هل بدأ العد العكسي لوضع "النووي الإسرائيلي" تحت المجهر؟!

السنة الثانية عشر ـ العدد 143 ـ ( ذو الحجة  1434 هـ ـ محرم 1435 هـ) تشرين ثاني ـ 2013 م)

بقلم: مأمون الحسيني(*)

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

في حمأة الصراع السياسي والدبلوماسي المحتدم ما بين قوى الغرب بقيادة الولايات المتحدة، والدول الطامحة بإعادة هندسة النظام العالمي ومؤسساته بما يتواءم ومستجدات القدرات والإمكانيات الاقتصادية والعسكرية والسياسية وسواها من عوامل القوة بزعامة الاتحاد الروسي..

وعلى خلفية الفوضى الدموية التي تشهدها منطقة شرق المتوسط، وفي القلب منها سوريا التي باتت تشكل مركز الاستقطاب لإدارة المعارك الإقليمية والدولية بعد تصدير عشرات آلاف الإرهابيين المتطرفين إليها، قرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قبل أسابيع، التمهيد لوضع قضية النووي الإسرائيلي على الطاولة في المستقبل المنظور، ولا سيما في ظل إصرار الغرب وما يسمى "المجتمع الدولي" على إغفال هذا الملف، ورفض مجرد انتقاده أو الإشارة إليه، بدليل عدم موافقة اجتماع الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأخير الذي حمل الرقم 159 على مشروع القرار العربي الذي يعرب عن "القلق" حيال القدرات النووية الإسرائيلية، ويدعو الدولة العبرية إلى "الانضمام إلى اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية، ووضع جميع قدراتها النووية تحت مراقبة تامة للوكالة الدولية للطاقة الذرية"، وذلك على رغم خطر هذه القدرات المتعاظم على المنطقة والعالم، وإعاقتها المتواصلة إجراء مفاوضات جدية وشاملة حول أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط.

نواقيس خطر ومصابيح حمراء

اللدغة الروسية التي جاءت على شكل تذكير من قبل الرئيس بوتين، خلال منتدى "فالداي" الذي يجمع قادة سابقين وصحافيين وخبراء أجانب وروساً، بكيفية ظهور السلاح الكيماوي السوري "كبديل لسلاح إسرائيل النووي"، والتأكيد على انتفاء حاجة الأخيرة إلى هذا السلاح الذي ينبغي أن ينزع من كامل الشرق الأوسط، دقت نواقيس الخطر وأشعلت مصابيح حمراء، ليس فقط في الكيان الإسرائيلي الذي يعتبر أي حديث عن هذه الأسلحة بمثابة "تشويه" متعمد ومسيّس لسمعته، وإنما كذلك في العالم الغربي الذي بنى مقاربته حيال أسلحة الدمار الشامل، وبخلاف رؤية موسكو التي تحصر حق امتلاك النووي بالدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، على التمييز الإرادوي بين ما يعتبره "دول ديمقراطية" وأخرى "غير ديمقراطية". ولعل الأكثر لفتاً للنظر في ردود الفعل الصهيونية الموتورة والغاضبة من أقوال القيصر الجديد الذي يدق أبواب الشرق الأوسط بقوة، هو اعتبار سفير الكيان في موسكو بأن روسيا تحاول جر النووي الإسرائيلي الذي تتعامل معه كورقة جديدة في "لعبة البوكر" التي تديرها إلى طاولة المفاوضات الشرق أوسطية الشريكة بها، وكرافعة ضغط على الأمريكيين، وإعادة اجتذاب إيران التي بات هاجس تمكنها من التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، والغرب عموما، حيال ملفها النووي والعديد من ملفات المنطقة الملتهبة، وخاصة الملفين السوري والفلسطيني، يؤرق الصهاينة ورئيس وزرائهم الذي حدد أربعة شروط استباقية يجب توفرها في التعامل مع ملف طهران النووي: الوقف الكلي لأعمال تخصيب اليورانيوم؛ إخراج كل اليورانيوم المخصب من إيران؛ إغلاق منشآت التخصيب، وأخيرا وقف مسار عمليات التخصيب عبر البلوتونيوم.

