إشكالية الاعتراف بيهودية الكيان الصهيوني

السنة الثالثة عشر ـ العدد 145 ـ ( ربيع أول 1435 هـ) كانون ثاني ـ يناير ـ 2014 م)

بقلم: ازدهار معتوق(*)

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

في يوم الخميس 15آب/أغسطس, 2013, وخلال لقاء رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بالأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون قال:"أنه يجب التوصل إلى لب الصراع وحله، والسؤال الذي يجب بحثه هو كيف يمكن أن نصل إلى قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح، تقبل وتسلم بإسرائيل باعتبارها الدولة اليهودية الوحيدة وليس الخوض في مسألة الاستيطان والمستوطنات".

لذلك لم يكن من قبيل الصدفة مصادقة الحكومة الإسرائيلية على الاقتراح الخاص الذي قدمه نتنياهو بتعديل قانون الجنسية، الذي ينص على إلزام كل من يريد الحصول على الجنسية بإعلان ولائه لـ"دولة إسرائيل" بصفتها يهودية. إذ في هذا الإطار جاء الإلحاح الإسرائيلي باعتراف العرب بيهودية الدولة العبرية كشرط أساسي لأي عملية تفاوض أو حل نهائي منذ مؤتمر انابوليس2007. وهذا الإلحاح الإسرائيلي يعبر في العمق عن ارتفاع منسوب الهواجس والقلق الوجودي الذي بدأ يطفو على السطح الإسرائيلي تحت وطأة المتغيرات العاصفة التي تشهدها إسرائيل. فالمصالح الإستراتيجيّة أصبحت قائمة على مشروع سياسي وأمني جديد قوامه تبني خيار الديموغرافيا بدل الخيار الجغرافي. والاهتمام الإسرائيلي بالديموغرافيا يأتي من شعور مستبطن لدى اليهودي بأنه في المنطقة أقليّة رغم تفوّقه، وأنّه نقطة في بحر رغم قدرته.

فماذا تعني الدولة اليهودية؟ هل هي دولة ما يسمى بالشعب اليهودي كما يعرفها قانون إسرائيل؟ وكيف يمكن لدولة كل خمسة من مواطنيها تضم فرداً غير يهودي أن تكون يهودية؟ هل حقاً يجوز لها أن تعد نفسها يهودية؟ ما هو موقف الغرب الديمقراطي من هذه القضية؟ وماذا سيحل بفلسطينيي 1948 لدى إعلان إسرائيل دولة لليهود؟

قلق الصهاينة الوجودي

ليس صدفة أن تبدي إسرائيل استعداداً للبحث في مسألة اللاجئين من زاوية التعويض المالي وذلك ليس من شعور مفاجئ بالمسؤوليّة التاريخيّة عن تهجيرهم، بل رغبة في اتقاء شرّ هذا الملف الديموغرافي. إذ في هذا الإطار يأتي التصريح الشهير لوزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان حول أن المفاوضات مع الفلسطينيين يجب أن تجري على أساس "تبادل للأراضي والسكان". معتبراً أن رفض السلطة الفلسطينية الاعتراف بإسرائيل دولة للشعب اليهودي يجب أن يقود إلى وضع قضية العرب الذين يحملون هوية إسرائيلية على طاولة المفاوضات، إشارة إلى عرب 48.

فالمأزق الديمغرافي والسياسي البعيد الأمد على كامل المستقبل القومي للكيان الصهيوني وهويته بوصفه"الدولة الواحدة لما يسمى بالأمة اليهودية" هو الذي يربك بجلاء كل التوجهات الإستراتيجية الإسرائيلية بخصوص عملية المفاوضات الجارية وآفاقها. ويتضح أن القرار الحاسم الأول الذي يتعين على صناع القرار الاستراتيجي في إسرائيل اتخاذه يتمثل في الإجابة عن السؤال التالي:ما مغزى أن تكون الدولة يهودية بينما قد يصبح 45% من سكانها من غير اليهود؟

