منطلقات فقهية لإنتاج أسلحة الدمار الشامل(3):

السنة الثالثة عشر ـ العدد 145 ـ ( ربيع أول 1435 هـ) كانون ثاني ـ يناير ـ 2014 م)

بقلم: الدكتور علي ناصر(*)

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

تزداد أهمية معالجة مسألة "إنتاج أسلحة الدمار الشامل"، على ضوء التطورات المعاصرة، سواء على مستوى المفاوضات التي تجري منذ سنوات بين إيران والدول الغربية، ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، أو على مستوى الحصار الاقتصادي المفروض على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أو على مستوى تسليم سوريا لأسلحتها الكيميائية، أو على مستوى اعتراف "إسرائيل" بامتلاكها أسلحة نووية.

وهنا أسأل: ماذا سيكون ردُّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية إذا قامت إسرائيل بشنِّ هجوم عليها، واستعملت أسلحة دمار شامل تبيد مدناً بأكملها؟ وهل يمكن ردع العدو عن القيام بمثل هذا الهجوم من دون امتلاك مثل هذه الأسلحة؟ أسئلة كبيرة تحتاج إلى أكثر من مقال للإجابة عليها. وهذا لا يمنع من الخوض في الأدلة الفقهية العلمية على جواز إنتاج هذا النوع من الأسلحة أو حرمته، فما نكتبه هو في معرض استعراض أدلة في مقالةٍ، واستعراض أدلة معارضةٍ لها في مقالة أخرى أو في نفس المقالة، علَّنا نفتح أفقاً علمياً جديداً أمام الباحثين الفقهاء والمفكرين والسياسيين، ونؤكد أن الإسلام المحمدي الأصيل هو دين حكم وإدارة وسياسة، دين أحكام اجتماعية، وليس دين أحكام فردية فقط.  

البند الأول-ملف أسلحة الدمار الشامل يشغل بال العالم

إن ما يحصل في سوريا من استعمال للأسلحة الكيميائية والغازات السامة والاتهامات المتبادلة يشغل بال العالم، فقد رصدت الصحف المحلية(1) تطورات الأزمة السورية، وبالتحديد خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي تحدث فيه عن أدلة تقنية تمتلكها موسكو تنفي تورط الجيش السوري بهجوم الغوطة الكيميائي، وتشير إلى تورط المجموعات المسلحة الإرهابية في ذلك. كما أطلق دعوة إلى نزع السلاح الكيميائي من منطقة الشرق الأوسط، رابطاً بين الترسانة الكيميائية السورية والسلاح النووي الإسرائيلي(2).

ونلفت إلى أن سوريا وافقت على تسليم أسلحتها النووية للأمم المتحدة تمهيداً لإتلافها، وأنها استكملت تسليم جرد كامل بترسانتها الكيميائية بموجب اتفاق جنيف بين الأمريكيين والروس لتفكيك أسلحتها الكيميائية. وأكدت منظمة حظر انتشار الأسلحة الكيميائية أنها تسلَّمت القوائم المرتقبة من الحكومة السورية بخصوص برنامجها للأسلحة الكيميائية(3). ويقوم خبراء المنظمة بتحليل الجرد الكامل الذي قدمته دمشق من أجل تحديد جدول زمني واقعي لإتلاف المواد الكيميائية وأنظمة التسليم ومنشآت الإنتاج. وبموجب الاتفاق بين واشنطن وموسكو، يجب أن ينجز مفتشو منظمة حظر الأسلحة الكيميائية عمليات التفتيش في مواقع أسلحة سورية، وتدمير معدات الإنتاج والتعبئة، بحلول تشرين الثاني/نوفمبر(4).

أما بالنسبة إلى "إسرائيل"، فإنها المرة الأولى التي تقرُّ فيها بامتلاكها للسلاح النووي وفق تصريحات جديدة، حيث كشفت شهادات مسؤولين إسرائيليين عن طرحٍ قدَّمه وزير الحرب الإسرائيلي موشيه ديان خلال حرب تشرين عام 1973، باللجوء إلى الخيار النووي لإيقاف الهجوم السوري المصري ضد "إسرائيل"، وهو ما رفضته رئيسة وزراء العدو آنذاك غولدا مائير. وهذه المرة الأولى التي يُسمح فيها بعرض تصريحاتٍ تؤكد امتلاك "إسرائيل" للسلاح النووي(5). زد على ذلك تأكيد خبراء أمريكيين أن "إسرائيل" تمتلك رؤوساً نووية وكميات كبيرة من المواد الانشطارية، على الرغم من الغموض الذي يحيط به الكيان الصهيوني نشاطاته النووية، وذلك في دراسة نشرتها صحيفة لوس أنجلس تايمز(6).

