مخاطر المقترحات الأمريكية على القضية الفلسطينية

السنة الثالثة عشر ـ العدد 145 ـ ( ربيع أول 1435 هـ) كانون ثاني ـ يناير ـ 2014 م)

بقلم: عدنان عدوان

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

أكدت مصادر دبلوماسية غربية بأن إسرائيل تمكنت من إقناع أمريكا على طرح القضايا الأمنية في ما يسمى بـ"عملية السلام" قبل القضايا السياسية العامة، حيث ضغطت على أمريكا للقبول بطلب نقاشها مبكراً.

وقالت مصادر دبلوماسية غربية أن إدارة أوباما تحاول تهدئة غضب إسرائيل من اتفاق إيران حيث وافقت على طلب إسرائيل، على الرغم من أنها تعلم صعوبة التوصل إلى اتفاقية أمنية مع الفلسطينيين قبل أن يتم التوصل إلى اتفاق سياسي.

كما أكدت وسائل إعلام عبرية على أن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري يبذل جهوده الأخيرة في إطار عملية على السلام على إقناع القيادة الفلسطينية على تواجد محدود لإسرائيل في غور الأردن.

وأشار الإعلام العبري إلى أن كيري يحاول إقناع الرئيس عباس على تواجد للجيش الإسرائيلي بشكل محدود بالإضافة إلى أجهزة إنذار وتحذير وأنظمة حماية الكترونية، مؤكداً أن مقترح كيري يشمل أن تكون السيادة على المعابر الحدودية.

من جهته أكد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أن للكيان الإسرائيلي الحق في الدفاع عن نفسه بنفسه، مضيفاً أن موضوع الاحتياجات الأمنية لـ"إسرائيل" يتصدر سلم الأولويات في مفاوضات التسوية مع السلطة الفلسطينية، وانه ما من خلافات بين الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة في هذا الموضوع.

وأوضح الوزير كيري انه والجنرال المتقاعد جون آلن عرضا على الجانب الإسرائيلي اليوم عدة مقترحات تتعلق بالترتيبات الأمنية في إطار التسوية الدائمة مشيراً إلى حصول تقدم ما في جولات مفاوضات التسوية بين السلطة الفلسطينية و"إسرائيل". 

مؤامرة على الشعب الفلسطيني

بعد أشهر من العبث بحياة الشعب الفلسطيني، واتهام كل من خالفهم المسار المصائبي بالعودة للتفاوض دون سند وطني، يخرج علينا كبير مفاوضي حركة السلطة صائب عريقات ليعترف أمام مؤتمر عُقد بالعاصمة القطرية, بأن القيادة الفلسطينية ارتكبت "خطأ استراتيجيا" مبيناً أنه: "ربما نكون أخطأنا خطأ استراتيجياً عندما لم نوقع على صكوك الانضمام للأمم المتحدة بعدما حصلنا على التفويض بدخولنا كدولة مراقبة للمنظمة الدولية، والمطلوب منا اليوم هو الانضمام والتوقيع على معاهدات جنيف الأربعة، والبروتوكول الإضافي لعام 1967 لأن هذا يجعل من فلسطين عام 1967 وعاصمتها القدس، دولة تحت الاحتلال".

حسناً هذا الكلام الواضح الذي لا يحتاج سوى أن يقترن بالصدق لتنفيذ تلك الكلمات التي يمثل كل يوم تأخير عنها خسارة وطنية للشعب الفلسطيني وربحاً استراتيجياً للعدو الصهيوني ومشروعه الاحتلالي، ولم يعد كافيا الاستمرار في وصف مسيرة "الخسائر الإستراتيجية" كونها باتت جزءا معلوما لكل أبناء فلسطين داخل الوطن وخارجه، سوى تأخر قلة أغمضت بصيرتها عن رؤية الحقيقة التي اكتشفتها متأخرة دون أن تغادر مكانها.