ووفق ما يدب على الأرض، فإن ثمة مؤشرات متواترة تساهم في رفع منسوب الخشية والتوتر الإسرائيليين، لعل الأبرز فيها هو أن تلميحات الرئيس بوتين حول النووي الإسرائيلي أعقبت تصريحات الرئيس السوري بشار الأسد عن تكلفة مهمة نزع السلاح الكيماوي السوري والفترة التي تحتاج إليها للتنفيذ، ومن ثم البدء في عملية إزالة هذه الأسلحة وتدميرها، كما أنها تزامنت مع دعوة صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية إدارة أوباما إلى التحلي بالصدق فيما يتعلق بالأسلحة النووية الإسرائيلية، والتحذير من أن عدم توقيع تل أبيب على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، على الرغم من تطويرها لترسانتها النووية، "سوف تصبح قريباً الحقيقة المركزية في هذه الدراما، سواء أرادت واشنطن ذلك أم لا"، وأتبعت بتشكيك بوتين بإمكانية نجاح المبادرة الروسية الخاصة بالكيماوي السوري بشكلٍ مرضٍ، وإعلان وزير دفاعه سيرغي شويغو بأن بلاده ليست لديها خطط في الوقت الحالي لتدمير أسلحة كيماوية سورية على أراضيها، ليلي ذلك مبادرة مجموعة من المراقبين والخبراء العسكريين الروس إلى الإعلان بأن الآليات التنفيذية للتسوية الروسية ستستغرق وقتاً طويلاً، وكلفتها ستكون باهظة، ولن تقل عن ملياري دولار، على أقل تقدير، وهو أمر مربك بالتأكيد للدول الغربية التي تواجه أزمة مالية واقتصادية.

أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية

وقبل الوقوف على الحراك الإسرائيلي المحموم لوضع العقبات أمام أية تفاهمات إيرانية- غربية حيال الملفات المعقدة في المنطقة، وفي مقدمها الملف النووي الإيراني السلمي الذي بدأت مسيرة التفاهم بشأنه بين طهران ومجموعة 5+ 1 قبل نحو أسبوعين في جنيف، وشن حرب سياسية ودبلوماسية استباقية لمنع وضع أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية على الطاولة الدولية، لا بد من تسليط الضوء على برنامج الدولة العبرية النووي، وترسانتها الكيماوية التي كشف عنها، مؤخرا، تقرير لصحيفة "فورين بوليسي" الأمريكية، استند لوثيقة لـ "سي .آي .إيه" تعود إلى العام 1983.

في المسألة النووية، يعود اهتمام إسرائيل بتطوير برنامج نووي إلى العام 1948، أي تاريخ تأسيس الكيان، حيث بدأ "معهد وايزمن" للعلوم الحديث الإنشاء بدعم الأبحاث النووية في العام 1949. ومنذ البداية، حافظت إسرائيل على موقف يتسّم بالغموض النووي. وقد أدى التعاون النووي في أوائل خمسينيات القرن العشرين، والمفاوضات مع فرنسا، إلى توقيع اتفاقية في العام 1957 تنص على بناء منشأة نووية واسعة النطاق في ديمونة. وكانت هذه الاتفاقية تلزم فرنسا ببناء مفاعل قدرته 24 ميغاوات حرارة (علماً بأن المعطيات تشير إلى أن أنظمة التبريد ومنشآت النفايات صمِّمت لمعالجة طاقة تفوق هذه القدرة بثلاثة أضعاف، فضلا عن بروتوكولات غير مكتوبة تتعلق بمصنع لإعادة معالجة المواد الكيميائية). ووفق المعلومات المتقاطعة، فإن العمل في المفاعل بدأ في العام 1964. وكانت قدرة مصنع إعادة المعالجة تقدّر في السنة الواحدة بنحو 20 إلى 40 كيلوغراماً من البلوتونيوم من الدرجة المستخدمة في صنع الأسلحة، أي ما يكفي لتصنيع 5 إلى 10 رؤوس حربية سنوياً. ولطالما عملت المنشأة خارج اتفاقيات الحماية الدولية.