وأكد بحث أمريكي جديد نشر مؤخراً أن لعبة الخطوط الحمراء الأمريكية الإسرائيلية لإيران قادت إسرائيل مؤخراً لإطالة مدى صواريخها، وتحميلها ليس بقنابل نووية عادية، وإنما قنابل هيدروجينية. وشدَّد البحث الذي أعده الباحث أنتوني كوردسمان من مركز البحوث الإستراتيجية الدولية (CSIS) الأمريكي على أن إسرائيل تملك القنابل الهيدروجينية، التي تزيد في قوتها مئة مرة عن القنابل النووية العادية، وأن المدن الإيرانية المأهولة تقع في مدى صواريخها(7).

وهذا يؤكد على أن العالم الغربي، وبالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها إنما يكيلون بمكيالين، ففي الوقت الذي لا يسمح فيه لأي دولة عربية أو إسلامية - لا تخضع لنفوذهم وقرارهم السياسي- بامتلاك أدنى أنواع أسلحة الدمار الشامل، بحجة منع انتشار هذا النوع من الأسلحة، هم يسمحون "لإسرائيل" بامتلاك كل أسباب القوة، ومنها أسلحة الدمار الشامل.

أضف إلى ذلك تطورات الأوضاع الإقليمية باتجاه حرب لا يُعرف مداها، كانت ستشمل سوريا، و"إسرائيل"، وإيران، ولبنان، وتركيا، وربما دول الخليج، والعراق، ناهيك عن الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، والصين، فنصبح أمام حرب عالمية ثالثة، قد تُستعمل فيها أسلحة الدمار الشامل، ولاسيما السلاح النووي، ما يؤدي إلى كارثة عالمية تهدد حياة كل كائن حي على وجه الكرة الأرضية، وليس فقط الإنسان. فإسرائيل شجعت على الحرب الأمريكية ضد إيران، ولا مانع لديها أن تشعل العالم بأسره في حرب إقليمية - قد تتطوَّر إلى حرب عالمية ثالثة- من أجل مصلحتها الخاصة إن صحَّ تقديرها للأمور. وهذا ما يزيد من أهمية هذا البحث.

ونشير إلى أنه تمت في الأعداد السابقة معالجة المنطلقات الفقهية لنظرية تحريم إنتاج أسلحة الدمار الشامل، وقد عرضت أدلة نقلية من "الكتاب العزيز"، و"السُّنَّة الشريفة"، وكذلك أدلة على مستوى "القواعد الفقهية"، و"الدليل العقلي". أما الآن فسأعرض في هذا البحث أدلةً علميةً جديدةً، تدعو إلى إنتاج أسلحة الدمار الشامل، حيث سنعمل على مناقشة هذه الأدلة، وصولاً إلى نتائج جديدة، سائلين الله تعالى التوفيق وقبول الأعمال.

البند الثاني-الكتاب: وجوب الإعداد للقوة وإرهاب العدو

لا شك أن الإسلام يدافع عن العقل والعلم، ويدفع المجتمعات الإسلامية إلى الاكتفاء الذاتي، وإلى عدم الإحساس بالنقص والضعف، فالناس سواسية في امتلاك العقل والتصميم والإرادة، ويتجلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ للإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾(8)، وبالتالي يجب التهيؤ للدفاع. والخطوة الأولى فيه هي التهيؤ الدائم للدفاع عن النفس في أية لحظة، فالإنسان المؤمن يجب أن يبقى عزيزاً، مهاباً، قوياً، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾(9).