وحتى لا نبقى في مرحلة النقد السياسي لما حصل مؤخراً, لنتوقف أمام أخطر تصريحات صدرت رسميا عن إدارة أمريكية على لسان رئيسها راعي المفاوضات، حيث أعلن الرئيس الأمريكي في تصريحات أمام مؤتمر في معهد أمريكي بأن هناك تقدم يسمح بالتوصل إلى اتفاقية إطار للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين، يقود إلى "حل الدولتين"، لكنه قد يبدأ بالضفة الغربية ويتم تأجيله في قطاع غزة، وعندما يرى أبناء القطاع "الازدهار الناشئ" في "دولة الضفة" سيثورون ليلتحقوا به..

وبعيداً عن الخطة الأمريكية التي لا تعطي أهل الضفة "دولة"، بل هي كيان هزيل تابع لاحتلالين بدلاً من احتلال واحد، إسرائيلي أمريكي، ولكن لنفترض أن الخطة ستمنح بـ"إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية"، غير منقوصة وبمعابر وبالأغوار والقدس الشرقية دون مستوطنات والبلدة القديم بمقدساتها والسيادة فلسطينية خالصة، والسماء فلسطيني، ولا وجود لأي مراقب أمني احتلالي لا أمريكي ولا إسرائيلي، فإن تصريحات الرئيس الأمريكي تقود إلى تصفية القضية الفلسطينية.

فالدولة التي يبشر بها أوباما, ليست سوى إعادة إنتاج مشروع "التقاسم الجغرافي الوظيفي" والذي سبق الكتابة والحديث عنه، واعتبره البعض ليس سوى نتاج "خيال سياسي"، إلى أن جاء الرئيس الأمريكي ليكشف عنه دون أي التباس، بعد أيام من تقديم الخطة الأمريكية للحل الأمني، واستبدال الانسحاب مقابل السلام إلى "الأمن مقابل السلام الجزئي"، فالمقترح الأمريكي الجديد ينهي عملياً ورسمياً حق العودة الذي أقرته الأمم المتحدة، ومعه ينهي كليا قيمة القرار التاريخي الذي اتخذته قبل عام الجمعية العامة ومنحت فلسطين حقها السياسي والقانوني بأن تكون "دولة عضو مراقب" حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية ووحدة كيانية بين الضفة والقطاع..

المؤامرة الأمريكية الجديدة هي الثمن الذي يريد أوباما تقديمه كـهدية للكيان الإسرائيلي، ثمناً للمساوات الدولية، مستغلا ضعف القيادة الرسمية الفلسطينية وانصياعها للرغبات الأمريكية دون حد أدنى من الرفض أو الممانعة ووهمها السياسي العجيب، ومستخدما "الانقسام" والذي هو صنيعة أمريكية كاملة قادتها إدارة بوش بمساعدة قطرية تركية، كي يمرر مشروعا هو الأكثر خطورة على القضية الفلسطينية..

إن إقدام الرئيس الأمريكي بالحديث عن دولة محدودة الصلاحيات والمساحات في الضفة، في ظل هيمنة احتلالية مبتكرة، وبلا أي منفذ خارجي يشكل ناقوس خطر سياسي يستحق الاستنفار الوطني العالم، ويطالب جميع القوى الفلسطينية للعودة للخروج إلى الشوارع بانتفاضة شاملة ضد هذه المؤامرة الأمريكية الجديدة.

وبالعودة عقدين من الزمن إلى الوراء, وللتذكير بما حصل, في محاولة للاستفادة واستخلاص العبر, فإنه بعد ساعات من الإعلان عن اتفاق أوسلو عام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، سارع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي في حينه يهود براك باعتبار الاتفاق يلحق "ضرراً جوهرياً بأمن إسرائيل"، تصريحات شكلت تحدياً لرئيس حكومة إسرائيل آنذاك رابين، كونها تأتي من قائد جيشه، خروج غير مسبوق بأن يعلن شخص في هذا الموقع تصريحاً سياسياً، وثانياً أظهر التصريح أن رابين أخفق في رؤية مخاطر الاتفاق على "أمن إسرائيل"، ومنذ ذلك التصريح بدأت "المسألة الأمنية" تصبح ذات أولوية في مختلف المفاوضات التالية، ونجحت دولة الكيان في تحقيق نقاطا هامة لصالحها في هذا السياق، في كل الاتفاقات التي تم توقيعها لاحقا، وكسرت "فلسفة اتفاق أوسلو"..