فعدد العرب يفوق 300مليون نسمة مقابل7.6ملايين يهودي يقطنون فلسطين، فميزان القوى الديمغرافي يميل بقوة ضد إسرائيل، وهذا الواقع سوف ينعكس آجلاً أم عاجلاً على موازين القوى العسكرية والاقتصادية والسياسية بين الطرفين.ويضاعف هذا القلق الوجودي شعور الإسرائيليين بأن جيش الدفاع ، لم يعد قادراً على مواجهة هذه التحديات بكفاءة عالية. هذا ما اثبتتة على الأقل حروب إسرائيل الأخيرة على لبنان وغزة، فالعدوان على غزة لم يكن يهدف فقط إلى القضاء على المقاومة الفلسطينية بقدر ما كان يهدف إلى استرجاع قوة الردع الإسرائيلي واسترداد الهيبة العسكرية التي فقدتها إسرائيل في جنوب لبنان.

وبالمعيار الديمغرافي الذي بقى واحداً من أهم المعايير في تقرير مستقبل ومصير إسرائيل في المنطقة، فإن إسرائيل بدت في أعين مؤسسيها يوم نشأت في الحركة الصهيونية أواخر القرن التاسع عشر مشروعاً قابلاً للحياة. فلقد دعت الحركة الصهيونية في ذلك الوقت يهود الشتات إلى العودة إلى أرض الميعاد وسواء كانت أرض الميعاد فلسطين أو المشرق العربي فإن المشروع الإسرائيلي اتسم بالمعايير الديموغرافية بشيء من الواقعية آنذاك.    

واهتمام قادة إسرائيل بموضوع يهودية الدولة العبرية قديم فقانون العودة الصادر عام1950 نص على أن من "حق كل يهودي أن يهاجر إلى البلاد" وأن "اليهودي هو من ولد لأم يهودية أو تهود وهو ليس تابعاً لديانة أخرى"، بالإضافة إلى القانون الصادر عام1992 حول "كرامة الإنسان وحريته" يورد أن هدف هذا القانون الأساس هو الدفاع عن كرامة الإنسان وحريته من أجل تثبيت قيم دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية. إذ في إسرائيل، ليس كل إسرائيلي جزءاً من الأمّة اليهوديّة. فالدين اليهودي هو وحده الذي يعطي جواز المرور إلى الأمّة ومن هنا يمكن فهم غياب الأمّة الإسرائيليّة في الذهن اليهودي لصالح مفهوم الأمّة اليهوديّة، فإسرائيل هي دولة اليهود فقط، وإنّ غياب الدستور في إسرائيل ما هو إلا تعبير عن إشكاليّة الوجود التي تعاني منها إسرائيل.   

كما أن معظم قرارات المحكمة العليا الإسرائيلية والنقاشات البرلمانية، وحتى المفاوضات التي تجريها إسرائيل مع السلطة الفلسطينية في شأن القطاع والضفة تأخذ المنحى نفسه. وأيضاً قانون حرية العمل الصادر عام 1992 الذي جاء فيه "أن هدف هذا القانون هو الدفاع عن حرية اختيار العمل ومن أجل تثبيت قيم دولة إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية". وعقدة الخوف الديمغرافي هذه هي من إحدى الأسباب الرئيسيّة للكثير من السّياسات والحروب الإسرائيليّة.

ولا بدّ من الإشارة إلى أن إسرائيل تعرّف نفسها كدولة يهودية وهي ملك لأشخاص تعرّفهم السلطات الإسرائيلية كيهود وبغض النظر عن المكان الذي يعيشون فيه. فالمعضلة الأساسية الأولى التي تواجهها إسرائيل منذ انتصاراتها السريعة والمفاجئة في حرب 67 تتمثل في إيجاد الصيغ العلمية الكفيلة بالاحتفاظ بالأراضي المحتلة، ودمجها في فضائها السيادي لغايات أمنية وإستراتيجية ودينية، مع تفادي المخاطر الجسيمة الناتجة عن منح المواطنة لسكانها. وتتوسّع يهوديّة الدولة على حساب المساحات الديمقراطيّة حيث تمنح الامتيازات والحقوق والمواطنيّة لليهود دون غيرهم من السكان، لاسيّما الفلسطينيين. وفي هذا الإطار جاء مصادقة الحكومة الإسرائيلية على القانون الذي قدمه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول تعديل قانون الجنسية. في تشرين الأول 2010.

