تركيا والكردستاني بين السلام والحرب

السنة الثانية عشر ـ العدد142 ـ (ذو القعدة ـ ذو الحجة 1434 هـ ) تشرين أول ـ 2013 م)

بقلم: خورشيد دلي(*)

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

بعد قرابة نحو سبعة أشهر من انطلاق عملية السلام الكردي التركي بين زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان (المعتقل في إيميرالي) ورئيس الاستخبارات التركية حقي فيدان المكلف من قبل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والتي سميت بعملية إيميرالي قبل أن تتحول إلى عملية الحل السياسي للقضية الكردية في تركيا..

تبدو وكأن هذه العملية باتت أمام استحقاقات مصيرية وضعتها على طريق مسدود، بما يعني ذلك العودة إلى نقطة الصفر واستئناف دورة العنف من جديد، فما الذي جرى حتى وصلت الأمور إلى هذه النقطة الحرجة؟ وهل فشلت العملية أم أنه ما زال في الأفق إمكانية لإعادتها إلى مسارها الصحيح؟. وبمراجعة بسيطة لمسيرة العملية السلمية التي جاءت نتيجة سلسلة لقاءات سرية بين أوجلان وفيدان في السجن بدأت نهاية العام الماضي واستكملت مطلع العام الحالي، لا بد أن تضعنا أمام جملة من الحقائق والوقائع من قبل الجانبين، فعلى الجانب الكردي يمكن التوقف عند الخطوات التالية:

1- إعلان زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في الحادي والعشرين من آذار/ مارس الماضي عن إطلاق عملية السلام والتأكيد على أن زمن الرصاص قد ولى وضرورة اعتماد لغة الحوار بدلاً من ذلك، وقد جاء ذلك بعد اتفاق بينه وبين فيدان على خريطة سلام لحل القضية الكردية سلميا، تتألف من أربعة مراحل مترابطة على أن يتم انجازها مرحلةً مرحلة تنتهي بانجاز السلام الذي يحقق الهوية القومية للأكراد والاستقرار لتركيا.

2- إعلان حزب العمال الكردستاني بعد ذلك بأيام عن وقف إطلاق النار من جانب واحد ومن ثم الإفراج عن مجموعة من الجنود الأتراك كان الحزب قد أسرهم خلال المعارك والمواجهات العسكرية بين قوات الجانبين.

3- بدء حزب العمال الكردستاني سحب مقاتليه من المناطق الكردية في تركيا إلى إقليم كردستان العراق في إطار خطوات تعزيز الثقة على أمل الانتقال إلى مرحلة الحل السياسي عبر سلسلة إصلاحات يقوم بها الجانب التركي.

4- عقد حزب العمال الكردستاني مؤتمره العام للمرة الأولى منذ اعتقال زعيمه أوجلان في الخامس عشر من شباط عام 1999 في العاصمة الكينية نيروبي بعد عملية استخباراتية معقدة شارك فيه العديد من الأجهزة الاستخباراتية ولاسيما الموساد والسي آي إيه، وقد نتج عن المؤتمر إعادة هيكلية الحزب وتغير قيادته العسكرية على شكل رسالة للجانب التركي مفادها: الاستعداد للانخراط في خطوات الحل السلمي حتى النهاية.

أمام هذه الخطوات التي يقول الحزب الكردستاني إنها كبيرة وجاءت في إطار التزامه بعملية السلام والسعي إلى تحقيقها، فإن لسان حال الحزب يتساءل: ماذا فعلت حكومة رجب طيب أردوغان في المقابل؟ في الواقع يمكن القول إنه من الصعب الحديث عن خطوات عملية محددة قام بها الجانب التركي، تؤكد رغبته في السلام، ومن شأنها إرساء أسس الثقة مع الجانب الكردي. فجل ما قام به الجانب التركي مجموعة من التصريحات تؤكد المضي في عملية السلام دون القيام بخطوات عملية محددة في هذا الاتجاه، وفي كثير من الأحيان جاءت المواقف والخطوات والتصريحات التركية لتؤكد عدم جدية الحكومة التركية في الالتزام بعملية السلام، ولعل من هذه الخطوات:

1- رفض القضاء التركي إعادة محاكمة زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان بعد تعديل القانون الجنائي التركي في نيسان/إبريل الماضي وهو تعديل سمح بإعادة جميع المحاكمات السابقة.