ولا بد من ملاحظة الفارق بين تعلُّم تكنولوجيا إنتاج أسلحة الدمار الشامل، وامتلاك هذه الأسلحة، كما أن هناك فرقاً بين تعلُّم السِّحر، فهو جائز لدفع كيد الساحرين، بخلاف استخدامه ابتداءً، وترويجه لإلحاق الأذية بالآخرين، فيكون محُرَّماً. فمجرد تحصيل القدرة على إنتاج هذا السلاح وامتلاكه، بهدف إحداث الرعب في مجتمع العدو، وردعه عن استخدامه ضد المسلمين، هو أمر محبوب عند الله تعالى. ولذلك فإن السعي لذلك أمر مرغوب في نفسه، بل قد ندعي أنه واجب بناء على أن الله قد أمر المسلمين بإعداد ما استطاعوا من القوة ورباط الخيل. وصيغة الأمر ظاهرة في الوجوب(10). قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾(11)

 لقد أمر الله تعالى المؤمنين بإعداد ما قدروا عليه من القوة للجهاد، وعلَّق ذلك بالاستطاعة لطفاً منه تعالى. وهو ما يستفاد من حكم العقل بلزوم إطاعة أمر المولى، ما لم يرخِّص ذات المولى بالترك، فيُستفاد من صيغة الأمر الوجوب لا الندب، على تقدير تجرُّدها عن القرينة على إذن الآمر بالترك. وفي ذلك يقول الشهيد الصدر: "والمقرر بين الأصوليين عادة هو القول بأن هذه الصيغة تدل لغة على الوجوب.. وليس معنى دخول الإلزام والوجوب في معنى الصيغة، أن صيغة الأمر لا يجوز استعمالها في مجال المستحبات، بل قد استعملت كثيراً في مجال الاستحباب كما استعملت في موارد الوجوب، ولكن استعمالها في موارد الوجوب استعمال حقيقي، لأنه استعمال للصيغة في المعنى الذي وُضِعَت له، استعمالها في موارد الاستحباب استعمال مجازي، يبرِّره الشبه القائم بين الاستحباب والوجوب. والدليل على أن صيغة الأمر موضوعة للوجوب هو المتبادر، فإن المنبثق على ذهن العُرف ذلك"(12). وبناءً عليه فإن الآية تدل على وجوب الإعداد، وامتلاك أسباب القوة ومنها إنتاج أسلحة الدمار الشامل.

والمخاطَبون في هذه الآية هم المؤمنون، والضمير في لهم عائد إلى الكفار، وهم المأمور بحربهم في ذلك الوقت، ويعمُّ من بعدَهم، ويعود على الذين ينبذ إليهم العهد بلحاظ سياق الآيات التي سبقت هذه الآية، والظاهر العموم في كل ما يُستفاد منه لكسر شوكة الأعداء. والمراد بالقوة كل ما يقوي شوكة المسلمين على أعدائهم، كالرمي، فإن معظم القوة وأنكاها للعدو الرمي، وجاء في فضل الرمي أحاديث، وركوب الخيل، وقوة القلوب، واتفاق الكلمة، والحصون المشيدة، وآلات الحرب كماً ونوعاً، والملابس البهية. كما أن هناك نصاً في فضل رباط الخيل، إذ كان الاعتماد عليها في الحروب، والخير معقود بنواصيها، وهي مراكب الفرسان الشجعان، ولعل الرباط من الخيل الخمس فما فوقها، فرباط الخيل جمع ربط، ولا يكثر ربطها إلا وهي كثيرة. والرباط اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، ويجوز أن يكون الرباط مصدراً من ربط، كما يجوز أن تسمى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة. وقيل: رباط الخيل الذكور منها، لما فيها من القوة، والجلد على القتال، والكفاح، والكر، والفر، والعدو. والمعنى: أن الكفار إذا علموا بما أعددتم للحرب من القوة ورباط الخيل خوفوا من يليهم من الكفار وأرهبوهم، إذ يعلمونهم ما أنتم عليه من الإعداد للحرب فيخافون منكم، وإذا كانوا قد أخافوا من يليهم منكم، فهم أشدُّ خوفاً منكم. وبفزعهم ورهبتهم غنى كبير في ظهور الإسلام وعلوه(13).