وفي نفس السياق يأتي ما يجري تداوله في إسرائيل وما يتمّ تقديمه ونقاشه داخل الكنيست الإسرائيلي، حول منح الحقوق السّياسيّة من الترشيح والانتخاب فقط للمواطنين الذين يؤدّون الخدمة العسكريّة أو خدمة بديلة لها، أو من خلال إتباع سياسة تنمويّة داخل إسرائيل قائمة على تهميش عرب 48 وزيادة الضغوط الاقتصادية عليهم لوضعهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا القبول بحق الإقامة دون الحقوق السّياسيّة أو الهجرة من إسرائيل.

وتكمن خطورة الطروحات الإسرائيليّة في حال تبنت الإدارة الأمريكية الحالية هذه الطروحات كما تبنّتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن. وكان ذلك واضحاً من خلال رسالة التطمينات التي قدّمها لرئيس الوزراء الإسرائيلي السّابق شارون في عام 2004 أو من خلال تصريحاته أثناء زيارته لإسرائيل في أوائل 2008 [12].وممّا يؤكّد هذا التّوجّه العودة إلى محادثات كامب دايفيد في تموز2000 حيث خلق الرّئيس الأمريكي بيل كلينتون آنذاك ربطاً مباشراً، بين حقوق اللاجئين الفلسطينيين وحقوق اللاجئين اليهود الذين اضطرّوا إلى مغادرة دول عربية.

إذ أصبحت يهودية إسرائيل مسألة دولية منذُ أن تبنت الولايات المتحدة ذلك على لسان الرئيس جورج بوش الابن في مؤتمر العقبة في 4 حزيران 2003 حيث صرح: "اليوم أمريكا ملتزمة بقوة بأمن إسرائيل كدولة يهودية مفعمة بالحيوية". وعلى الرغم من بروز اتجاه أمريكي داعٍ إلى وضع مسافة بين أمريكا وإسرائيل حفاظاً على المصالح الأمريكية، ولكن ذلك قد يكون أصعب ملف وآخر ملف يمكن لإدارة أمريكية أن تفعل فيه شيئاً، فلا تزال الغلبة لفكرة التحالف الإستراتيجي مع إسرائيل خصوصاً في ظل عدم وجود موقف عربي جامع وضاغط موحد، بينما لا يزال اللوبي اليهودي مؤثراً في السياسة الأمريكية. ومع ذلك فإن الخلاف الأمريكي الإسرائيلي حول تجميد الاستيطان ليس مسألة شكلية، وهو يعكس العبء الذي تمثله إسرائيل على السياسة الأمريكية، حيث تفقدها القدرة على المناورة وإدعاء المصداقية في الوساطة مع العرب. وبالتالي تقوم الحكومات الإسرائيلية بتنفيذ خطوات تنسجم مع رؤيتها الإستراتيجية للتسوية مع الفلسطينيين والقائمة على ركائز ثلاث: 

1- إلغاء حق العودة بالكامل والتحضير لنقل العرب الإسرائيليين إلى خارج الدولة الإسرائيلية والتي ستكون دولة يهودية صافية.

2- القدس عاصمة أبدية لإسرائيل.

3-     الاستمرار في بناء المستوطنات بحيث لا يعني تجميدها توقفها نهائياً.

وضع فلسطينيي 1948

على الرغم من التلاعب بالألفاظ، وإبداء بعض قادة الصهاينة تطمينات كاذبة فيما يتعلق بالفلسطينيين كانوا يذكرون العرب في فلسطين، وليس الفلسطينيين العرب بأنه لن تلحق بهم الكوارث في حال قامت دولة يهودية في فلسطين، وأن منافع كثيرة سيحصلون عليها، خصوصاً أن رأس المال اليهودي سيتدفق على الدولة التي ستنشأ، وأنه سيتشارك مع رأس المال المحلي في التنمية وإقامة المشاريع المنتجة والازدهار، كما لن يُطرد أحد من السكان، وفق وثيقة وعد بلفور التي نصت على احترام "الجماعات" التي تسكن فلسطين تجهيل مقصود ومدروس وأنه لن يصيبها ضرر في معتقداتها ووجودها وأملاكها، وغير ذلك من الأكاذيب الموزعة في مسارح "التمثيل" بين المستعمرين وقادة من الصهاينة، علماً أن قيادات صهيونية أخرى كانت تبوح بالهدف النهائي للغزوة الصهيونية منذ نهاية القرن التاسع عشر.