2- مماطلة الحكومة التركية في تقديم رزمة إصلاحات وعد أردوغان مراراً بتقديمها إلى البرلمان التركي، تتعلق ببحث تعديل مجموعة من القوانين والمواد الدستورية التي تمنع الاعتراف بالهوية القومية الكردية، فضلا عن إقرار مواد جديدة تتعلق بالحكم المحلي والانتخابات وقانون العفو حيث جرى الاتفاق بشأنها بين أوجلان وفيدان وقد نشرتها بعض الصحف التركية.

3- استمرار حملات التمشيط العسكرية في المناطق الكردية واستمرار حملات الاعتقال تحت عنوان مكافحة الإرهاب ودعم المجموعات الإرهابية في إشارة إلى حزب العمال الكردستاني، فضلا عن الاستمرار في سياسة المضايقة الأمنية للناشطين الكرد ولاسيما من أنصار حزب السلام والديمقراطية الكردي الذي يعد الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني، مع الإشارة إلى أن الحزب المذكور ممثل في البرلمان التركي بأكثر من ثلاثين نائباً.

4- لجوء الحكومة التركية إلى سياسة تعزيز الإجراءات الأمنية والعسكرية بدلا من اتخاذ خطوات تؤدي إلى تطبيع الوضع الاجتماعي في المناطق التي شهدت مواجهات بين قوات الجانبين، إذ قامت الحكومة التركية بإقامة العديد من المقار والمراكز العسكرية في المناطق التي انسحب منها المقاتلون الأكراد وهو ما أدى إلى تجدد الصدامات في هذه المناطق أدت إلى وقوع قتلى وجرحى، مما خلق نوعا من الحرج للحزب الكردستاني أمام أنصاره في هذه المناطق، فضلا عن زيادة الاحتقان الشعبي إزاء سياسات حكومة أردوغان.

5- تصريحات رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان في السادس عشر من شهر آب/أغسطس عندما أعلن أنه ليس هناك مجالاً للاعتراف باللغة الكردية وكذلك إصدار قانون عفو بشأن مقاتلي حزب العمال الكردستاني علما أن خريطة السلام التي تم الاتفاق عليها نصت على مثل هذه الخطوات. دون شك، مقارنة بسيطة بين مواقف الجانبين وما قام به كل طرف من خطوات، تتضح لنا مدى الالتزام الجانب الكردي بالعملية السلمية مقابل إتباع الجانب التركي سياسة الانتظار والمناورة وكسب الوقت لتحقيق أهداف سياسية مدروسة.

نقاط الخلل وتناقض الحسابات

في الواقع، جاء قرار حزب العمال الكردستاني تعليق سحب مقاتليه من المناطق الكردية في تركيا إلى إقليم كردستان العراق تعبيراً عن نفاد صبره، وعن قناعته العميقة بأن الحكومة التركية غير جادة في السلام، كما جاء تعبيراً عن إحساسه بعدم جدوى سياسة الانتظار إلى ما لا نهاية وضرورة العودة إلى خيار المقاومة لإرغام الحكومة التركية على الاستجابة لاستحقاقات عملية السلام والاعتراف بالحقوق القومية الكردية. لكن الأسئلة التي تطرح نفسها هنا كثيرة، وهي من نوع: لماذا سارت الأمور على هذا النحو؟ وهل من خلل في اتفاق السلام الكردي التركي؟ ولماذا بدت العملية السلمية وكأنها من جانب واحد وتحديداً من الجانب الكردي؟ وفي الأساس هل الحكومة التركية جادة في حل قضيتها الكردية سلميا أم أنها تطمح من وراء هذه العملية إلى تحقيق جملة من الأهداف السياسية الداخلية والإقليمية؟ وفي ظل السؤال السابق المطروح كيف سيتصرف الحزب الكردستاني وهو الذي اختبر على مدار أربعة عقود سياسات الحكومات التركية المتتالية والتي قامت على نهج الإنكار والإقصاء والمناورة؟ في محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة، لا بد من التوقف عند النقاط التالية:

1- إن ثمة خللاً في الاتفاق الكردي التركي للسلام، فالاتفاق هو أشبه باتفاق جنتلمان بين أوجلان وفيدان، وليس اتفاقاً مكتوباً وموثقاً ومحدد النقاط والآليات، وهذا يشكل نقطة ضعف خطيرة كان على الحزب الكردستاني الانتباه إليه نظراً لأنه يعطي الجانب التركي القدرة على المناورة والتهرب من الاستحقاقات.