وأما في عصرنا الراهن فقد تعددت الخيول فمنها البرية، كالسيارات العسكرية، وناقلات الجند، والدبابات، ومنها الجوية كالطائرات المروحية، والحربية. كما تعددت أسباب القوة. ولا شك في أن إنتاج السلاح اليوم، سواء كان على المستوى الكمي، أو النوعي، له تأثيره البالغ في معنويات المجاهدين إيجاباً، وفي معنويات الأعداء يأساً، وإحباطاً. ولقد جاء أمر التسلح مطلقاً، ولم تُحَدِّد الآية الكريمة نوعية السلاح الذي ينبغي على المسلمين التسلُّح به، بل نحن مأمورون بالتسلح بما يؤثر على معنويات الأعداء، ويبثُّ الخوفَ، والرُّعبَ، في قلوبهم، ومن المنطقي أن السلاح التقليدي- في العصر الحديث- لم يعد مصدر رهبة للأعداء، مقارنة بالأسلحة غير التقليدية، ولذلك قد يُقال إن حيازة أسلحة دمار شامل أصبح أمراً لا مناص منه، ولاسيما في ظلِّ نظام عالمي يتسم بمنطق القوة، والبطش، فلا بد لأمة الإسلام من أن يكون لها القدرة على الحفاظ على وجودها، والدفاع عن نفسها، وأن يكون لها شأن بين الأمم، وهذا يعني أنَّ تملُّك الدول الإسلامية لتلك الأسلحة أصبح مطلباً شرعياً، ولاسيما أن هذا المطلب يحقق لها وضعاً استراتيجياً، وعسكرياً، مميزاً، وسياسة ردع، تؤدي إلى إحداث نوع من توازن القوى على المستوى الدولي.

وبناء على ما تقدّم، فإننا نستدل بالقضايا المنطقية التي تم تركيبها لتكون حجةً، ودليلاً على جواز صنع أسلحة الدمار الشامل، مع لفت النظر إلى أن الإعداد لا يعني الاستخدام، ولا يعني عدم الاستخدام عند الضرورة، فهو يهدف إلى إرعاب العدو كي لا يعتدي علينا، فتكون القضايا كالآتي:

المعادلة الأولى:

- القضية الصغرى: وأعدوا: فعل أمر.

- القضية الكبرى: صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب.

- النتيجة: الإعداد للقوة واجب.

المعادلة الثانية:

- القضية الصغرى: أسلحة الدمار الشامل تُرهب العدو.

- القضية الكبرى: إرهاب العدو واجب.

- النتيجة: إنتاج أسلحة الدمار الشامل واجب (لأنها قوة تُرهب العدو).

ففي عصرنا الراهن، كل دولة تمتلك السلاح النووي، ويمكنها إيصاله إلى العدو، سواء عبر الصواريخ البعيدة المدى، أو عبر الطائرات، هي دولة مرهوبة الجانب، ولا تتجرأ دولة أخرى على الاعتداء عليها. وبناءً عليه، فإن إنتاج أسلحة الدمار الشامل، هو من أهم عناصر القوة، التي توقع الرُّعب في قلوب الأعداء في عصرنا الراهن، فتضعف معنوياتهم، وتجعلهم يعيشون القلق، والتوتر، فتهزمهم نفسياً.

ولا بد لنا في هذا المجال من الاستفادة من أقوال علماء المسلمين من الشيعة والسُّنَّة، فقد لاحظ بعض الفقهاء دخول هذه القضايا المستجدّة فأجازوا استخدامها في الحرب المُحِقَّة، بل جعلوا ذلك من الواجبات المشمولة لدليل لزوم إعداد القوّة، كما لاحظوا هذا التطّور في آلات الحرب في مباحثهم في السبق والرماية، حيث عمَّموا ذلك إلى السبق والرماية بمختلف الوسائل الحربية؛ لأنهم فهموا هذا الباب على أنه مما يتصل بالإعداد والاستعداد للحروب.

كما أكدت لجنة الفتوى بالأزهر الشريف "وجوب إنتاج" الأمة الإسلامية للأسلحة النووية، وغيرها من الأسلحة المتطورة، بهدف الدفاع عن نفسها، خاصة في ظل وجود هذه الأسلحة بيد أعدائها. وأوضح الشيخ علاء الشناويهي، عضو لجنة الفتوى بالأزهر، أن الإسلام أوجب على الأمة الإسلامية أن تكون متيقظة عارفة بعدوها، لتتمكن من الاستعداد بما يتلاءم مع قوة هذا العدو، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾.