وأبلغ مثال واضح وصريح عن الأهداف الصهيونية هو مؤتمر بال في سويسرا في عام 1897. كما أن وعد بلفور الإنكليزي في عام 1917 كان معبراً عن لسان حال التوجه الغربي في إيجاد حل للمشكلة اليهودية على حساب الشعب الفلسطيني وأرضه، وعلى ما ستشهده المنطقة بين الحربين العالميتين وما بعدهما من احتلال وانتداب واستعمار، في تقاسم مخطط له بين فرنسا وبريطانيا من خلال اتفاقية سايكس بيكو في عام 1916.

وإذا ما عدنا إلى التدرج في الإعلان عن التوجهات الصهيونية بالاستحواذ على فلسطين، وتحويلها إلى وطن قومي لليهود، وفق نص وعد بلفور، وصولاً إلى أطروحات هذه المرحلة، والإعلان بوضوح إقامة دولة يهودية في فلسطين، من دون الأخذ في الاعتبار وجود أقلية قومية عربية فلسطينية، تعتبر نفسها صاحبة الأرض، وتكفل لها المواثيق الدولية حقوقاً والتزامات تجاه دولة الاحتلال، ومع النص بوضوح في القرار الأممي الرقم 194 الصادر عام 1948 على إعادة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأملاكهم والتعويض عليهم.

 من أبرز المحطات التي يمكن الإشارة إليها ضمن مسيرة تكريس الوجود الصهيوني في فلسطين، نذكر ونتذكر الآتي:

- ذكر ثيودور هرتزل في كتابه "الدولة اليهودية" الصادر عام 1896 ما يأتي: "ونقيم هناك في فلسطين جزءاً من حائط لحماية أوروبا في آسيا، يكون عبارة عن حصن منيع للحضارة في وجه الهمجية، ويتوجب علينا كدولة (محايدة) أن نبقى على اتصال بأوروبا التي ستضمن وجودنا في المقابل".

- منذ نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، فإن إسرائيل زنغويل القيادي الصهيوني الإنكليزي، وصاحب الشعار الشهير "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" ذكر في مناسبات عدة "إذا أردنا أن نعطي بلداً لشعب بلا بلد، فمن الحمق بمكان أن نسمح بأن يصبح في هذا البلد شعبان، فهذا لا يجلب سوى المتاعب، وسيعاني اليهود كما يعاني جيرانهم. ثمة واحد من أمرين: يجب إيجاد مكان آخر إما لليهود وإما لجيرانهم". 

- ذكر حاييم وايزمان عام 1914 والذي أصبح أول رئيس للكيان الصهيوني عام 1948، ما يأتي: في مراحلها المبكرة، كانت الصهيونية كما تصورها روادها حركة تعتمد كلياً على عوامل ميكانيكية، ثمة بلد صَدَف أن اسمه فلسطين، وهو بلد بلا شعب، ومن ناحية أخرى هناك شعب يهودي، وهو لا يملك بلداً، إذاً لا يبقى سوى وضع الفص في الخاتم وجمع الشعب والأرض.

- كذلك شدد دعاة الترحيل من قادة الصهاينة، على أن الفلسطينيين ليسوا شعباً متميزاً، وإنما هم مجرد سكان عرب، أو "جالية عربية" صودف أن استقرت بـ"أرض إسرائيل"!!، وأنهم لا يشكلون شعباً متميزاً منفصلاً، ولم يكونوا جزءاً مكملاً للبلد، وليست لهم أية روابط تاريخية به. فإنه يصبح بالإمكان ترحيلهم إلى بلدان عربية أخرى من دون إجحاف مفرط, كما جاء في كتاب "أرض أكثر وعرب أقل - سياسة الترانسفير الإسرائيلية في التطبيق" للدكتور نور الدين مصالحة.