وفي العام 1955 جرى افتتاح مركز "ناحال سوريك" للأبحاث النووية بالقرب من بئر السبع. والذي اكتمل بناء مفاعل الأبحاث الخاص به في العام 1960. لكن خلافا لمنشأة ديمونة، يخضع هذا المفاعل لنظام الحماية المنصوص عليه من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وحسب مصادر مختلفة فإن البنية النووية لإسرائيل تشمل أيضاً مصانع ومنشآت أخرى عدة للأسلحة الإستراتيجية، ومنشأتين هما "تيروش" و"إيليابون" لتخزين الأسلحة النووية، إضافة إلى منظمة "رفائيل" للتطوير والأبحاث على الأسلحة المتطورة تقنيا، وهي منظمة تابعة لوزارة الحرب وتنتج الصواريخ والرؤوس الحربية، بالإضافة إلى مقر بور (الثقب)، وهو مركز للقيادة يقع تحت مبنى الوزارة ويجتمع فيه المسؤولون الإسرائيليون في خلال الأزمات ويديرون منه أي حرب. أما منشآت الصواريخ فتقع في "هيربات زخاريا" ، حيث يتم، أو يمكن أن يتم، نشر نحو مائة صاروخ من نوع أريحا 1 وأريحا 2، بأعداد متساوية.

وخلال العقود والسنوات الماضية، تم تحقيق قفزات واسعة على صعيد تطوير القدرات النووية الإسرائيلية. وعلى الرغم من ندرة المعطيات والمعلومات الدقيقة المتعلقة بشكل وطبيعة هذا التطوير، إلا أنه يمكن ملاحظة أن أكثر مواقع البرنامج النووي الإسرائيلي تقع قرب تجمعات سكنية عربية. أما الأهم والأبرز في هذه المواقع فهي التالية: موقع ديمونة الذي يقع في منطقة النقب، ويتألف من 10 أبنية، ويعمل به نحو 2700 عالم وتقني، فيه مفاعل نووي ومصنع لإعادة معالجة البلوتونيوم؛ موقع "ناحل سوريك" الواقع جنوب مدينة الرملة وفيه حوالي 200 عالم وتقني؛ موقع "الكيشون" الواقع شمال خليج حيفا، ويستخدم للبحث العلمي؛ موقع "النبي روبين" الذي  يقع غرب مدينة الرملة وفيه مفاعل بحثي لإنتاج الطاقة الكهربائية وتحلية مياه البحر؛ موقع "كفار زخاريا" الواقع شمال غربي مدينة الخليل وتخزن فيه الصواريخ القادمة من بئر يعقوب؛ موقع "رفائيل" ويقع شمال غرب سخنين وهو مصنع للهندسة النووية؛ موقع "الجناح 20" الذي يقع في نفس المنطقة ويستخدم لتركيب القذائف النووية؛ موقع "بئر يعقوب" في جنوب الرملة وتنتج فيه صواريخ أريحا2، وأخيراً موقع "عيلبون" الذي يقع تحت الأرض في أراضي قرية نمرين التي هجر أهلها عام 1948، وشرقي قرية عيلبون، ويستخدم مستودعا لتخزين الأسلحة التكتيكية النووية.

أما بخصوص الترسانة الكيماوية الإسرائيلية، فتكشف وثيقة قديمة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية رفعت عنها السرية حديثاً، أن الكيان بدأ تنفيذ برنامج للاستعداد لحرب كيماوية في كلا المجالين، الهجومي والوقائي. وحسب تقرير الـ "سي أي إيه"، فإن ثمة "مؤشرات متعددة تحمل على الاعتقاد بأن لديهم (الإسرائيليين) على الأقل غازات أعصاب، وغاز خردل ووسائط كيماوية عدة للسيطرة على الحشود، إلى جانب أنظمة متلائمة لقذفها". ويضيف التقرير، أنه تم التعرَف على "منشأة أسلحة كيماوية تنتج على الأرجح غاز أعصاب، وعلى منشأة تخزين في منطقة التخزين الحساسة في ديمونة في صحراء النقب"، أي في جوار مركز الأبحاث النووية، حيث يعتقد على نطاق واسع أن إسرائيل صنعت هناك رؤوساً حربية نووية. ويكشف البروفيسور أرونسون شيفرة العقيدة الإسرائيلية بشأن أسلحة الدمار الشامل على النحو التالي: "عدم الاعتراف بوجود أسلحة دمار شامل قبل أن يتحقق سلام نهائي، وعدم الالتزام علانية بأي خط أحمر في ما يتعلق بالأسلحة غير التقليدية"، وذلك على الرغم من توقيع تل أبيب على معاهدة حظر الأسلحة الكيماوية (في سبتمبر/ أيلول 1993)، مع فارق أنها لم تصادق عليها حتى الآن.