2 إن الاتفاق هو مجرد اتفاق ثنائي بين أوجلان وفيدان، وليس بين حزب  العمال الكردستاني والحكومة التركية، وعليه يمكن للجانب التركي استغلال وضع أوجلان في السجن، خاصة وانه ليست هناك وسيلة اتصال مباشرة بين أوجلان وحزبه.

3- إن الاتفاق جرى من دون وجود طرف ثالث دولي أو إقليمي، علماً أن أوجلان طالب بتشكيل هيئة دولية تتألف من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وإقليم كردستان العراق، ولكن الجانب التركي رفض هذا الطلب، وهذه نقطة ضعف جديدة في الاتفاق.

4- غياب الثقة الكاملة بين الجانبين، فالحزب الكردستاني يرى أن الحكومة التركية تتعامل مع العملية السلمية من باب المناورة السياسية وتحقيق أهداف انتخابية على أبواب الانتخابات المحلية والرئاسية في النصف الأولى من العام المقبل، فيما يرى الجانب التركي أن الحزب الكردستاني يتحرك وفق أجندة إقليمية لها علاقة بالتطورات الجارية في المنطقة وينتهج (الإرهاب).

أمام هذا الواقع، يمكن تفهم دوافع إعلان حزب العمال الكردستاني وقف سحب مقاتليه من المناطق الكردية في تركيا إلى إقليم كردستان العراق علما انه يقول سحب أكثر من 80% من مقاتليه فيما أكد أردوغان أن الحزب لم يسحب سوى 12% من المقاتلين والذين يقدر عددهم بقرابة ثلاثة آلاف مقاتل، إلا أنه بغض النظر عن هذا الجدل والنسب فإنه قرار تعليق سحب المقاتلين شكل أول نكسة لعملية السلام الكردي التركي، ويبدو إن قرار الكردستاني والذي جاء بعد تهديدات كثيرة بوقف العملية السلمية أتى بنتائج إيجابية، إذ قدمت الحكومة التركية على الفور جملة من الإصلاحات إلى البرلمان لإقرارها بعد أن رفضت ذلك طويلاً. لكن الخشية الكردية كبيرة من أن لا تكون هذه الإصلاحات حقيقية وتلامس حقيقة القضية الكردية لطالما أن الحكومة التركية تعمل بشكل أحادي وترفض أي مشاركة كردية في وضع هذه الإصلاحات ومضمونها وبالتالي مدى قبولها من قبل الأكراد.

خلافات ودوافع

في انتظار معرفة تداعيات قرار حزب العمال الكردستاني سحب مقاتليه والتهديد بالعودة إلى الكفاح المسلح في حال لم يقم الجانب التركي بخطوات حقيقية من شأنها أن تؤدي إلى تحقيق السلام فإن ثمة خلافات كبيرة بين الجانبين بشأن الإصلاحات التي تنوي الحكومة التركية إقرارها. ولعل أهم هذه الخلافات:

1- الاعتراف باللغة الكردية: فالحكومة التركية تقول إن إصلاحاتها تقوم على الاعتراف بتدريس اللغة الكردية  في المدارس ليست كلغة تعليم وإنما كأي لغة أخرى أي الفرنسية والانكليزية كحصص دراسية، فيما يرى الجانب الكردي أن هذا الأمر ينطوي على نوع من المناورة والخداع من خلال إفراغ هذا المطلب من مضمونه الحقوقي والسياسي والقومي، فالجانب الكردي يؤكد على حق التعليم في المدارس في المناطق الكردية كلغة تعليم وتدريس وثقافة وفكر وموسيقى على اعتبار أنها جزء مكمل للهوية القومية وتعبير عن الفكر والتفكير.