ويرى الشناويهي أن الرسول(ص) - وهو القدوة الحسنة - كان يتحضر ويتقدم في كيفية الاستعداد للعدو بكل الوسائل المتاحة، وعليه فلو استعدت الأمة الإسلامية بشيء أقلّ مما يتسلَّح به عدوها فإنها تأثم لتقصيرها في هذا الجانب. وأضاف عضو لجنة الفتوى بالأزهر أن الإسلام عندما أمر بالتطور والاستعداد والتسلح بكل أساليب القوة والطاقة، لم يكن هدفه أن تصبح الأمة الإسلامية أمة مفسدة في الأرض، وإنما كان هدفه ما ورد في قوله تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾، وحتى يشعر الجميع بأن الأمة الإسلامية لديها من القوة والمنعة ما يجعلها قادرة على صد أيّ عدوان يُوَجَّه إليها.

وأكد الشناويهي أنه يجب على جميع الدول العربية والإسلامية أن تتسلح بأحدث الأسلحة التي تجعلها مرفوعة الهامة، محفوظة الكرامة، مشيراً إلى أن ما نراه هذه الأيام من هوان للأمة هو أكبر دليل على تخلفها بسبب عدم تسلحها بأفضل الأسلحة، في وقت ابتكر فيه أعداؤنا وسائل عديدة لتدمير وإبادة المسلمين المستضعفين.

من جهته وافق الشيخ علي أبو الحسن، رئيس لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، على الفتوى، مطالباً الدول الإسلامية بالسعي لإنتاج الأسلحة النووية وغير النووية؛ مما يُرهب عدوها، ويمنعه من الاعتداء عليها. ويرى أبو الحسن أن معرفة العدو واجب ديني، وأن الإعداد له فريضة شرعية، وأنه إذا ظهر السلاح في يد أمة من العالم، سواء كانت صديقة أو معادية، لزم على المسلمين أن يمتلكوا نفس هذه الأسلحة، أو أسلحة أقوى منها، وأن ذلك ما أجمع عليه الفقهاء. وأضاف رئيس لجنة الفتوى أن الفقهاء أجمعوا أيضاً على أنه إذا ترك المسلمون اقتناء مثل هذه الأسلحة، فإنهم آثمون شرعاً، وعليه فإن الإعداد للأعداء، واتخاذ كافة الوسائل الممكنة للدفاع عن النفس، فريضة واجبة، ولا يجوز تركها شرعاً؛ ومن ثم فإن سعي الدول الإسلامية لامتلاك كافة أنواع الأسلحة الحديثة، نووية أو غيرها، واجب شرعي(14).

ويرى الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي(15) أن الإسلام يوجب على الأمة المسلمة أن تمتلك هذه الأسلحة الرادعة، ما دام غيرها يملكها، ويمكن أن يُهَدِّدُها به، وأن الأمة الإسلامية لا بد لها من الإعداد العسكري: "وهو يتطلَّب إعداد المعدات والأسلحة، وهو ما أمر به القرآن الأمة أمراً صريحاً في قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ﴾(16). وهذا الأمر يشمل إعداد كل وسائل القوة العسكرية اللازمة لتحقيق الانتصار على العدو، ومنها: رباط الخيل، والمراد برباط الخيل: ربط خيول المجاهدين على الثغور، ومنافذ البلاد، التي يمكن أن يتسلَّل منها الأعداء. وقد جاء عدد من الأحاديث الصحيحة تنوِّه بما في إعداد الخيل للجهاد من أجر ومثوبة عند الله. ونقول هنا: إن النصَّ على الخيل- باعتبارها وسيلة من وسائل القوة في العصور الماضية - لا يلزمنا بأن نقف عند هذه الوسيلة، فلكلِّ عصر خيله وفرسانه. ولهذا نجد أن خيل عصرنا هي: الدبابات، والمصفحات، والمجنزرات، وغيرها من الآليَّات المقاتلة في البرِّ، بل يشمل هذا المعدات البحرية من السفن، والبوارج الحربية، والغواصات، وغيرها، وهي من أهم آليات الحرب في عصرنا. بل يشمل ذلك: الوسائل الجوية من الطائرات، والأقمار الصناعية، والصواريخ، وغيرها. وهناك الأسلحة النووية، التي استخدمتها أمريكا في نهاية الحرب العالمية الثانية ضد اليابان، في هيروشيما، وناجازاكي.. نرى أن أمة الإسلام يجب أن تمتلك هذه الأسلحة غير المشروعة، لتكون سلاح ردع وتخويف لأعدائها. وهناك فرق بين استخدام هذه الأسلحة وامتلاكها، فإن امتلاكها ضروري لأمة معرَّضة للعدوان من القوى التي تعادي المسلمين. وقد أثبتت الوقائع أن امتلاك مثل هذه الأسلحة هو ضمان للسلم"(17). ويضيف الشيخ القرضاوي في سياق تفسيره لآية "وأعدوا"، قائلاً: "لم تعد الحرب مقصورة على إعداد القوة العسكرية وحدها، بل لا بُدَّ معها من قوى وجوانب أخرى، تعتبر ضرورية لكسب الحرب. ومن هذه الجوانب: الحرب النفسية"(18).

