عشرون عاما على اتفاقات أوسلو.. عِبَر لإسرائيل (الجزء الأول)

السنة الثانية عشر ـ العدد142 ـ (ذو القعدة ـ ذو الحجة 1434 هـ ) تشرين أول ـ 2013 م)

 ترجمة وإعداد: حسن سليمان

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

مركز أبحاث الأمن القومي نشرة تقدير استراتيجي

بقلم: شموئيل ايفن

تشكل اتفاقات أوسلو سلسلة من الاتفاقات التي وقعتها إسرائيل مع منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية "الفلسطينيين" في التسعينيات. الأبرز بينها "اتفاق المبادئ لترتيبات مرحلية من اجل حكم ذاتي" (اتفاق أوسلو أو اتفاق أوسلو أ) الذي وقع في واشنطن في الثالث عشر من شهر أيلول 1993. هذا الاتفاق بلور استمرار العملية كلها وفي أعقابه وقعت اتفاقات أخرى بينها "الاتفاق المرحلي الإسرائيلي الفلسطيني بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة" (اتفاق أوسلو ب) في 28 أيلول 1995.

لقد أحيت اتفاقات أوسلو آمالا عظيمة في إسرائيل، بأن تتبلور السلطة الفلسطينية إلى سلطة قوية ومجردة من السلاح، تقيم معها علاقات سلام. وهكذا يتم ضمان وجود إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، ويتجسد في منطقتنا عصر "شرق الأوسط الجديد".

في غضون ذلك، رفض في حينه قادة إسرائيل، رئيس الوزراء اسحق رابين ووزير الخارجية شمعون بيريز، إمكانية أن تؤدي اتفاقات أوسلو إلى دولة فلسطينية مستقلة، تقسيم القدس والتنازل عن السيطرة الإسرائيلية في غور الأردن في إطار التسوية الدائمة مثلما طلب الفلسطينيون. أما المعارضة في إسرائيل والتي ترأسها بنيامين نتنياهو، ومسؤولون كبار في شعبة الاستخبارات لم يكونوا شركاء في توقعات رابين وبيريز، وحذروا من عدم ملاءمتها مع الواقع. وكانت التقديرات الاستخبارية تقول بأن الفلسطينيين مصممون على إقامة دولة فلسطينية مستقلة، عاصمتها القدس الشرقية في مرحلة الحل الدائم، ولن يوافقوا على أي تنازل في المرحلة الانتقالية تعرض هذا الهدف للخطر. رابين وبيريز تعاطيا باستخفاف مع هذه التقديرات بدعوى أن الاستخبارات سبق أن فشلت في الماضي في التقديرات عن الحرب والسلام.

المفاوضات السياسية مع الفلسطينيين في الفترة بين كانون الثاني 1993 وكانون الثاني 2001 (لاحقاً: "مسار أوسلو") توقفت في مؤتمر طابا في كانون الثاني 2001. وفي اختبار النتيجة، لم تحقق مسار أوسلو اتفاق حل نهائي، وأدى إلى أزمة توقعات ومواجهات دموية في انتفاضة الأقصى التي بدأها الفلسطينيون، وتركت إسرائيل في وضع استراتيجي دوني مقارنة بالوضع الذي سبقه. ومنذ ذلك الحين، صحيح أن اتفاقات أوسلو كانت سارية المفعول من ناحية قانونية وسياسية، من وجهة نظر إسرائيلية، إلا أنها مطبقة جزئيا ويعمل الفلسطينيون على نيل اعتراف بدولة فلسطينية حتى من دون المفاوضات. وأجرت إسرائيل من جهتها انسحاباً أحادي الجانب في قطاع غزة الذي يسيطر عليه منذ العالم 2007  من قبل حماس التي لا تشارك في الاتفاقات. منذ ذلك الوقت وحتى الآن استمرت على نحو متتالي المسيرة السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين وبذلت جهود لدفعها إلى الأمام، لم تكلل بالنجاح حتى الآن.

سيتم في هذا المقال عرض تحليل تصرفات إسرائيل في مسار أوسلو خلال فترة حكومتي رابين وبيريز (كانون الثاني 1993 حزيران 1996) في المجال الاستراتيجي الإداري. وفي نهايته تعرض عبر للمستقبل. هذا المقال لا يهدف إلى تقديم صورة كاملة عن أسباب فشل مسار العملية السلمية، وهو لا يهدف إلى توزيع المسؤولية عن هذه النتيجة بين الفلسطينيين وإسرائيل. من الزاوية الإسرائيلية الإدارية، حتى لو كان ممكنا أن نرى بالفلسطينيين مسؤولين بقدر كبير عن الفشل أو إذا كانت منذ البداية فجوة كبيرة جدا بين المواقف، يطرح السؤال، كيف علقت إسرائيل في العملية السلمية وكيف أدارت شؤونها في أثنائها. ومع أن مسيرة أوسلو حظيت بتغطية مفصلة في الكتب التي كتبها المشاركون في المسيرة، ولكنه لم يتوفر أي تقرير من جهة رسمية حول مسائل مثل، كيف تحددت أهداف إسرائيل في المسيرة، أي إستراتيجية اتخذتها كي تحققها، ماذا كانت عليه سياقات اتخاذ القرارات، هل اتفاق أوسلو كان مخاطرة محسوبة أم رهان، كيف أديرت المخاطر في المسيرة، كيف تصدت إسرائيل للازمات، كيف حاولت تقليص الأضرار وهكذا. وهذا المقال قد يثير التفكير حول هذه المسائل.