هجوم سياسي وتهديدات فارغة

في كل الأحوال، ما يطفو على سطح الحلبة الإقليمية والدولية تحت عباءة الإقدام الروسي، في مقابل التردد والارتباك والتناقض الأمريكي وضع قادة الدولة العبرية في زوايا التشكيك وعدم الثقة برغبة، وقدرة، إدارة الرئيس أوباما على الوفاء بالتزاماتها حيال كيانهم ومستقبله وقدراته النووية التي يرجح أن تدرج على جدول أعمال "المجتمع الدولي" في المستقبل المنظور، وهو ما دفع حكومة نتنياهو، التي ما زالت تؤمن بأن الحرب على إيران تبدأ من سوريا، إلى تجنيد كل طاقاتها السياسية والدبلوماسية، ولاسيما في أوساط الكونغرس الذي تتمتع بتأييد أغلبية أعضائه، لوضع العصي في دواليب التفاهم الإيراني- الغربي الذي بدأ يترجم على الأرض، وعرقلة الاتفاق الأمريكي- الروسي الذي أنتج اتفاقاً على آلية التخلص من أسلحة سوريا الكيماوية، وانضمام دمشق إلى معاهدة حظر هذه الأسلحة، وارتفاع منسوب الطموح الدولي لعقد "جنيف2"، وتالياً إبعاد شبح جرّ ملفها النووي إلى مربع المساءلة والمحاسبة، وتسويق اتهامها للرئيس الإيراني الجديد الشيخ حسن روحاني بالخداع، وفق مزاعم نتنياهو.

ومع أن هجوماً سياسياً ودبلوماسياً واسعاً، غير مجد، تم شنه لتحذير الغرب من "مخاطر" ما أسمته تل أبيب "إيلاء الرئاسة الإيرانية الثقة" أو رفع العقوبات عن طهران، أو استبعاد الخيار العسكري في المسألة السورية، من نمط تحذير نتنياهو الأوروبيين، وعبر سلسلة مقابلات مع مجموعة من وسائل الإعلام البريطانية والفرنسية والألمانية، مما أسماه "الخدعة الإيرانية" التي تسمح لطهران باستمرار تخصيب اليورانيوم، والمحافظة على مفاعل البلوتونيوم، مع تخفيف العقوبات، مقابل تنازلات تكتيكية، وزعمه بأنه "إذا لم يجرِ إيقاف إيران فوراً فلن يكون هناك قنبلتان فقط موجهتان باتجاهكم، بل 200 قنبلة"، وكذلك دعوة المجلس الوزاري "السياسي الأمني" الإسرائيلي، عشية بدء المحادثات بين إيران والدول العظمى الست يوم 15/ 10 الماضي في جنيف، هذه الدول إلى عدم إزالة الضغوط عن إيران. غير أن ثمة محاولات محمومة لإضفاء طابع الجدية على التهديدات الإسرائيلية عبر التلويح مجدداً بالخيار العسكري، أو التسريب عن مناورات جوية لاستهداف إيران. وضمن هذا الإطار، أعلن عضو الكنيست تساحي هنغبي، أن إسرائيل تملك القدرة بمفردها على مواجهة إيران وشن هجوم عسكري ضدها في حال رفض الغرب والولايات المتحدة القيام بذلك، معتبراً أن التجربة تشير إلى أن الغرب ليس معنياً بمواجهة مع إيران، وأن إسرائيل لا يمكنها الاكتفاء بوعود أوباما. ولتبرير المنطق الإسرائيلي في التلويح بالخيار العسكري، وتجديده في المرحلة الحالية، نفى هنغبي، الذي يشارك في كافة الهيئات واللجان ذات الصلة بالمشروع الإيراني، كما ذكرت صحيفة "معاريف"، أن تكون إيران بلغت مرحلة "الحصانة" التي كان يتحدث عنها وزير الحرب السابق أيهود باراك. وفي ذات السياق، تعمدت تل أبيب، رسمياً وإعلامياً، تسريب معلومات عن مناورات يقوم بها سلاح الجو الإسرائيلي تستهدف إيران ضمنا، إذ أعلن المتحدث باسم الجيش بيانا أوضح فيه أن سلاح الجو الإسرائيلي يجري تدريباً واسعاً بالتعاون مع جيش أجنبي بما في ذلك شحن الطائرات المقاتلة في الجو بالوقود.