ورداً على السؤال نفسه الذي وُجِّه إلى الأستاذ الدكتور عبد المعز حريز(19) من قطر بتاريخ 12/03/2003 حول موقف الإسلام من الحرب الكيميائية، أجاب سماحته بأن الإسلام لا يمنع المسلمين من إنتاج الأسلحة الكيميائية على أنها أسلحة ردع. وتفصيل جوابه هو الآتي: "بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، فإن الإسلام يحافظ على البيئة في الحرب والسلم، وهذا لا يمنع المسلمين من امتلاك الأسلحة الكيميائية على أنها أسلحة ردع.. الأسلحة الكيميائية وغيرها، الأصل في امتلاكها في زماننا هذا الوجوب في حق الدولة الإسلامية؛ امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ   تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾(20). ولهذا فإن هذه الأسلحة يتوجب علينا السعي لامتلاكها؛ حتى نكون أمة لها رهبتها في بلاد الكفر، فلا يتمالأ أهل الكفر على المسلمين.."(21).

ويفتي الشيخ ناصر بن حمد الفهد(22) بجواز إنتاج أسلحة الدمار الشامل، متسائلاً عن "الكيل بمكيالين" على المستوى الدولي، قائلاً: "ومن المعلوم أن الكفار في زمننا هذا إنما جعلوا هذه الأسلحة المسماة بأسلحة الدمار الشامل "أسلحة ردع" لتخويف غيرهم. وما تهديد أمريكا للعراق عنا ببعيد باستخدام هذه الأسلحة لو هاجمت العراق "إسرائيل".. فما الذي يبيحها لأمريكا، والكفار، ويحرِّمها على المسلمين؟ إن الذين يتشدَّقون بمحاربة انتشار أسلحة الدمار الشامل كأمريكا، وبريطانيا، هم أول من استخدم هذه الأسلحة، فبريطانيا استخدمت السلاح الكيماوي ضد العراقيين في الحرب العالمية الأولى، وأمريكا استخدمت السلاح النووي ضد اليابان في الحرب العالمية الثانية، كما أن ترسانتهم مع اليهود مليئة بهذه الأسلحة!"(23).

ورداً على سؤال وُجِّه إليه من العراق بتاريخ 01/06/2005 أجاب الدكتور أحمد أبو الوفا(24) بأنه من حق الدولة المسلمة إنتاج أسلحة الدمار الشامل: "بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: سبقت الشريعة الإسلامية القانون الدولي العام في مبادئ العدل والإحسان، والحفاظ على الحقوق والأبدان، والتي منها وضع قيود في استخدام الأسلحة، وليس معنى هذا أن تُجَرِّد البلادُ القويةُ البلادَ الضعيفةَ من الأسلحة، فلها حق امتلاكها للردع والدفاع عن نفسها. ومع ذلك نصَّ فقهاء المسلمين على أنه من حق الدولة المسلمة امتلاك الأسلحة.. وهذا من العدل، بعكس امتلاك دولة واحدة للأسلحة المتطورة، ووأد كل محاولة في العالم لامتلاكها"(25).