تصرفات إسرائيل في مسار أوسلو: مسائل أساسية

إقامة قناة مفاوضات خفية عن رئيس الوزراء

بداية مسار أوسلو كان في إنشاء قناة خفية في أوسلو في كانون الثاني 1993. فقد قال نائب وزير الخارجية في حينه يوسي بيلين، "علمت أنني إذا أبلغت بيريز بذلك، فانه سيكون ملزماً بوضع رابين في الصورة، وخفت أن يطلب رابين وقف الخطوة قبل أن تبدأ". وخلال المفاوضات عمل بيلين في أوسلو بمساعدة يئير هيرشفيلد ورون بونداك ولم يبلغ المسؤولين عنه إلا بعد أن أصبحت بين يديه مسودة اتفاق. ومع أن الحديث يدور عن أكاديميين كبار مفعمين بروح الرسالة، إلا أن فريق أوسلو كان عديم التجربة في المفاوضات وتنقصه الحرفية، وذلك مقارنة بفريق المفاوضات الرسمي الذي عمل في ذاك الوقت في واشنطن وإدارة الياكيم روبنشتاين، بدعم من جهات التخطيط والاستخبارات الرسمية، استمرارا لمؤتمر مدريد في تشرين الثاني 1991. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن فهم فريق أوسلو لنتائج المسار السياسي لم يتطابق وفهم رئيس الوزراء رابين، كما سنوضح في السياق. وعلى الرغم من ذلك، ففي أيار 1993 اعترف رابين بقناة أوسلو كقناة مفاوضات سرية رسمية. وقد عزز فريق أوسلو بعدد من الموظفين من المؤسسة الرسمية بقيادة مدير عام وزارة الخارجية أوري سفير. عملياً، يكون بهذا تم استكمال نقل القيادة والسيطرة التنفيذي في المفاوضات مع الفلسطينيين من ديوان رئيس الوزراء إلى وزارة الخارجية حتى التوقيع على اتفاق أوسلو.

قبل المفاوضات على اتفاق الحل الدائم ظهرت مرة أخرى قناة خفية وبتشيكلة مشابهة، بيلين، هيرشفيلد وبونداك. وقد سبق هذا الفريق بدء المفاوضات الرسمية وبلور في 31 تشرين الأول 1995 "تفاهمات أبو مازن بيلين"، في موضوع مبادئ اتفاق الحل الدائم، وذلك على الرغم من أن رئيس الوزراء رابين عرض في الكنيست في الخامس من تشرين الأول 1995 موقفاً مغايراً تماماً. وقد قتل رابين قبل أن تعرض هذه التفاهمات عليه. وفي العام 2000 حاول الرئيس الأمريكي بيل كلينتون تبني التفاهمات كأساس للمفاوضات على اتفاق الحل الدائم في قمة كامب ديفيد، إلا أن رئيس الوزراء باراك رفض.

كقاعدة، يبدو أن هذه القنوات الخفية أضعفت قناة المفاوضات الرسمية، بأنها ساعدت الفلسطينيين، وجهات من خارج إسرائيل على تشخيص الثغرات، الخلافات الداخلية ومجالات المرونة في مواقف الجانب الإسرائيلي، وعلى ما يبدو أقنعت الفلسطينيين بأنهم قادرون بالحصول على قدر اكبر عبر القنوات غير المباشرة عن القناة الرسمية. ويبدو أن رابين كان يقظا لهذا الخطر، إلا أنه بعد تردد قرر التوجه إلى قناة أوسلو مع ذلك.

الشعور بضيق الوقت داخل القيادة الإسرائيلية ("الوقت لا يعمل لصالحنا")

في عهد حكومة رابين تعزز النهج القائل إن الزمن يعمل في غير صالح إسرائيل، خلافاً لنهج رئيس الوزراء السابق اسحق شامير، الذي لم يكن مستعجلاً. وكان النهج الفلسطيني طوال مسار العملية السياسية "الصبر" و"الصمود" وبالأساس في "حقهم" بالأرض.

قرار تبني قناة المفاوضات في أوسلو تنسجم مع شعور ضيق الوقت لدى رابين، الذي وعد في حملة الانتخابات بتحقيق اتفاق مع الفلسطينيين في غضون ستة حتى تسعة أشهر من موعد تعيينه، الذي بدأ في تموز 1992. وعندما لم يفي بوعده للناخبين "تعب رابين من هذه القناة في واشنطن"، وتبنى في ايار حزيران 1993 التفاهمات التي أنجزت في أوسلو. وهذا الطريق المختصر وتبين لاحقاً بأنه كان طريقاً مسدوداً. وإضافة إلى الشعور بضيق الوقت السياسي كان لدى رابين، كمعظم قادة إسرائيل في السنوات التي تلت، شعور بضيق الوقت لسببين استراتيجيين أساسيين:

1. ضيق الوقت على ضوء "ساعة الرمل الديموغرافية". وتيرة التزايد السريع للسكان الفلسطينيين اعتبر تهديدا على مستقبل إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، مثلما شدد رابين في الكنيست في الخامس من شهر تشرين الأول 1995.

