والتنازل في تفاصيل وجزئيات مثل درجة التخصيب وغيرها. وهذا ما أشار إليه قائد الثورة الإسلامية السيد علي خامنئي بقوله: " أن البعض يتصور أن المرونة البطولية، تعني التخلي عن المواقف والرجوع عن المبادئ، لكن هؤلاء أساءوا الفهم لأن المرونة البطولية تعني مناورات مناسبة، والاستفادة من أساليب مختلفة من أجل تحقيق الأهداف المرسومة".

ثانياً: أن وفد الطرف الآخر (5+1) لم يكن موحداً في مواقفه، فمن جهة فإن روسيا والصين ليستا في موقع الخصومة عملياً مع إيران، ومن جهة أخرى فإن بقية الدول لم تكن موحدة حيال الموقف مما يطرحه الجانب الإيراني، لدرجة أن مفوضة الخارجية الأوروبية كاترين آشتون التي كانت مخولة بالتفاوض مع وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، كانت مضطرة للذهاب لغرفة كل وفد من وفود أمريكا وبريطانيا وفرنسا، للتوفيق فيما بينها حيال بنود التفاوض.

المفارقة السياسية الإسرائيلية

كما هو متوقع فقد ندد الكيان الصهيوني بما اسماه إبرام "اتفاق سيء" بشأن النووي الإيراني في جنيف معتبراً أن طهران حصلت على "ما كانت تريده".

وجاء في بيان صدر بعد ساعات من إبرام اتفاق تاريخي بين الدول الست وإيران في جنيف، "أنه اتفاق سيء يقدم لإيران ما كانت تريده: رفع جزء من العقوبات والإبقاء على جزء أساسي من برنامجها النووي".

وأفاد مصدر إعلامي صهيوني بأن وزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلية يوفال شتاينتس قال إن "الاتفاق قائم على خدعة إيرانية وأوهام" على حد قوله.

من حيث الجوهر، فإن إيران لم تتغير لا فيما يتعلق بمرجعية وسلطة القرار فيها، حتى لو تغير الرؤساء ولا تغيرت رغبة إيران ومساعيها في حقها امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية، وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي.

الولايات المتحدة هي التي تغيرت، فبعد الأزمة الاقتصادية المالية التي ضربت النظام الرأسمالي العالمي منذ العام ٢٠٠٨، وبعد الحروب الدونكيشوتية التي خاضتها في أكثر من مكان خصوصاً في الشرق الأوسط وعلى حدود إيران الشرقية والغربية، بعد كل ذلك لم تعد شعوب الدول الرأسمالية، مستعدة لخوض المزيد من الحروب الفاشلة، وتكبد المزيد من الأثمان على حساب دافعي الضرائب.

على أن هذا التغيير الذي تشهده الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون لم يصل إلى حد التساهل إزاء امتلاك دولة بحجم إيران، وموقعها الاستراتيجي للأسلحة النووية، ولكنها لا تتمنى أن تضطر لاستخدام القوة أيضاً بسبب التداعيات والأبعاد الخطيرة التي تترتب على هذا الخيار.

لقد أثبتت السياسة الإيرانية براعتها، وحكمتها، وقدرتها على المناورة وكسب الوقت وهي لم تقدم كل ما قدمته من جهد، وموازنات ضخمة، ولم تتحمل ما تحملته من أعباء جراء الحصار، وجراء تخصيص موازنات كبيرة للتسلح، حتى تتخلى عن كل ذلك، مقابل فقط تخفيف الحصار وليس رفعه.

لذلك كله اعتبرت "إسرائيل" الاتفاق خطأً تاريخياً، واضطرت لأن تبلغ تهديداتها بالاستفراد بتوجيه ضربة للمنشآت النووية الإيرانية، كان يمكن أن تخلط الأوراق، أو أن تعطل التوصل لاتفاق لو أنها وقعت قبل يوم السبت الماضي.