"الاختراقات الأمنية" لجوهر الاتفاق اعتبرها البعض أنها "اختراقات مؤقتة" إلى حين الوصول إلى "الحل النهائي"، والذي سيضع رؤية تزيل تلك الاختراقات وتلغي أثرها، اعتقاد ساد لفترة أجواء البعض الفلسطيني، ولكن الحقيقة أن دولة الكيان لم تتعامل مع المسألة بتلك الطريقة "الساذجة" أبداً، بل كانت تؤسس لمعادلة جديدة تلغي جوهر اتفاق أوسلو القائم على معادلة "الانسحاب الإسرائيلي من الأرض الفلسطينية مقابل السلام"، وأن حل الصراع يجب أن يصل إلى إقامة دولة فلسطينية فوق أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي المسألة التي يمكن قراءتها بوضوح في المادتين 4 و5 من "إعلان المبادئ" عام 1993، وإن كانت بعبارات مختلفة، وفي آخر مفاوضات جادة وقريبة إلى اعتبارها مفاوضات ترمي لهدف واضح، وهي مفاوضات طابا في يناير2001 حاولت إسرائيل تقديم "رؤيتها الأمنية" التي تمنحها استمرارية التواجد الأمني من خلال "محطات إنذار مبكر" أو عبر السيطرة على الأجواء الفلسطينية.. وانتهت المفاوضات بعد سقوط حزب العمل وصعود شارون..وعادت مع أولمرت ولكنها توقفت بفعل إسقاطه تحت تهم فساد..

وبعد عودة المفاوضات الراهنة أخذ رأس الطغمة الفاشية الحاكمة في إسرائيل في الإعلان أن السلام وحل "النزاع" مع الفلسطينيين يجب أن يرتكز على أسس جديدة، أولها الاعتراف بـ"يهودية دولة إسرائيل"، وثانيها الأخذ بالاعتبار "المسالة الأمنية والمخاوف الإسرائيلية"، وثالثها "تخللي الفلسطينيين عن أي مطالب لاحقة"، ويقصد أساساً حق العودة، ونجح نتنياهو بأن يفرض العنصر الأمني كقضية مركزية في المفاوضات، وتجاوبت معه الإدارة الأمريكية من خلال تكليفها للجنرال جون الين بالعمل على إعداد تصورات أمنية يمكنها أن "تزيل المخاوف الإسرائيلية"، ووفقاً لما تم الإعلان عنه في الإعلام الإسرائيلي فقد توصل الجنرال الأمريكي إلى "خطة أمريكية خاصة لترتيبات أمنية".

الخطة الأمريكية الجديدة تتناول رداً محدداً على كل الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية مع تقديم ضمانات أمنية أمريكية واقتراحات لمساعدة أمنية أمريكية لإسرائيل في المستقبل. ولو قبلت إسرائيل بمبادئ الخطة فإن كيري سيطالبها بالشروع في تقديم اقتراحات للفلسطينيين حول حدود الدولة الفلسطينية العتيدة.

التدقيق في عناصر "الخطة الأمريكية" يدرك بداية أنها صاغت معادلة سياسية جديدة للصراع، "الأمن مقابل السلام"، بدلا من مبدأ ريغان الشهير "الأرض مقابل السلام" وإلغاءً كلياً لمعادلة أوسلو" الانسحاب مقابل السلام"..والمعادلة الأمريكية الجديدة هي تطابق فعلي مع الرؤية اليهودية منذ إعلان يهود براك عام 1993 إلى إعلان نتنياهو في عام 2013..

والخطة الأمريكية للحل السياسي تلغي عملياً أي قيمة لأي "كيان فلسطيني" وتحيله إلى جزء من الهيمنة الإسرائيلية، وتحت وصايتها ويمكن اعتباره "حل مؤقت  وانتقالي" بثوب جديد، إلى جانب أنها تلغي كليا قرار الأمم المتحدة الخاص بدولة فلسطين، خطة تهدف إلى إطلالة أمد الاحتلال ومصادرة حق الشعب الفلسطيني في التحرر والخلاص من الاحتلال وترسيخ دولته التي باتت جزءا من الشرعية الدولية..