2. ضيق الوقت خشية أن تغلق "نافذة الفرص" التاريخية، التي فتحت في مؤتمر مدريد في العام 1991 وترافقت مع ضغط شديد على قادة إسرائيل من الحلبة الداخلية، الإقليمية والدولية، للتقدم في المسيرة السياسية. إضافة إلى ذلك فان الاتفاق مع الفلسطينيين يعتبر مفتاحا للتقدم في المسيرة السياسية مع دول عربية أيضاً، وبالفعل في تشرين الأول 1994 وقع اتفاق السلام بين إسرائيل والأردن. وإلى ذلك ينبغي أن يضاف عبء السيطرة الأمنية والأخلاقية على السكان الفلسطينيين والتخوف من انفجار فلسطيني إذا ما أغلقت نافذة الفرص السياسية.

إسرائيل استبدلت المفاوضات مع ممثلي المناطق في المفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية

قرار رابين تبني التفاهمات التي تحققت بواسطة قناة المفاوضات السرية في أوسلو استوجب الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية واعتبارها شريكاً في المفاوضات بدلاً من مندوبي سكان المناطق الذين أدارت إسرائيل المفاوضات معهم في واشنطن. وكان لهذا مغزى استراتيجي بعيد الأمد، ومع أن منظمة التحرير الفلسطينية عملت من خلف الكواليس في المفاوضات مع ممثلي المناطق الفلسطينية في واشنطن، لكن اعتراف إسرائيل بها "كممثل قانوني وشرعي للشعب الفلسطيني" وسع التمثيل الفلسطيني في المفاوضات (من نحو 2.2 مليون نسمة، سكان المناطق، إلى أكثر من 5.5 مليون نسمة، العدد الكامل للفلسطينيين في العالم في ذلك الوقت)، ونقل أيضاً إطار المفاوضات من "مسائل 1967" إلى "مسائل 1948". من مسائل الانسحاب من المناطق "التي احتلت" في حزيران 1967 ومكانة السلطة، التي كانت على رأس سلم أولويات سكان المناطق والأسرة الدولية، اتسعت المفاوضات إلى مسائل تتعلق بجوهر الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من فترة إقامة دولة إسرائيل في العام 1948. يدور الحديث أساساً عن تفسير واسع من جانب منظمة التحرير الفلسطينية لـ "حق العودة" على أساس قرار 194 للجمعية العمومية التابعة للأمم المتحدة في العام 1948 (المسألة التي تقف في مركز اهتمام اللاجئين الفلسطينيين في الشتات)، عدم موافقة الفلسطينيين على النظر إلى التسوية الدائمة كنهاية للنزاع وعدم اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كدولة يهودية. وقد أثار الأمر في إسرائيل الخوف من ألا تكون منظمة التحرير الفلسطينية قد أهملت رؤيا "فلسطين الكبرى"، وبذلك فإنها لا تختلف عن حماس.

الاعتراف الإسرائيلي بمنظمة التحرير الفلسطينية أدى إلى اعتراف الولايات المتحدة بها، وعززت الدولتان المنظمة في ذروة ضعفها. في بداية التسعينيات، كانت منظمة التحرير الفلسطينية تعتبر منظمة أيدت صدام حسين في حرب الخليج الأولى، وكانت تعيش في أزمة مالية هددت وجودها. ويبدو أن إسرائيل لم تستغل هذه الميزة الإستراتيجية لتنجز اتفاق أفضل.

في نفس الوقت كان بوسع إسرائيل أن تبدي الصبر، أن تواصل المداولات مع ممثلي سكان المناطق عبر القناة الرسمية في واشنطن وأن تعزز قادة المناطق، الذين ارتفعت مكانتهم بعد الانتفاضة الأولى. ولكن إذا كانت قد اختارت منظمة التحرير الفلسطينية، فقد كان عليها أن تحقق اتفاقاً أفضل بكثير من الذي تحقق في أوسلو، بما في ذلك الوصول إلى اتفاق مسبق مع منظمة التحرير الفلسطينية في "مسائل 48" قبل البحث في مسائل 67، أو عدم التوقيع على اتفاق على الإطلاق.

إسرائيل اتخذت إستراتيجية مفاوضات ثانوية بالنسبة للفلسطينيين

إستراتيجية المفاوضات للفريق الإسرائيلي، والتي أدت إلى اتفاق أوسلو، تميزت بنمط تفكير "من البداية إلى النهاية"، بمعنى التقدم في المفاوضات "خطوة إثر خطوة" تقود نحو مستقبل مجهول، انطلاقاً من التوقع بان هذه الخطة ستبلور واقعا جديدا يؤدي إلى مستقبل أفضل. لقد تبنى رابين هذه الإستراتيجية مفترضاً، بأنه إذا تبين بأنها مغلوطة، فإنها تبقي بيد إسرائيل السيطرة على المسيرة ونتائجها.