- أثناء الحرب في فلسطين عام 1948، أمر ديفيد بن غوريون أول رئيس للوزراء، في 11 أيار (مايو) بتدمير الجزر العربية أي القرى الواقعة بين المستوطنات اليهودية.

- يمكن الإشارة إلى مئات العمليات الإجرامية والتصريحات والإجراءات والخطط التي تم الإعلان عنها ووضعها موضع التطبيق، من أجل الاستحواذ على كامل التراب الفلسطيني، ومحاولة إقامة الدولة اليهودية، إلا أنه وبعد توقف الحرب عام 1948 وعقد هدنات بين الكيان الصهيوني الجديد وعدد من البلدان العربية، اكتشف الصهاينة أن حوالي 160 ألف عربي فلسطيني ما زالوا في مدنهم وقراهم وبلداتهم، وذلك على الرغم من المجازر والطرد والحرق والنسف تم تدمير حوالي 500 مدينة وبلدة وقرية حتى إن ثلاثين ألفاً من بينهم كانوا خارج بيوتهم، فلم يسمح لهم بالعودة إليها، وتم تدمير غالبيتها، وأعلنت الدولة أنها غير مسؤولة عن تقديم أية خدمات لهم. هكذا، عاشوا واستمروا في أماكن قريبة من أراضيهم الأصلية. هكذا أيضاً، عاش الآخرون 160 ألف نسمة تحت الحكم العسكري حتى عام 1966، حيث أصبح عددهم حالياً يتجاوز المليون ونصف المليون، أضيفت إليهم ملايين أخرى من الضفة وغزة والقدس بعد حرب عام 1967. ومن يومها بدأت تطرح مشاريع القيادات الصهيونية، ومن بينها طردهم والاستيلاء على أراضيهم بشتى الطرق والأساليب و"تسويد عيشهم" وجعله مستحيلاً كحياة إنسانية سوية، وهدم بيوتهم وقلع أشجارهم والاستيلاء على مياههم، وإقامة الجدار العنصري والمزيد من الحواجز لإرباك حياتهم وتعطيل التواصل في ما بينهم، وعمل كل ما يساهم في تدمير استمرار وجودهم.

حتى المشاريع التي تم الترويج لها، مثل إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الأراضي التي تم احتلالها عام 1967، ابتلعتها المستعمرات الصهيونية في الضفة والقدس الشرقية، فيما صادر الجدار العنصري أخصب الأراضي فيها. وها هي الأمور مستمرة على هذه الوتيرة التي تقضي وبالتدريج، وأحياناً بسرعة، على حلم إقامة دولة فلسطينية في الأراضي التي احتلت عام 1967. وأصبح المطلوب من الفلسطينيين وفق ما جاء على لسان الرئيس الأمريكي باراك أوباما أثناء زيارته المنطقة: الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، ووجوب استئناف المفاوضات مع إسرائيل من دون شروط مسبقة، أي من دون وقف الاستيطان ومصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية. إلا أن بنيامين نتنياهو اشترط من جانبه أن يعترف الفلسطينيون بإسرائيل كدولة يهودية، ما يعني أن يوافق الفلسطينيون على طرد مواطنيهم الفلسطينيين من أراضي الاحتلال الأول عام 1948 في أي وقت، كونهم ليسوا يهوداً في دولة يهودية لا تخصهم.

وكان لافتاً ما طرحه بني غانتس رئيس أركان جيش الاحتلال في مؤتمر هرتسليا الأخير، الذي عقد من 11 إلى 14 آذار (مارس) الماضي، حيث قال إن الوضع الإقليمي والدولي الجديد يسمح لأول مرة بإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا في المنطقة، بما يتيح توطين جميع الفلسطينيين الذين سيتم تهجيرهم، بمن فيهم العرب في إسرائيل والضفة الغربية، في الدول العربية، وأن الوضع الدولي تغير، ولن يقود إلى وسم إسرائيل بالعنصرية إذا عملت على إشهار هويتها اليهودية، وذكر بأن عدد الفلسطينيين الذين سيهجرون "طواعية" يمكن احتماله، لأنه سيكون أقل من نصف المهجرين من العراقيين والسوريين وغيرهم!.