ونفترض أن الرئيس محمود عباس وفريقه التفاوضي يدرك ذلك، ولن يقبل به أبداً، ولكن استمرار الشكل التفاوضي بذات القواعد  القائمة يؤدي عملياً إلى تآكل الموقف الفلسطيني، ويمنح دولة الكيان بعدا مضافا لتسجيل نقاطها يوماً بعد آخر، ولم تكن أمريكا تجرؤ بتقديم تلك الخطة الكارثية لو لم يتم الاستجابة لشروط التفاوض لعنصري الحدود والأمن فقط، فالموافقة الأولى أدت لتلك النهاية المصيبة.. ليس مهماً الآن أن نقول المقولة المعروفة "ألم نقل لكم"، فهذا ليس أوانها ولا مكانها، ولكن نقول لكم كفى.. فالخطة الأمريكية وحدها ودون حكومة نتنياهو كفيلة بأن تطرق ناقوس الكارثة المقبلة إن استمرت "اللعبة التفاوضية".. ولا نظن أن لعبة "شراء الوقت" والانتظار إلى نهاية فترة الأشهر التسع ستكون مجدية..فكيري وجنراله قدم لكم ما يكفي كي تعلنوا إيقاف تلك المهزلة..بالطبع لو رأيتم بالمعادلة الأمريكية الجديدة "كارثة"!

خطة كيري الأمنية

لقد بات معروفاً لدى الجميع ، أن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بخطته الأخيرة لحل مشكلة الحدود، يسعى لتمرير الإستراتيجية الأمنية للعدو الصهيوني على حساب المنظور السيادي للدولة الفلسطينية العتيدة والمرتقبة، وعلى حساب قضية القدس وتجميد الاستيطان وإلغائه، وعلى حساب حق العودة والأسرى..

وفي محاولة من كيري لإقناع الكيان الصهيوني بخطته الأمنية, وقبل أن يطرحها، بالغ في تقديم آيات الولاء والطاعة "لإسرائيل" علها تقبل بخطته المنحازة لها، وذلك عندما أعلن أثناء لقائه مع نتنياهو بأن المسألة المركزية بالنسبة للإدارة الأمريكية في اتفاقي الكيماوي والنووي مع كل من سوريا وإيران، هي ضمان أمن "إسرائيل".

وتضمنت خطة كيري الجديدة القديمة التي تستجيب للمتطلبات الإستراتيجية للأمن الصهيوني: بقاء القوات الإسرائيلية في غور الأردن، لمدة عشر سنوات في محاولة لاسترضاء حكومة نتنياهو، التي تصر على أن تظل منطقة الغور المحاذية للأردن تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية، بهدف منع ما أسمته تسلل المسلحين ومنع عمليات إدخال السلاح للضفة الغربية من نهر الأردن. مع اعتبار منطقة الغور خلال العشر سنوات هذه، رغم مرابطة القوات الإسرائيلية فيها، تحت السيادة النظرية للدولة الفلسطينية العتيدة. بالإضافة إلى العمل على تدريب القوات الأمنية الفلسطينية من قبل مستشارين أمنيين أمريكان، حتى تكون قادرةً على حماية الحدود مستقبلاً.

وحجة كيري في هذه الخطة، أنه لا يريد أن يتكرر في هذه المنطقة وفي الضفة الغربية عموماً، ما حدث في قطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي منه عام 2005، من حيث استمرار عمليات المقاومة الفلسطينية.

وبرأينا أن هذه الحجة باطلة ومكشوفة,لأن التنسيق الأمني, للأسف الشديد, بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني لم يتوقف، على الرغم من تعثر المفاوضات، وذلك بشهادة الجنرالات الإسرائيليين. وأن السلطة الفلسطينية ملتزمة عملياً وإعلامياً بعدم السماح باندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة ضد الاحتلال.

كل ذلك يبين أن كيري يريد أن يلبي المطلب الأمني الإسرائيلي، على حساب الجانب الفلسطيني، ما يعني أن الإدارة الأمريكية تسعى لاسترضاء (إسرائيل) بشأن الاتفاق النووي مع إيران، عبر تقديم تنازلات على حساب الجانب الفلسطيني المفاوض.