مقابل ذلك، الإستراتيجية الفلسطينية، تميزت بنمط تفكير "من النهاية إلى البداية"، أي، تحديد الأهداف النهائية للمسيرة والامتناع عن كل اتفاق من شأنه ان يمس بتحقيقها في نهاية العملية السياسية. وكنتيجة لذلك وافق الفلسطينيون في أوسلو على المساومة بشأن "المرحلة الانتقالية" (الأمر الذي فسر كنجاح كبير في الطرف الإسرائيلي)، ولكن هذا بشرط أن تبقى كل المواضيع مفتوحة حتى البحث في المرحلة الدائمة، التي بدأت في 1996. وهكذا على سبيل المثال، "تنازل" الفلسطينيون عن إبقاء شرقي القدس تحت السيطرة الإسرائيلية في المرحلة الانتقالية، ولكنهم تمسكوا دوما بموقفهم  في أن هذه ستنقل إليهم في مرحلة الحل الدائم.

في اتفاق (أوسلو ب) واصلت إسرائيل إستراتيجية "من البداية إلى النهاية" وعلى الرغم من أن الاتفاق فصل حتى عدد المسدسات التي يمكن للشرطة الفلسطينية تمتلكها في كل بلدة فلسطينية، امتنعت إسرائيل عن أن توافق مسبقا على المجال الجغرافي الدقيق لإعادة انتشار الجيش الإسرائيلي في نهاية الفترة الانتقالية بل فقط المدة الزمنية لثلاثة مراحل يكون عليها فيها أن تنفذ الانسحاب، وأبقت هذا الخلاف العسير إلى المستقبل.

وقد التقت هاتان الإستراتيجيتان معا في المناقشات في عهد حكومة باراك (1999 2001)، وذلك لأنه حتى في إستراتيجية "من البداية إلى النهاية"، عندما يصل الأمر إلى النهاية يبقى البحث في المرحلة الأخيرة، الاتفاق الدائم. وعندها ظهرت على السطح كل الخلافات بكامل شدتها.

هندسة متعددة المراحل

نمط التفكير من "البداية إلى النهاية" ظهر في الرسم الهندسي للمفاوضات على مراحل في اتفاق أوسلو. وقد تبنى الفكرة "مهندسو أوسلو" على أساس نموذج الحكم الذاتي الفلسطيني في اتفاق كامب ديفيد مع مصر في 1978، وبموجبه تبدأ المفاوضات في المرحلة الأولى على الاتفاق الانتقالي، وفي المرحلة الثانية على الاتفاق الدائم. وفي اتفاق أوسلو تقررت مرحلة مسبقة للمفاوضات على التسوية الانتقالية، تقرر أساسه في "اتفاق القاهرة" في الرابع من شهر ايار1994، والذي أتاح ضمن أمور أخرى دخول منظمة التحرير الفلسطينية إلى أراضي قطاع غزة وأريحا وإقامة السلطة الفلسطينية. موعد التوقيع على اتفاق القاهرة تقرر كانطلاق الفترة الانتقالية من خمس سنوات، كان يفترض في نهايتها أن تبدأ مرحلة الحل النهائي. عمليا قسمت المفاوضات إلى مراحل ثانوية إضافية، بحيث أن الطرفين خاضا المفاوضات على شكل شبه متواصل طوال ثماني سنوات.

انعدام التماثل في التعويضات

في مبادئ الاتفاق برز انعدام التماثل في التعويضات التي قدمها الطرفان الواحد إلى الآخر في المراحل الثانوية، حتى قبل النقاش على اتفاق الحل النهائي. فبينما وافقت إسرائيل على الانسحاب بالتدرج وإلى الأبد من بعض المناطق منذ المراحل الثانوية، لم يكن الفلسطينيون مطالبين بتقديم أي مقابل أو موافقة دائمة في مسائل جوهرية قبل المفاوضات على التسوية الدائمة. وهكذا سحقت الإستراتيجية الإسرائيلية عددا من أوراق المساومة للمستقبل وتركت في أيدي الفلسطينيين "كل الخيارات مفتوحة".

"مفارقة المستوطنات": في اتفاقات أوسلو يكمن تناقض داخلي بين موافقة إسرائيل على انسحاب الجيش الإسرائيلي على مراحل في جزء هام من المناطق في المرحلة الانتقالية، وبين إصرارها على إبقاء كل المستوطنات في مكانها. وكنتيجة لذلك، تنفيذ اتفاقات أوسلو أدى إلى محاصرة المستوطنات في منطقة فلسطينية معادية (مثل مستوطنة نتساريم في قطاع غزة) وإلى شن عمليات ضد اليهود على الطرقات وفي المستوطنات. وقد أضر هذا الأمر في تنفيذ اتفاق أوسلو ب. ويعود هذا الخلل في أساسه إلى إخفاق منطقي مصدره استنساخ فكرة المراحل من نموذج الحكم الذاتي لاتفاق كامب ديفيد في 1978، بينما اهتم هذا بحكم ذاتي إداري للسكان فقط، وليس بسيطرة فلسطينية على الأرض وعلى الأمن.

محدودية قدرة عرفات على تنفيذ الاتفاق

شكلت هذه  الخطوة مخاطرة أخرى، لم تؤخذ بالحسبان مسبقا ولم يلتفت إليها بشكل كاف حتى العام 1996 على الأقل. كزعيم ثوري، لم يعرف عرفات كيف يقيم ويدير حكماً ذاتياً على سكان، ووجد صعوبة في الصدام مع منظمات المعارضة في موضوع نزع سلاحها الأمر الذي كان ضرورياً ليس فقط لأمن إسرائيل بل وأيضاً لأمن السلطة الفلسطينية، كما تبين في سيطرة حماس على القطاع في العام 2007.