وما دام الأمر كذلك، خصوصاً في وضع فلسطيني وعربي تآكل فيه التضامن، وقلّت فاعليته، ونخرته الانقسامات والمشاكل الداخلية، فإن المصير الفلسطيني، خصوصاً في ما يتعلق بفلسطينيي عام 1948 وغيرهم، وفي ظل التوجه للإعلان عن يهودية الدولة في إسرائيل، فإن "النكبة" قد تستكمل مفاعيلها ومآسيها، ويتحول الفلسطينيون في الداخل الفلسطيني إلى لاجئين جدد في وطنهم.

موقف الغرب الاستعماري

إن معظم الإشارات والرموز والشعارات الرسمية في إسرائيل تحمل تعبيرات يهودية صرفة: العلم وألوانه، النشيد الوطني وكلماته، الطوابع والقطع النقدية والصور والأشكال المطبوعة عليها، الأعياد ومناسباتها، القوانين ذات الدلالات الدينية، كقانوني العودة والجنسية، مناهج التعليم، لاسيما الموصول منها بالتاريخ ونوعية الثقافة وصناعة الهوية، أسماء المدن والمراكز المدنية والقروية الأكثر ازدحاماً وحيوية... هذه النماذج ونحوها، إلى جانب محاولة عبرنة كل شيء وتهويده في الدوائر والمكاتبات الحكومية، تضيق مجال التفكير في إسرائيل الدولة خارج السياق اليهودي. ويشهد بهذا السياق أيضاً قرارُ الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947 المنشئ لإسرائيل، الذي سماها صراحة ونصاً في كل فقراته، وأشار إليها في خريطته التوضيحية بـ "الدولة اليهودية".

فـ"إسرائيل" أعلنت يهوديتها منذ يومها الأول، عبر ما يعرف بوثيقة الاستقلال، بل ولنا أن نفترض أنها أضمرت مضمونها اليهودي قبل ذلك اليوم بكثير، حين رفضت الحركة الصهيونية مشاريع التسوية كافة القائمة على الحل الديمقراطي في كيان فلسطيني جامع للعرب واليهود، وآثرت الحل الانعزالي الرامي إلى إنشاء دولة لليهود فقط، واتجهت إلى تكريس المؤسسات اليهودية اللازمة لتفعيل هذا الحل. ولماذا نبتعد؟ ألم يهدف آباء المشروع الصهيوني إلى تأسيس دولة يهودية تكون - بزعمهم- حلاًّ نهائياً لما اشتهر بالمسألة اليهودية؟ وهناك في هذا المضمار الكثير الكثير، ما يؤكد أن التركيز على المضمون اليهودي لإسرائيل كان دوماً قائماً على قدم وساق، وأن الأطراف المنغمسة في الصراع على أرض فلسطين وجوارها الإقليمي ومحيطها الدولي كانت على دراية يقينية بهذا المضمون قبل قيام هذه الدولة وبعده. وهكذا، فإن ما يحتاج إلى تفسير هو مطالبة الجانب العربي بعامة والفلسطيني بخاصة، بالاعتراف الموثق في صلب عملية التفاوض والتسوية بهذا المضمون خلال السنوات العشر الأخيرة.

لقد كان من شأن الاجتهادات الثرية بهذا الخصوص أنْ وَضَعَنا أيدينا على معظم الأضرار المتوقعة بحقوق العرب والفلسطينيين إذا ما استجابوا لهذا المطلب، وأهمها بلا حصر الموافقة شبه الضمنية على الرواية الصهيونية حول التاريخ السياسي القديم لفلسطين، وتعريض فلسطينيي الـ 48 للانكشاف واحتمال طردهم من ديارهم، أو القناعة بدونيتهم والقبول بحالة انعدام المساواة التي يخضعون لها بشكل قانوني صريح. إن توثيق القبول بيهودية إسرائيل سيفتح مصير هذه الجماعة على أفق ســياسة التمييز الأكثر قتامة مما هو قائم بالفعل منذ عام 1948.