2- قانون العفو: حيث ثمة خلافات كبيرة بهذا الخصوص، إذ أن الحكومة التركية ترفض إصدار عفو عام عن المقاتلين الأكراد من جهة، ومن جهة أخرى ترفض إطلاق صفة العفو على القانون وتسميه قانون الندامة، وتؤكد على أن يكون تنفيذ القانون من خلال القضاء التركي وعلى أن لا يشمل قيادات حزب العمال الكردستاني أو المقاتلين الذين تقول تركيا إنهم متورطون بأعمال القتل، فيما يؤكد الجانب الكردي أن القانون يجب أن يكون في إطار عفو شامل ويشمل جميع عناصر الحزب بما في ذلك القيادات وان يتيح القانون المجال لهؤلاء ممارسة العمل السياسي بعد انجاز عملية السلام والانخراط في الحياة العامة.

3- الحكم المحلي: مع أن الجانبين يتفقان على اعتماد هذه الصيغة من الحكم في الدستور الجديد الذي يعد له أردوغان شخصياً، ولكن ثمة اختلاف في مضمون الحكم المحلي، تركيا ترى يجب أن يكون هذا الحكم في إطار إداري مناطقي بعيدا عن أي صيغة قومية ذاتية، فيما يؤكد الجانب الكردي أن القانون يجب أن يتضمن نوع  من الحكم الذاتي للأكراد ومن خلال الاعتراف الدستوري بالأكراد كقومية ثانية في البلاد حيث يزيد عددهم عن 16 مليون نسمة، وهؤلاء يرون أن تجربة الحكم المحلي في تركيا يجب أن تضاهي الحكم في أوروبا الذي يسمح بنوع من الحكم المحلي على شكل فيدرالي يحفظ وحدة البلاد، فيما ترفض حكومة رجب طيب أردوغان مثل هذه الصيغة، علماً أن الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال أقر بمثل هذه الصيغة في عام 1992 بعد مفاوضات سرية بين حكومته  وأوجلان  توسط فيها الرئيس العراقي جلال الطالباني.

4- قانون الانتخابات: في القانون التركي ثمة بند يرفض دخول أي حزب إلى  البرلمان إلا إذا حصل على نسبة 10% من الأصوات في مجموع البلاد، وقد أدى هذا القانون إلى حرمان الأحزاب الصغيرة من دخول البرلمان فيما استفادت منها الأحزاب الكبيرة ولاسيما حزب العدالة والتنمية الحاكم، نظراً لأن أصوات الأحزاب الصغيرة تصب في مصلحة الأحزاب الكبيرة  لجهة التمثيل في البرلمان، وعليه فإن أحد المطالب للحزب الكردستاني هو تخفيض النسبة المطلوبة من الأصوات للدخول إلى البرلمان، وسط جدل مع الأحزاب الأخرى بهذا الشأن حيث يدور الجدل بين أن تكون النسبة المقترحة بين 2% و5%.

5- قانون التعريف بالمواطن: في الدستور التركي ثمة مادة تقول (إن كل مَنْ في تركيا هو تركي الأصل) وقد وضعت هذه المادة في أول دستور وضعه مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك عام 1924، ووفقاً لهذه المادة فان كل مواطن في تركيا هو تركي بغض  النظر عن هويته القومية إن كان كردياً أو عربياً أو أرمينياً، وعليه ثمة مطالبة قومية بتعديل هذه المادة، وإقرار صيغة جديدة للمواطنة تبعد أولا صفة التركي على المواطنين من أصل غير تركي، وثانياً في إيجاد مخرج قانوني يسمح الاعتراف بالقوميات الأخرى في البلاد، وقد كان من شأن هذا القانون القسري ممارسة عملية تتريك واسعة للقوميات غير التركية خصوصاً في ظل إقصاء الهويات القومية للشعوب غير التركية وحصر الثقافة السائدة في خدمة القومية التركية.

دون شك، هذه القضايا الخلافية هي موضع نقاش وجدل عميقين ليس بين الحزب الكردستاني والحكومة التركية فحسب، وإنما حتى داخل المجتمع التركي نفسه، فمن جهة أنتجت الإيديولوجية الكمالية التركية  (نسبة إلى كمال أتاتورك) إيديولوجية قومية فاشية اندمجت بالطورانية التركية التي تضع القومية التركية  فوق القوميات الأخرى، ومن جهة ثانية أدت هذه الإيديولوجية إلى غياب الديمقراطية الحقيقية وبقاء النظرة الاستعلائية التركية إزاء القوميات والطوائف غير المتمثلة مع الإيديولوجية التركية الحاكمة والتي شكلت عقبة حقيقية في وجه الجهود  التي بذلت لحل القضية الكردية  سلميا خلال العقود الماضية وما تزال إلى اليوم.