اتفاقات أوسلو أثارت آمالاً عالية وتركت خلافات كبرى للمستقبل

لقد أصبح ممكناً التوقيع على اتفاق أوسلو في أيلول 1993 بفضل موافقة الطرفين على تأجيل المفاوضات على الخلافات الكبرى إلى مرحلة الحل الدائم، وبفضل صياغة الاتفاق بلغة سمحت لكل طرف لان يرى فيه ما يريد. أوجدت اتفاقات أوسلو ظاهراً صورة مصالحة، ولكنها عملياً تركت الخلافات الكبرى بين إسرائيل والفلسطينيين على حالها إلى مرحلة الحل النهائي، كما سيظهر لاحقاً.

في مسألة التواصل الجغرافي: البند الأول في اتفاقات أوسلو يقضي في أن يؤدي الاتفاق الانتقالي إلى اتفاق دائم يرتكز على قرارات 242 و 338 الصادرين عن مجلس الأمن في الأمم المتحدة. ولكن كل طرف من الطرفين فسرهما على نحو مختلف. فقد تعاطي الفلسطينيون مع الاتفاق الحالي على أساس عودة إسرائيل إلى حدود 67 فيما صرح رئيس الوزراء رابين في الكنيست في تشرين الأول 1995: "لن نعود إلى خطوط 4 حزيران 1967، سنقيم كتلاً استيطانية، مثل غوش قطيف، في الضفة الغربية أيضاً".

في موضوع غور الأردن: قال رابين إن "الحدود الأمنية لحماية دولة إسرائيل ستكون في غور الأردن، بالمعنى الأوسع لهذا المفهوم". كما اعتقد رابين بأنه بالإجمال ستنسحب إسرائيل من 50% 70% فقط من أراضي الضفة. في نهاية المطاف، في المفاوضات على اتفاق الحل النهائي في العامين 2000 2001، ردت حكومة باراك بالإيجاب على اقتراح كلينتون إقامة دولة فلسطينية مستقلة على أراضي قطاع غزة و94% من أراضي الضفة، يضاف إليها 3% (من إجمالي مساحة الضفة) من أرض بديلة في نطاق الخط الأخضر، ولكن الفلسطينيين لم يوافقوا حتى على هذا. وتجدر الإشارة إلى أن الفلسطينيين ردوا أيضاً اقتراح رئيس الوزراء أولمرت لـ(أبو مازن) في آب 2008، الذي تضمن حسب فهمهم انسحاباً إسرائيلياً بمعدل 93.2% من الضفة مضاف إليها 5.3% لأرض بديلة في نطاق الخط الأخضر. في وقت لاحق، لا يمكن القول في ظروف كهذه، أو حتى أفضل منها لإسرائيل، كان يمكن تحقيق اتفاق حل نهائي في العام 1993. ومع ذلك، يبدو أنه لو كان لدى رابين "كرة تنجيم" في 1993، ما كان ليختار قناة أوسلو وإستراتيجية خفضت جداً فرص إسرائيل لتحقيق اتفاق أفضل، كون الموجودات التي تبقت تحت تصرف باراك في المفاوضات كانت أضيق من تلك التي كانت لرابين.

في مسألة الدولة الفلسطينية: لقد قرر عرفات بان تقوم دولة فلسطينية في حدود 1967، ابتداء من أيار 1999 (في نهاية مسيرة أوسلو حسب الخطة). في مقابل ذلك، قرر بيريز بشكل حازم في تشرين الثاني 1993 بأنه لن تقوم دولة فلسطينية، ورابين أعلن في الكنيست في تشرين الأول 1995: "نحن نريد أن يكون هذا كياناً هو أقل من دولة وأن يدير بشكل مستقل حياة الفلسطينيين الخاضعين لأمرته". وروى د. يئير هيرشفيلد بأنه مع بداية المفاوضات السرية غير الرسمية في أوسلو، في كانون الثاني 1993، فهم بأن الاتفاق سيؤدي إلى دولتين، ولكن ليس هكذا فهم وزير الخارجية بيريز ورئيس الوزراء رابين. وعلى حد قوله، كان بيريز بحاجة إلى أربع سنوات أخرى كي يفهم هذا. أما د. رون بونداك فاشار إلى أنه حتى 1998 ظن بيريز بان الحل هو "سيطرة ثلاثية إسرائيلية، أردنية فلسطينية في الضفة". ويكشف هذا الأمر فجوة كبيرة بين فهم "مهندسي أوسلو" لأهداف الاتفاق وبين فهم الزعماء الذين كان يفترض أن يطبقوه.

مواقف زعماء إسرائيل في حينه والتي بموجبها سيكون ممكنا الوصول إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين دون إقامة دولة فلسطينية مستقلة بدت غريبة في حينه أيضاً (ضمن آخرين في نظر كبار رجالات شعبة الاستخبارات العسكرية). وذلك على نحو خاص حين كان اتفاق أوسلو يقوم على أساس نقل أراض إلى السيطرة الفلسطينية (خلافاً لفكرة الحكم الذاتي الأصلية). لو أن إسرائيل وافقت في عهد رابين على مبدأ إقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل في المرحلة الدائمة، فلعله كان بوسعها أن تحصل على أمور هامة مقابل ذلك. ومن ثم، حين كان للفلسطينيين سيطرة على السكان وعلى قسم هام من المناطق، فان مبدأ إقامة دولة فلسطينية لم تعد ورقة مساومة بيد إسرائيل بل موضوعاً مسلماً به في كل اتفاق دائم مستقبلي.