ويبدو أن ما يحكم هذا الموقف الإسرائيلي المتشنج حيال هذه التطورات، هو انفراد الكيان الصهيوني، ومن بين كافة الدول والكيانات العربية والإقليمية المرشحة للتأثر بتداعيات هذا المشهد المستجد، بوضع استثنائي خاص له علاقة بطبيعة هذه الدولة العنصرية التوسعية واحتلالها للأراضي الفلسطينية والعربية، وعلاقتها "العدائية" مع الجوار، وكذلك بوظيفتها التاريخية التقليدية المتمثلة في الحفاظ على مصالح الغرب الرأسمالي، وبخاصة الولايات المتحدة، في المنطقة العربية التي ينبغي أن تبقى مقسَمة وخارج سياق التقدم والتنمية الحقيقية المستدامة التي تشكل الشرط الأساس لبلورة سياسة وطنية وقومية مستقلة. أما أسباب وحيثيات هذه الخشية الصهيونية المرشحة للتصاعد على إيقاع دوران عجلة التفاهمات الإيرانية المنتظرة، وانطلاق صفارة قطار "جنيف2" وإمكانية امتداد "المسار السياسي" نحو الملفات الإقليمية الأخرى، لا تتعلق فقط، وكما يبدو في الظاهر، إلى حسابات الربح والخسارة التكتيكية القصيرة المدى، من نمط تخلي دمشق عن السلاح الكيماوي الذي يعتبر بمثابة "عامل ردع استراتيجي" في مقابل تراجع واشنطن عن شن حرب على سوريا، وربما حل الأزمة السورية الدموية عن طريق التسوية السياسية، أو ضياع فرصة حشر "حزب الله" في الزاوية، ووضع إيران التي يرفع الروس مستوى دعمها والتنسيق معها، تحت الضغط العسكري والسياسي الذي يتيح، في مرحلة لاحقة، تدمير مصادر قوتها، وإنما تتجاوز ما سبق، وعلى أهميته، إلى القراءة الدقيقة والمتأنية للمشهد الدولي الذي يعبر راهنا، وكما تؤشر جملة المعطيات المختلفة، وفي مقدمها الاتفاق الروسي- الأمريكي وتداعياته المحتملة، برزخ الانتقال إلى نظام عالمي جديد لا تتمتع فيه الولايات المتحدة، عملياً وليس على الصعيد النظري فقط، بموقع الآمر الناهي الذي يستطيع إعادة رسم الخرائط السياسية والجغرافية والاقتصادية وفق مصالح طغمها المالية والاقتصادية العملاقة.

تراجع واشنطن وهلع تل أبيب

انطلاقاً من ذلك، ولأن الإسرائيليين، بمستوياتهم السياسية والعسكرية والاستخباراتية، يدركون أكثر من غيرهم، وبخلاف خطابهم المعلن، أن الضعف في الموقف الأمريكي لا يمكن إحالته إلى تخبط الرئيس أوباما أو تردده في اتخاذ المواقف الصارمة والحازمة، وإنما إلى تراجع قوة وقدرة الولايات المتحدة في مقابل تنامي قوة خصومها، فإن ثمة هلعاً حقيقياً من تبعات المرحلة المقبلة التي ستفقد الدولة العبرية، ليس فقط وظيفتها في إطار الصراع الدولي والإقليمي وتوازناته التقليدية السابقة، وإنما كذلك وضعها الاستثنائي الخاص الذي تمتعت به طوال العقود الماضية كدولة احتلال وتوسع فوق القانون، وربما أسلحتها النووية والكيماوية التي ما زالت حتى اليوم خارج إطار المساءلة والتحقق. أي، بكلام آخر، لا يمكن لإسرائيل التي كان مشروع إقامتها في قلب المنطقة العربية الحيوية لمصالح الدول الرأسمالية الأوروبية وليد عملية تحوّل هذه الدول إلى مرحلة الاستعمار والتمدد خارج حدودها القومية، إلا أن يتملكها العصاب وتنتابها عوارض الخشية على الوجود والمصير من النظام العالمي المتعدد الأقطاب الذي بدأت ملامحه بالتشكل على أرض الواقع، لاسيما وأن عنوان عملية الانتقال إلى هذا النمط الدولي الجديد الذي يشهره الروس والصينيون وحلفاؤهم في دول البريكس وبعض المنظومات الدولية الأخرى، هو إعادة الاعتبار للشرعية الدولية وقوانينها التي ينبغي أن تنطبق على الجميع، ما يضع الدولة العبرية العنصرية وشرعية احتلالها، لا بل ووجودها حتى،  في مأزق عميق من شأنه تفجير كافة أنواع التناقضات التي تعتمل في قلب هذا الدولة المفبركة وجنباتها.

كاتب فلسطيني(*)

اعلى الصفحة