وعليه، يرى حزب العمال الكردستاني أن عملية السلام لا يمكن أن ترى النور في ظل السياسة التركية الحالية والتي تقوم على عقلية تقديم  الطرف الكردي لكل التنازلات مقابل بعض الانفتاح الشكلي، وأن خريطة السلام يجب أن تتضمن في المرحلة الثالثة التي تلي انسحاب مقاتليه إقرار هذه التعديلات وإقرار دستور جديد يعترف بالهوية القومية للأكراد وما يترتب على ذلك من حق التعليم باللغة الكردية وحكم ذاتي من وحي تجربة الحكم المحلي في أوروبا والإفراج عن زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان مقابل تخلي الحزب عن السلاح نهائياً والانخراط في الحياة السياسية العامة التركية، حيث من الواضح أن مجمل هذه الخطوات تكمل بعضها البعض في مسيرة مترابطة تبدو أمام استحقاقات كثيرة.

في حقيقة الأمر، لا يمكن النظر إلى انطلاق عملية السلام التركي الكردي بعيداً عن الدوافع والحسابات السياسية للطرفين وتحديداً للزعيمين أردوغان وأوجلان، إذ أن أردوغان يريد من وراء هذه العملية تحقيق جملة من الأهداف، لعل أهمها:

1- التطلع إلى تحقيق انجاز تاريخي، أي نزع سلاح حزب العمال الكردستاني بعدما فشلت المؤسسة العسكرية التركية طوال العقود الماضية في القضاء على الحزب عسكريا، حيث تقول التقارير التركية أن الحرب بين الجانبين خلّفت أكثر من 45 ألف قتيل وتهجير نحو مليوني نسمة وتدمير قرابة أربعة آلاف قرية وبلدة كردية، فضلاً عن خسائر مالية تقدر بخمسمائة مليار دولار علماً أن مثل هذا الرقم كان كافياً لتحقيق نهضة اقتصادية وتنموية في المناطق الكردية التي تتسم بالفقر والتخلف مقارنة بالمناطق الأخرى من تركيا، ولعل تحقيق مثل هذا الإنجاز من شأنه تغير وجه تركيا والتخلص من الفكر الكمالي وبناء الجمهورية الثانية الذي عمل من أجلها سابقاً عدنان مندريس وتورغوت أوزال وقد دفع الاثنان حياتهما ثمناً لذلك.

2- إن أردوغان يطمح من وراء حديثه العزم في المضي بالعملية السلمية إلى تأمين موافقة حزب السلام والديمقراطية الكردي الذي له 34 نائباً بغية تمرير مشروع الدستور الجديد في البرلمان، إذ يحتاج ذلك إلى 367 نائباً في حين أن لحزب العدالة والتنمية 325 نائباً وهو هنا يحتاج إلى أصوات الحزب الكردي سواء لتمرير الدستور الجديد عبر البرلمان أو من خلال الدعوة إلى استفتاء عام والذي يحتاج إلى 330 نائباً، وطبعاً هدف أردوغان من وراء الدستور هو الوصول إلى قصر تشانقاي الرئاسي عام 2014 بنظام رئاسي جديد له صلاحيات واسعة.