إلى ذلك، ثمة مخاوف مشروعة من أن يؤدي الإيغال في التعريف اليهودي لإسرائيل، إلى تصدعات في العلاقة بين قطاعات المستوطنين اليهود وقطاعات المستوطنين غير اليهود داخل الكيان الصهيوني, الذي هُجر إليه خلال العقدين الأخيرين أكثر من 300 ألف من المهاجرين المشكوك في يهوديتهم، وبمجرد التركيز على النسب اليهودي البحت لإسرائيل، فسوف تزداد موجة التربص والتوجس بين هذه القطاعات. ندفع بذلك وفي الذهن ذلك التصاعد الواضح في نفوذ المتشددين (الحريديم) هناك بوتيرة لا ينبغي معها استبعاد الصدام مع العلمانيين اليهود، فكيف تكون الحال مع العلمانيين غير اليهود؟! وإذا مددنا هذه الملاحظة على استقامتها، وصلنا إلى إمكانية تراجع قدرة إسرائيل "اليهودية" على استقطاب مهاجرين غير يهود من الأصل، لعلم هؤلاء الأخيرين بأنهم سيواجَهون بشروط حياة لا تناسبهم، في دولة تميل علانية لليهود وتنطق باسمهم فقط. وخطورة هذا التطور أنه سيفاقم واقع الضعف السكاني إزاء الفلسطينيين داخل الدولة، وكذا في حدود فلسطين التاريخية، لضمور المدد البشري غير اليهودي عنها أو انقطاعه من جهة، وعزوف كثير من القطاعات اليهودية القحة عن الهجرة إليها من جهة أخرى.

يقول تقرير معهد سياسات الشعب اليهودي الصادر في حزيران الماضي، إن "تنامي العداء والكراهية لليهود في أوروبا، دفع العديد منهم إلى الهجرة ولكن ليس إلى إسرائيل، وإنما إلى مواطن أخرى مثل كندا والولايات المتحدة". ثم إن المستوطنين غير اليهود قد يتساءلون عن جدوى الدفاع عن دولة تجاهر بأنها ليست لهم، تماماً كما هو الحال بالنسبة لفلسطينيي 48. نحن بصدد ملف ينطوي على تعقيدات ومحاذير بالنسبة إلى الداخل الإسرائيلي، لاسيما في الأجلين المتوسط والطويل، ومع ذلك فإن المفاوضين الإسرائيليين يُظهرون إصراراً على مقاربته بعيون عوراء، لا ترى فيه غير ما يفيد مشروعهم في الأمدين القصير والمنظور. وآية ذلك أن معظم الإسرائيليين لا يفضلون البوح بالارتدادات السلبية لهذا الملف، الأمر الذي يحول دون إيفائها حقها من التحري والبحث في مناظراتهم ذات الصلة. غير أن الطرف الفلسطيني يظل معنياً باستكناه هذه الارتدادات وتوظيفها في صراعه التاريخي الاجتماعي الممتد مع العدو الصهيوني.

باحثة في علم الاجتماع السياسي(*)

المراجع

1- أباه ولد السيد، شفيق منير،"مستقبل إسرائيل"، دار الفكر، دمشق، 2001.

2- إسماعيل عباس،"عنصرية إسرائيل. فلسطينيو 48 نموذجاً"، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت،2008.

3- بشارة عزمي،"من يهودية الدولة حتى شارون: دراسة في تناقض الديمقراطية الإسرائيلية"، دار الشرق، القاهرة، 2005.

4- بشارة عزمي،"العرب في إسرائيل رؤية من الداخل"، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،2008.

5- غانم اسعد، مصطفى مهند،"الفلسطينيون في إسرائيل:سياسات الأقلية الأصلية في الدولة الأثنية"، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، رام اللة،2009.

6-كيوان مأمون ،"اليهود في الشرق الأوسط"، الأهلية للتوزيع والنشر، عمان،1996.

7- محمود خالد،"آفاق الأمن الإسرائيلي"، مركز الزيتونة للدراسات، بيروت،2007.

8- نتنياهو بنيامين،" مكان تحت الشمس"، دار الجيل، طبعة ثالثة، عمان،1997.

9- التقرير الاستراتيجي الفلسطيني لسنة 2009، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت،2010.  

اعلى الصفحة