وفي هذا السياق يُجَوِّز أحد الفقهاء الشيعة البارزين، في مدينة قم المقدسة، في إيران، وهو آية الله الشيخ گرامي صنع السلاح النووي قائلاً: "صنع السلاح النووي جائز من جهة إرهاب العدو عملاً بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ..﴾(26)"(27). ﴾

وفي الختام ألفت إلى أن ما أعرضه من أدلة على الوجوب أو الحرمة في مسألة إنتاج أسلحة الدمار الشامل، ما هو إلا استعراض ومناقشة موضوعية لأدلة علمية، بهدف إغناء البحث، والتفريع في الأدلة والأقوال الفقهية المتنوعة، على مستوى فتاوى فقهاء المسلمين من مختلف المذاهب الإسلامية، علماً أن هذا البحث لا يفي كامل الغرض العلمي منه، إذ إنه يحتاج إلى المزيد من استفراغ الوسع، وتعميق الأدلة، ومعالجة حالات التعارض بين الآيات والروايات. كما لا يمكن الوصول إلى فتوى شاملة جامعة مانعة دون استعراض ومناقشة الأدلة على مستوى كل مصادر الاستنباط، من نص، وعقل، وإجماع، وهذا أمر صعب ويحتاج إلى المزيد من البحث الفقهي الاستدلالي، ولاسيما أن هذا البحث مستحدث، ومن النادر الحصول على مراجع أو مصادر تساعد على التوغل فيه، ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.

باحث في الشريعة والقانون الدولي(*)

هوامش

(1) الصادرة صباح يوم الجمعة 20-9-2013.

(2) http://www.almanar.com.lb/wap/edetails.php?cid=31&eid=596066.

(3) هذا ما أكدته المنظمة، التي يوجد مقرُّها في لاهاي، في رسالة بالبريد الالكتروني الى وكالة فرانس برس.

(4) http://www.alriyadh.com/2013/09/22/article869627.html.

(5)http://www.almanar.com.lb/adetails.php?eid=610267&frid=21&seccatid=35&cid=21&fromval=1.

(6)http://www.almanar.com.lb/adetails.php?eid=593206&frid=21&cid=21&fromval=1&seccatid=35.

(7) http://www.almanar.com.lb/wap/edetails.php?cid=31&eid=477389 .

(8) سورة: النجم، الآية: 39.

(9) سورة: النساء، الآية: 75.

(10) فهي كصيغة "إفعل"، نحو "إذهب"، و"صلِّ"، و"صم"، و"جاهد"، تؤدي مؤداها في الدلالة على الطلب والبعث.

(11) سورة الأنفال، الآية: 60.

(12) الصدر، محمد باقر، دروس في علم الأصول- مع المعالم الجديدة، ط1، لبنان-بيروت، دار التعارف للمطبوعات، 1410ه-1989م، ص:287-288.

(13) الأندلسي، أبي حيَّان، تفسير البحر المحيط، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، والشيخ علي محمد معوض، ط1، لبنان-بيروت، دار الكتب العلمية، 1422هـ-2001م، ص: 506-509.

(14) فتوى: امتلاك الأسلحة النووية "واجب" القاهرة - خاص - إسلام أون لاين.نت/ 23-12-2002. 

(15) من علماء أهل السُّنَّة المعاصرين، ورئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورئيس المركز الأوروبي للبحوث والإفتاء، وقد اتخذ مواقف متطرِّفة تجاه النزاع في سوريا، تشجِّع على زيادة أعمال القتل والترهيب والمجازر، التي ارتكبها مسلحون بحق مواطنين أبرياء، ما أدى إلى ضعف شعبيته، ومكانته العلمية والعلمائية. ونحن نستعرض رأيه العلمي بغض النظر عن موقفه السياسي التحريضي على العنف بين المسلمين.  

(16) سورة الأنفال، الآية: 60.

راجع: موقع القرضاوي على الانترنت:

(306) www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=7287&version=1&template_id=119&parent_id=13

(17) راجع موقعه على الإنترنت:

www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=7387&version=1&template_id=119&parent_id=13#_ftn2

(18) أستاذ الفقه، وأصوله، في الجامعة الأردنية. 

(19) سورة الأنفال، الآية: 60.

(20) نقلاً عن موقع إسلام أون لاين- نت.

(21) من كبار فقهاء السُّنَّة في السعودية، له رسالة في حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد الكفار، كتبها في شهر ربيع الأول 1424 هـ، ونشرها على الانترنت.

(22)  www.e-prism.org

(23) أستاذ القانون الدولي العام في كلية الحقوق في جامعة القاهرة.

(24) إسلام أون لاين- نت، اسألوا أهل الذكر.

(25) سورة الأنفال، الآية: 60.

(26) فتوى لآية الله گرامي، أطلقها في مقابلة علمية أجراها معه مُعِدُّ البحث، في مكتبه، في مدينة قم المقدسة، بتاريخ 14-1-2008م. 

اعلى الصفحة