3- إن أردوغان يريد من وراء خطوة الحل السلمي للقضية الكردية، كسب ود أكراد المنطقة في العراق وسورية وإيران.. ولاسيما في ظل علاقاته الإيجابية مع إقليم كردستان العراق والتي وصلت إلى مستوى التحالف، وهدف أردوغان هنا له علاقة بالمتغيرات والتطورات الجارية في المنطقة وبناء تحالفات جديدة لإقامة نظام إقليمي جديد فيها، يكون لتركيا الدور المركزي والمؤثر فيه كما يخطط هو و وزير خارجيته أحمد داود أوغلو. إذ ترى أن وجود ما بين ثلاثين مليون إلى أربعين مليون كردي في هذه الدول ومناطق أخرى في العالم سيجعل منهم ورقة في خدمة السياسة التركية الإقليمية وبما يسمح له المزيد من التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة حيث ازدادت وتيرة التدخل التركي في العديد من قضايا المنطقة على الرغم من أن هذا التدخل أصاب الدبلوماسية التركية بنكسات عديدة، كما هو الحال بعد سقوط حكم مرسي ومن خلفه الإخوان المسلمون في مصر وكذلك الموقف من الأزمة السورية، كما أن هذا التدخل بدأ ينعكس على الداخل التركي على شكل تداعيات سلبية بدأت تهدد الداخل التركي بالانفجار ولاسيما بعد انتفاضة ساحة تقسيم التي تحولت إلى تظاهرات مستمرة في العديد من المدن التركية.

4- إن أردوغان يريد من وراء توجهه إلى عملية السلام مع الأكراد إلى تجنب تركيا ما يمكن تسميته بالربيع الكردي والتركي بعدما أكدت مسيرة ثورات الربيع العربي أن لا دولة في المنطقة بمنأى عنها، وبالتالي ضرورة الانخراط في عملية إصلاح حقيقية تفضي إلى تحقيق الديمقراطية وإلا فإن الانفجار قادم. ولكن مشكلة أردوغان هنا هو أنه يتعامل مع الأمور من زاوية المناورة وكسب الوقت، وهو ما يرشح الوضع إلى الانفجار ما لم تقم الحكومة التركية بإصلاحات حقيقية تؤدي إلى تحقيق الديمقراطية وترفع الغبن التاريخي عن القومية الكردية وتلبي مطالب الطوائف ولاسيما الطائفة العلوية التي تعاني من التهميش وإنكار حقوقها.

في المقابل، فإن أوجلان الذي دخل قبل فترة عامه الخامس عشر في السجن يريد أن يكون نيلسون مانديلا الأكراد وتحقيق حلمهم في نيل الحقوق والمطالب ولو على مراحل، كما يريد أن يكون بطل سلام في نظر العالم  بدلاً من أن يكون مصنفاً في خانة الإرهاب، وعلى المستوى الشخصي يريد حريته الخاصة.

بانتظار الإصلاحات التركية ومدى تجاوب الحكومة التركية مع مطالب حزب العمال الكردستاني وفقاً للمرحلة الثالثة من الحل السياسي، من الواضح أن عملية السلام التي  انطلقت من إيميرالي دخلت مرحلة التحديات والاستحقاقات المصيرية، لعل أهمها أن تركيا على أبواب دستور جديد، وأنها ستشهد خلال النصف الأول من العام المقبل انتخابات محلية وأخرى رئاسية، استحقاقات تأتي وسط قناعة الجانب الكردي انه ينفذ التزاماته بدقة فيما يناور أردوغان لكسب المزيد من الوقت بغية الفوز بهذه الانتخابات، وانه يتهرب من السلام بخلق حجج من نوع أن الحزب الكردستاني يعمل وفق أجندة إقليمية، في إشارة إلى إيران وسورية وحتى إسرائيل في حين يقول الكردستاني إن أكثر دولة في المنطقة تعمل وفق الأجندة الأمريكية هي تركيا الدولة الوحيدة في المنطقة المنضوية في الحلف الأطلسي وتقوم بدور وظيفي في الإستراتيجية الأمريكية تجاه قضايا منطقة الشرق الأوسط.

دون شك، هذه الاستحقاقات تضع عملية السلام الكردي التركي أمام ضغط عامل الوقت الذي ينبغي الانتباه له جيدا حسب المتابعين لعملية السلام الكردي التركي التي إن نجحت فستشكل منعطفاً تاريخياً في تاريخ تركيا، ودون ذلك يعني العودة إلى دائرة الصفر وجولة جديدة من الحرب التي يعد لها الطرفان على قدم وساق في ظل غياب الثقة وعدم جدية الجانب التركي كما أظهرت الوقائع والمعطيات منذ انطلاق عملية السلام الكردي التركي.

كاتب وباحث مـختص بالشؤون الكردية والتركية(*)

اعلى الصفحة