في مسألة القدس: لقد أعلن عرفات بأن القدس الشرقية ستكون عاصمة فلسطين المستقلة، وأن الفلسطينيين لن يتنازلوا عن أي شبر. وشدد رئيس الوزراء رابين على أن "القدس الكاملة والموحدة ليست موضوع مساومة". وذلك خلافاً لتعهده في اتفاق أوسلو بالبحث في مكانة المدينة في الاتفاق الدائم. وفي المباحثات على الاتفاق الدائم، في عهد باراك، وافق الطرف الإسرائيلي على تقسيم السيادة في القدس بين الدولتين، مضاف إليها قيام نظام خاص في الحوض المقدس ولكن الفلسطينيين رفضوا ذلك.

في مسألة "حق العودة": في المفاوضات في واشنطن في العام 1993 اعتبرت هذه المسألة كملحقة يفترض أن تحل في المفاوضات متعددة الأطراف ويمكن تسويتها من خلال تمثيل رمزي للفلسطينيين يعود إلى إسرائيل في إطار جمع شمل العائلات وتعويض مالي متفق عليه. وبالمقابل، بالنسبة لمنظمة التحرير الفلسطينية التي مثلت على نحو مخلص أيضاً الفلسطينيين في الشتات، فإن "حق العودة" كان موضوعاً مركزياً. الفارق بين المواقف انكشف في المفاوضات على التسوية الدائمة في العام 2000. في حينه رفض الفلسطينيون اقتراح حل وسط تقدم به الرئيس كلينتون وبموجبه تتنازل إسرائيل في مسألة السيادة في الحرم، بينما الفلسطينيون يتنازلون عن "حق العودة".

في أوسلو اعترفت إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية بأنها "الممثل القانوني والشرعي للشعب الفلسطيني" كما تعرف نفسها دون أن تعترف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل كدولة يهودية (وديمقراطية)، مثلما تعرف هي نفسها.

واكتفى الطرف الفلسطيني في أن منظمة التحرير الفلسطينية اعترفت "بحق دولة إسرائيل بالوجود في سلام وفي أمن". هذا الموقف نال مفعولاً مضاعفاً عندما رفض رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن طلب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية في العام 2009. ويبدو أن هذا الموقف جاء كي يحمي (على حد نهج منظمة التحرير الفلسطينية) مصالح مواطني إسرائيل الفلسطينيين الذين يشكلون جزءاً من الشعب الفلسطيني ومبدأ حق العودة إلى إسرائيل.

ليس واضحاً كيف توقعت إسرائيل أن تنجح في جسر فجوات المواقف العميقة هذه في المرحلة الدائمة، فيما كانت تنقل إلى الفلسطينيين في المرحلة الانتقالية السيطرة في قسم هام من المناطق، كان يفترض أن تكون ورقة المساومة الأساس لديها في المفاوضات على التسوية الدائمة. ولم يكن الجهد لإغلاق الثغرات متبادلاً. فقد تمسك الفلسطينيون بمواقفهم حتى عندما اقترب زعماء إسرائيل منهم وتراجعوا عن مواقف أساس، بما في ذلك اجتياز "خطوط حمراء". و"المقابل" الأساس الذي وافق عليه الفلسطينيون في المباحثات على التسوية الدائمة كان تبادل الأراضي (2 3 في المائة من يهودا والسامرة)، بنسبة 1:1، يتيح لإسرائيل ان تبقي في مكانها الكتل الاستيطانية والأحياء اليهودية في شرقي القدس. ولا تكمن الصعوبة في تراجع إسرائيل عن مواقفها الأمر الذي هو محتمل في كل مفاوضات، بل في أنه لم يكن لذلك موازٍ في الطرف الفلسطيني.

إسرائيل واصلت المفاوضات وتطبيق الاتفاقات على الرغم من الإرهاب والتحريض. لقد ظهر العنف كعنصر في الإستراتيجية الفلسطينية من أجل الضغط على إسرائيل. بعد اتفاق أوسلو امتنع عرفات عن نزع سلاح محافل المعارضة، وهذه نفذت عمليات ارهابية في إسرائيل. في 7 تشرين الأول 2000 شرح نبيل شعث (في مقابلة مع السي.ان.ان) الموقف الفلسطيني فقال: "ليس الخيار بين المفاوضات وبين القتال، يمكن إدارة المفاوضات والقتال في نفس الوقت. لقد قاتل الشعب الفلسطيني بالسلاح، بالجهاد، بالانتفاضة وبالعمليات الانتحارية... فقد قيض لنا أن نقاتل دوماً وان نجري مفاوضات، هذا إلى جانب ذاك". إضافة إلى ذلك، واصل الفلسطينيون التربية على العداء في المدارس وفي وسائل الإعلام. وقد خفض هذا النهج ثقة الجمهور الإسرائيلي بالفلسطينيين.