الآن لا تستطيع إسرائيل أن تفعل ما كانت تهدد بفعله، إذ أن عليها في هذه الحالة، أن تتحمل المسؤولية عن مجابهة غضب حلفائها الغربيين الذين ابرموا الاتفاق مع إيران.

إسرائيل التي تعيش مرحلة لا تحسد عليها، بسبب تطرفها ورعونتها واستهتارها حتى بحلفائها، لا تستطيع مغادرة طبيعتها العدوانية، والأرجح أن تلجأ إلى تخريب الاتفاق الإيراني الغربي، وأن تعيد خلط الأوراق في المنطقة من خلال فتح جبهات عدوانية، في مواجهة ما تعتبره النفوذ الإيراني، الذي سينشط بطرق أخرى في المنطقة، لقد تزايدت فرص ارتكاب عدوان إسرائيلي على حزب الله ولبنان، على قطاع غزة، بدعوى مواجهة التهديدات التي تصدر من حلفاء إيران، وعلى نحو غير مباشر، لاعتراض السياقات التي تتجه إليها، العلاقات الدولية. في هذا المجال تأتي سوابق الاتفاقات الدولية بشأن كيماوي سورية، ونووي إيران، لتقدم نموذجاً فاعلاً وناجحاً في مواجهة العديد من الملفات الدولية الصعبة، والتي بدت لبعض الوقت وكأنها تستعصي على الحل.

وهكذا وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة تظهر المفارقة السياسية الإسرائيلية على أشدها إزاء الملف النووي الإيراني. فقبل أيام أفاد تقرير صادر عن أحد أهم مراكز الأبحاث الأمريكية المتخصصة يشير إلى تقليص إيران للزمن المطلوب لإنتاج قنبلة نووية من عدة شهور إلى عدة أسابيع. ولكن مؤتمراً عقد في جامعة تل أبيب أظهر تفاؤلاً باحتمال توصل أمريكا إلى تسوية مع إيران خلال زمن ليس طويلا وربما بغير رضى إسرائيل. ومع ذلك فإن الانطباع السائد هو أن قدرة ورغبة إسرائيل على الانفراد بتوجيه ضربة عسكرية لإيران تراجعتا كثيراً بعد نجاح الدبلوماسية الإيرانية التي يقودها الرئيس حسن روحاني. 

ويرى معلقون أن إسرائيل قد تخسر، إذا أبرمت أمريكا والغرب صفقة مع إيران، البعبع الذي كانت تلوح به ليس فقط في وجه العالم وإنما أيضا في وجه جمهورها الداخلي. وبكلمات أخرى فإن ركون الكثير من القوى السياسية الإسرائيلية على تبرير تحركاتها الداخلية، تحالفات أو انشقاقات داخل الائتلاف أو المعارضة، لم يعد ممكناً إلى وقت طويل. وعلى الرغم من محاولات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، الذي جعل من التلويح بالفزاعة الإيرانية شعاراً له، الإيحاء بأن شيئاً لم يتغير في طهران فإن الانطباع العام هو أن إسرائيل خسرت الجولة.

عموماً تحاول إسرائيل الرسمية رغم ذلك مواصلة التلويح بتوجيه ضربة عسكرية. وكان آخر من تحدث في هذا الشأن نائب وزير الحرب المتطرف داني دانون الذي قال إن إسرائيل لا يمكنها الوقوف مكتوفة اليدين أمام استمرار إيران في تطوير قدراتها النووية وتقترب من القنبلة. وبالمقابل فإن وزير الحرب نفسه موشي يعلون شدد على "أننا نقول لزعماء الغرب: لا تغرينّكم فكرة تقليص العقوبات قبل أن تحصلوا على إنجاز واضح لا تكون فيه لإيران قدرة نووية عسكرية". 

ومع ذلك خفت صوت نتنياهو ضد إيران مؤخرا. هناك من يعتقد أنه لا يريد البقاء في الواجهة. لكن المؤكد هو أن إيران أربكت إستراتيجية التحريض الإسرائيلية.

باحث في القضايا الإقليمية(*) 

اعلى الصفحة