كما أن كيري، لم ينس أن انحياز واشنطن للكيان الصهيوني أيضاً في مسألتين: الأولى موافقته على أن تباشر حكومة نتنياهو بإقامة (2500) وحدة استيطانية للتعويض عن فترة التجميد الاستيطاني المزعوم في العام 2011 حيث قام بإبلاغ الجانب الفلسطيني بهذا الأمر، متجاهلاً حقيقة أن العدو الصهيوني لم يتوقف عن البناء الاستيطاني لحظةً واحدة في محيط القدس والضفة الغربية عموماً. وتجلت المسألة الثانية أنه توافق مع الجانب الإسرائيلي، بعدم مواصلة إطلاق سراح الدفعتين المتبقيتين من أسرى ما قبل أوسلو، في سجون الاحتلال حتى يرضخ الجانب الفلسطيني المفاوض لخطة كيري الانتقالية الجديدة.

وحتى تكتمل صورة خطة كيري الانتقالية، لا بد من وضعها في الإطار العام والأشمل، الذي كشف عنه الرئيس الأمريكي باراك أوباما في تصريحاته أمام مؤتمر العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، الذي ينظمه معهد بروكينجز الأمريكي، حول دولة فلسطينية محدودة الصلاحيات في الضفة مقتطع منها الغور والكتل الاستيطانية ، ويلتحق بها قطاع غزة بعد أن يلمس الكرامة والنعيم الذي سيتحقق في الضفة.. الخ.

وهكذا فإن أدنى قراءة لخطة كيري في ضوء التطبيق المستقبلي لها، إذا ما وافق الجانب الفلسطيني المفاوض عليها مستقبلاً تقودنا إلى أن: المعابر الحدودية الفلسطينية مع الأردن ستظل خاضعة للسيادة الإسرائيلية ، بحيث يلعب موظف الجوازات الفلسطيني دور المناول (Handling) بحيث يستلم جواز السفر من المواطن الفلسطيني وغيره ليقوم بتسليمه للضابط الإسرائيلي ، الذي يقرر دخول هذا المواطن من عدمه . وأن منطقة الغور التي تشكل مساحتها 25% من مساحة الضفة الغربية، ستظل تحت السيطرة الإسرائيلية ، ما يعني أن المستوطنات الموجودة فيها ستظل قائمة، وما يعني حرمان الضفة الغربية من سلة الغذاء الرئيسية. كما أن السيطرة الإسرائيلية المؤقتة على منطقة الغور الحدودية 10 سنوات ستبقى سيطرة دائمة، إذ بوسع الجانب الإسرائيلي أن يفتعل أية مشكلة أمنية في الغور تبرر بقائه.

هذا بالإضافة إلى أن هنالك موافقة ضمنية أمريكية، على بقاء الكتل الاستيطانية الرئيسية في محيط القدس والضفة الغربية، وكذلك مصادر المياه تحت السيطرة الإسرائيلية، خاصةً إذا ما علمنا أن أحواض المياه الرئيسة في الضفة الغربية، تقع جغرافيا في إطار هذه الكتل الاستيطانية الكبرى.

بهذه الحالة فإننا لا نصبح أمام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، بل أمام كانتونات تحمل اسم "الدولة" مجردة من السيادة على أرضها وسمائها ومياهها.

وفي ضوء كل ما تقدم, يمكن توجيه الكثير من الأسئلة للمفاوض الفلسطيني مثل: أين هي الضمانات الأمريكية الشفوية أو المكتوبة التي تقدم بها جون كيري لكم بشأن الاستيطان وحدود 1967 وغيرها؟ أين هي الوعود بإطلاق سراح جميع الأسرى الفلسطينيين في مرحلة ما قبل أوسلو؟ ولماذا الإصرار على إكمال مدة التسعة شهور الخاصة بالمفاوضات تنفيذا للوعد الذي قطع لكيري رغم هذه الهجمة الاستيطانية غير المسبوقة؟ لماذا استمرار الرهان على الإدارة الأمريكية؟.