لم يتحقق تأييد داخلي واسع للاتفاقات

عنصر هام في القدرة على تحقيق اتفاق وتطبيقه هو التأييد الداخلي الواسع، وهذا لم يتحقق في مسيرة أوسلو. فقد أدير اتفاق أوسلو، بطبيعة الأحوال، سراً، ووقع مفاجأة على مواطني إسرائيل. فليس فقط تأهيل الرأي العام قبل التوقيع على الاتفاق كان قليلا، بل حتى بعد التوقيع على الاتفاق لم تنجح قيادة الدولة في تثبيت ثقة الجمهور بالخطوة. وكانت الشرعية الجماهيرية للاتفاق الانتقالي (أوسلو ب) حتى أقل من ذلك. ولم يكن لصيغة التسوية الدائمة التي أقرتها حكومة باراك تأييد كاف في الكنيست، بل ولم تصل إلى التصويت. ويبدو أن في الحالتين توقع الزعماء أكثر مما ينبغي إمكانية أن تفعل الديناميكية فعلتها، مثلما كان في اتفاق السلام مع مصر.

خلاصة وعبر للمستقبل

يمكن أن نجمل باختصار قصة تصميم وإدارة مسيرة أوسلو. لقد عملت إسرائيل ضمن أمور أخرى في ظل إحساس بإلحاح الزمن، دفعها إلى أن تتبنى اتفاقات بلورها فريق إسرائيلي مع ممثلي عرفات في قناة سرية خفية في أوسلو. في تصميم اتفاق أوسلو وفي السلوك في مسيرة أوسلو في عهد رابين تبنت إسرائيل إستراتيجية تقوم على أساس التقدم "من البداية إلى النهاية". وهكذا ظهر أنها انسحبت على مراحل من مناطق في يهودا والسامرة وفي قطاع غزة منذ الفترة الانتقالية، دون مقابل حقيقي، وفي مرحلة المباحثات على التسوية الدائمة بقيت لإسرائيل ذخائر اقل للمفاوضات. ورغم أن حكومة باراك لطفت جداً مواقفها أكثر بكثير مما فكر رابين وبيريز عند التوقيع على اتفاقات أوسلو لم تغلق الفجوات بين المواقف، ولم يتحقق الاتفاق الدائم المنشود وشرع الفلسطينيون في انتفاضة الأقصى.

لم يعنى المقال بكامل أسباب فشل مسيرة أوسلو ولكن يبدو أنه كان لطريقة تصميم وتطبيق اتفاق أوسلو دور هام في ذلك. يبدو أن احد الأسباب الأساس للفشل هو الفجوات العميقة في المواقف بين الطرفي، والتي كانت خفية عن العيان في اتفاق أوسلو واندلعت في المفاوضات على الاتفاق الدائم. وعلى فرض أن هكذا، فان اتفاق أوسلو ليس فقط لم يقرب السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، بل يبدو أنه أبعده، في أنه أثار توقعات عالية تبددت بعد نحو سبع سنوات. المشكلة الكبرى ليست في نواقص اتفاق أوسلو، بل بالذات في القرارات لتطبيقه على مدى سنوات في ظل تجاهل الفوارق في مواقف الطرفين، التي احتدت، قبل المفاوضات على الاتفاق الدائم وفي سياقها. يبدو أنه منذ أن نشأت الفجوات الهائلة وتنفيذ اتفاق "غزة وأريحا أولاً" لم يثبت نفسه بعد، كان يفضل لو أن إسرائيل امتنعت عن التوقيع على اتفاق أوسلو ب وتنفيذه، والذي عني بانسحاب إسرائيلي من قلب مناطق يهودا والسامرة، حتى تحقيق تفاهمات واضحة بالنسبة لاستمرار المسيرة ونهايتها.

مع مرور عشرين سنة على الاتفاق، واضح أن المسيرة غير قابلة للعودة. فما أن سلمت أراضٍ، حتى حصل أن قسماً من أوراق المساومة لإسرائيل تآكل، وانشق المعسكر الفلسطيني، وتغير الشرق الأوسط بحيث لم يعد يعرف، وعدم الاستقرار الداخلي في بعض الدول يزيد من عدم اليقين حتى للمدى القصير. ومع ذلك، في الواقع الجغرافي السياسي الحالي على الأقل، يبدو أن النموذج الأكثر معقولية لاتفاق محتمل في المستقبل مع الفلسطينيين (في الضفة) ليس بعيداً عن ذاك الذي وافقت حكومة باراك عليه.

عبر لإسرائيل

في المجال الاستراتيجي:

1. تبني تفكير "من النهاية إلى البداية".وضع أهداف حقيقية لإنهاء المفاوضات، حتى لو كانت واسعة من اجل السماح بمجال مناورة في المفاوضات. بعد أن طبقت إستراتيجية "من البداية إلى النهاية" في مسيرة أوسلو، وليس بنجاح، فإن إمكانية استخدام إستراتيجية "من النهاية إلى البداية" أدنى بكثير، ولكن يبدو أن هذه لا تزال الإستراتيجية المفضلة. في هذا الإطار من الأفضل تفضيل اتفاق دائم يطبق على مراحل (مثل اتفاق السلام مع مصر) على اتفاق على المفاوضات على مراحل، مثل اتفاق أوسلو.