صحيح أن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير رفضت الخطة الأمريكية، التي تسعى لحل مشكلة الحدود، "في إطار اتفاق إطاري يتابع بعده المفاوضان الفلسطيني والإسرائيلي بقية القضايا" خصوصاً وأن المنظور الأمريكي لبقية القضايا بات واضحاً وضوح الشمس لمصلحة الكيان الصهيوني, كما أنها أكدت في بيانها بعد مغادرة كيري للمنطقة "أنها ترفض أية محاولات للانتقاص من حق الشعب الفلسطيني في دولة كاملة السيادة على مائه وترابه وحدوده وعاصمتها القدس".

إلا أن هذا الموقف من قيادة منظمة التحرير لا يكفي، فالمطلوب عملياً إيقاف هذه المفاوضات البائسة نهائياً, وإلغاء التنسيق الأمني مع الاحتلال، وإعادة الاعتبار لخيار المقاومة بكل أشكالها.

محاولة لشطب الحقوق

قبل أن تبدأ، وكما هو متوقع، وصلت المفاوضات الفلسطينية "الإسرائيلية" إلى طريق مسدود بفعل شروط حكومة نتنياهو- ليبرمان التعجيزية وتصعيدها غير المسبوق لإجراءات المصادرة والاستيطان والتهويد.

وكالعادة، بدل أن تضغط إدارة أوباما، على "إسرائيل" لوقف تماديها سياسياً وميدانياً أو تخفيفه على الأقل، تقدمت بمقترحات لا تستجيب لمطالب أمنية "إسرائيلية" "ضرورية" ومحدودة كما يشاع، فحسب, بل تتبنى كامل الخطة الأمنية السياسية الإستراتيجية "الإسرائيلية"، بل الصهيونية . وهي الخطة التي من شأن قبول الفلسطينيين بها ألا يفضي إلى تسهيل موافقة "إسرائيل" على قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح كما يشاع أمريكياً و"إسرائيلياً"، بل إلى قيام كيان مسخ يحمل اسم دولة منزوعة السيادة والاستقلال والعاصمة، وتملؤها وتمزقها بمؤامرة "تبادل الأراضي" أو بحيلة أخرى الكتل الاستيطانية الثلاث الكبرى في الضفة، ومُسيطر على حدودها ومعابرها غرباً وشرقاً وأجوائها ومياهها، ومثقلة بالتزامات سياسية وأمنية واقتصادية جائرة، وتقوم على جزء من الضفة مع ترك غزة إلى حين، كما اقترح في تصريح علني الرئيس الأمريكي أوباما، بل ويتم مقايضتها بجوهر القضية الفلسطينية، حق عودة اللاجئين المراد شطبه بحيلة إرجاء البحث فيه. باختصار نحن أمام خطة تقوم على إبرام اتفاق إطار انتقالي يعيد إنتاج اتفاق أوسلو بمسمى جديد هو "الدولة ذات الحدود المؤقتة".

وهذا أمر غير مفاجئ، بل امتداد لمؤامرة تاريخية، جوهرها: إعطاء أرض فلسطين لمن لا يستحق على يد من لا يملك الحق، كمعادلة ما انفك الشعب الفلسطيني يتعرض لها ويقاومها منذ بداية القرن العشرين الماضي وحتى يومنا هذا. فمذاك دأبت دول الاستعمار الغربي، بمعزل عن تغيرات مركز قيادتها، على استغلال كل تفوق لها في ميزان القوى الدولي والإقليمي لتحويل أسطورة "فلسطين أرض للشعب اليهودي" إلى حقائق سياسية لمصلحة الحركة الصهيونية ومشروعها الاستعماري الاستيطاني الإحلالي التوسعي العدواني، ذلك بدءاً بإصدار "وعد بلفور" القاضي بـ"إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين" وتضمينه في صك الانتداب البريطاني على فلسطين الصادر عن "عصبة الأمم" بعد أن جاءت نتائج الحرب العالمية الأولى لمصلحة بريطانيا، خصوصاً، ولمصلحة دول الاستعمار الغربي، عموماً، مروراً بإصدار هيئة الأمم قرار تقسيم فلسطين ثم قرار الاعتراف بـ"دولة" "إسرائيل" عضواً فيها بعد أن جاءت نتائج الحرب العالمية الثانية لمصلحة الولايات المتحدة وحلولها محل بريطانيا في قيادة محور دول الاستعمار الغربي، تعريجاً على عدم تحريك ساكن ضد احتلال "إسرائيل" في حرب العام 1967 لما تبقى من أرض فلسطين، عدا احتلال سيناء والجولان، بعد أن جاءت النتائج الإقليمية لتلك الحرب لمصلحة "إسرائيل" وحلفائها الغربيين بقيادة الولايات المتحدة، وصولاً إلى عدم مساءلة "إسرائيل" جدياً ضد تنفيذ مخططات مصادرة أرض الضفة واستيطانها وتهويدها، عدا ضم القدس والجولان، بل ودعم هذه المخططات، خاصة منذ كسبت الولايات المتحدة، حليف "إسرائيل" الاستراتيجي الثابت الوحيد في المنطقة، الحرب الباردة، وصارت قطباً منفرداً في السياسة الدولية ونظامها وقرارات مؤسساتها.