2. إذا ما اتجهت إسرائيل مع ذلك إلى تسوية انتقالية، مثل إقامة دولة فلسطينية في حدود مؤقتة، من الأفضل أن تحسم في المفاوضات على هذا الاتفاق معظم الخلافات المتعلقة بالتسوية الدائمة، بما فيها الخلافات المتعلقة بمسائل 1948  والمسائل الأمنية كتجريد الدولة الفلسطينية من السلاح الثقيل، نزع سلاح محافل المعارضة، حق الطيران لسلاح الجو الإسرائيلي، تواجد قواعد استخبارات إسرائيلية في يهودا والسامرة وما شابه. ينبغي أن نبقي إلى المرحلة الدائمة مسائل جوهرية قليلة قدر الإمكان، مثل: ترسيم الحدود النهائية، ترتيب السيطرة في الحوض المقدس في القدس وما شابه.

3. في حال لو كانت فرضية العمل السياسي هي أنه لا تلوح إمكانية تسوية دائمة في السنوات القريبة القادمة، وتكون إسرائيل معنية بترك كوة لحل الدولتين للشعبين، من الأفضل إبقاء الوضع الراهن على حاله: عدم إجراء انسحاب أحادي الجانب بسبب المخاطر العالية الكامنة في ذلك، ولكن أيضاً عدم تنفيذ تغييرات "غير قابلة للتراجع" خلف جدار الفصل. ولغرض سياسة إسرائيل عمليا، وفي المستقبل بالإعلان أيضاً، يمكن تحديد حدود أدنى تراها إسرائيل حيال يهودا والسامرة في المرحلة الدائمة (لنفترض، جدار الفصل)، وذلك دون تنفيذ انسحاب أحادي الجانب بالفعل. مسألة غور الأردن تبقى مفتوحة. وتوضح هذه السياسة لمواطني إسرائيل، للفلسطينيين وللأسرة الدولية مجال البحث على الحدود الدائمة من جانب إسرائيل، وترتب سياستها بالنسبة للمستوطنات. مثلا\ً، توسيع الاستيطان في يهودا والسامرة في نطاق جدار الفصل، فيما يحفظ الأمن ومستوى المعيشة للبلدات خارجه حتى تحديد مصيرها في الاتفاق الدائم، إذا ما وعندما يتحقق. غياب سياسة كهذه أدى إلى تجميد البناء على مدى عشرة أشهر (من تشرين الثاني 2009 وحتى أيلول 2010) حتى في بلدات داخل جدار الفصل.

في مجال إدارة المفاوضات وتطبيقها:

1. من الأفضل التوقيع فقط على اتفاق لا لبس فيه نتائجه واضحة للطرفين يكون معقولا انه قابل للتحقق، أو عدم التوقيع على اتفاق على الإطلاق. إذا ما ظهرت فجوات كبيرة في مرحلة تطبيق الاتفاق من الأفضل تجميده، وذلك لأنه خطأ أكبر من التوقيع على اتفاق سيء هو محاولة تطبيقه.

2. عدم إجراء مفاوضات سياسية تحت العنف، الإرهاب والتحريض، إلا إذا كانت إسرائيل مقتنعة بأن الطرف الفلسطيني يفعل كل ما في وسعه لمنع ذلك. وفي ظل ذلك الإصرار على تطبيق كل الالتزامات الفلسطينية في المجال الأمني (بما في ذلك جمع السلاح من المعارضة)، والإصرار على وقف التحريض في وسائل الإعلام وفي المدارس الفلسطينية.

3. على الرغم من أن إسرائيل غير ملتزمة بالمواقف التي عرضت في الاتصالات التي لم تؤدي إلى اتفاق، من الأفضل الامتناع عن تآكل المواقف في الاتصالات المختلفة التي تجريها إسرائيل مع الولايات المتحدة، مع الأسرة الأوروبية وغيرها، حتى في أثناء البحث في اقتراحات افتراضية. كل موافقة على انسحاب إسرائيلي من شأنه أن يصبح موقفاً أولياً في المفاوضات في المستقبل.

4. إجراء مفاوضات من خلال فريق خبير وغني بالتجربة (بما في ذلك إدراج رجال أعمال في الفريق، خبراء في إدارة المفاوضات بطبيعة عملهم)، والاستعانة بمديرية مفاوضات مهنية، لإدارة كل قنوات المفاوضات تحت جهة واحدة وتحديد هيئة رقابة. وفي ظل ذلك، الامتناع عن كثرة القنوات المتوازية بشكل عام، والحظر بشكل خاص على القنوات الخفية عن رئيس الوزراء. ومع ذلك، الاستعانة باتصالات سرية من قبل رئيس الوزراء، لغرض الاختراق.

5. الامتناع عن اتفاقات تثير توقعات عالية لدى الطرفين دون أن يكون يقين كاف لتحقيقها، وذلك لان لازمة التوقعات ثمنا باهظا. وكذلك الأخذ بالحسبان مسبقا مخاطر تنفيذ الاتفاق، إدارتها وفحص السبل لتخفيضها. ضمن أمور أخرى، أن تدرج في الاتفاق حقوق لإسرائيل في حالة عدم التزام الفلسطينيين بتعهداتهم الأمنية. الامتناع  عن التقدم إلى المرحلة التالية، طالما لم تتحقق المرحلة السابقة بكاملها.

6. الالتزام بأن يحسم كل قرار جوهري في موضوع التسوية الدائمة في الكنيست أو في استفتاء شعبي بأغلبية تزيد عن 60%.

اعلى الصفحة