فلا غرابة, إذن, أن تستغل الولايات المتحدة، الراعية لمفاوضات السلطة العقيمة والمدمرة مع الكيان الصهيوني، التحولات العاصفة والتاريخية، في المنطقة، لانتزاع اعتراف رسمي فلسطيني بـ"إسرائيل" كــ"دولة للشعب اليهودي"، وكأن هذه الأرض ليست أرض الشعب الفلسطيني والتي ما زال نصفه صامداً عليها، فيما نصفه الآخر ما زال لاجئاً مشرداً متشبثاً بشهادات ملكيتها، بل وما انفك يقاوم بكل الأشكال والوسائل الممكنة لاستردادها والعودة إليها. ما يعني أن وعود إدارة أوباما بإقامة دولة فلسطينية إن هي إلا محض خداع لتجديد رهانات كذبتها تجربة عقدين ويزيد من المفاوضات، وجاءت مقترحات كيري الأمنية الأخيرة لتؤكد أن الشعب الفلسطيني لا يواجه في السياسة "إسرائيل" فقط، بل وحليفها الاستراتيجي الثابت، الولايات المتحدة، أيضاً، ولتبرهن على قصور كل إدارة فلسطينية للصراع لا تضع الدفاع عن الأرض وتعزيز صمود ومقاومة أهلها في صلب برنامجها، سياسياً وميدانياً. وهو ما لا يكون جدياً وشاملاً إلا بوقف التفاوض في ظل الاستيطان وخارج رعاية هيئة الأمم ومرجعية قراراتها، أي بإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني بعد أن فككت عناصره التراجعات السياسية المجانية المتسرعة، بينما مفاعيل الانقسام الداخلي الفلسطيني، وانكفاء مراكز القوة العربية الإسلامية على همومها الداخلية، وتمسك السلطة برعاية الولايات المتحدة للمفاوضات بعد عقدين من خيبات الرهان على حياديتها، هي ما يشجع إدارة أوباما اليوم على اتخاذ هذا الموقف المعادي للشعب الفلسطيني وقضيته وحقوقه الوطنية.

وهكذا فإن واشنطن نجحت خلال أكثر من عقدين من رعاية مفاوضات "مدريد" و"أوسلو" العبثية في إجهاض الانتفاضة الفلسطينية سياسياً، وفصل القضية الفلسطينية عن بعدها العربي الإسلامي، واختزال القرارات الدولية في القرار 242 واستمرار المفاوضات مع مصادرة الأرض واستيطانها وتهويدها. فمخاطر مقترحات كيري الأخيرة على القضية الفلسطينية إستراتيجية والرد السياسي عليها يجب أن يكون استراتيجياً,ليس فقط عبر نقل ملف الصراع إلى هيئة الأمم المتحدة وإنهاء احتكار الولايات المتحدة له, بل في العودة إلى التمسك بالحقوق الثابتة والتاريخية للشعب الفلسطيني في أرض الآباء والأجداد. 

اعلى الصفحة