هواجس الرعب الديمغرافي في الكيان الصهيوني

السنة الثانية عشر ـ العدد141 ـ (شوال ـ ذو القعدة 1434  هـ ) أيلول ـ 2013 م)

بقلم: ازدهار معتوق

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

تراكمت في الآونة الأخيرة جملة كبيرة متزايدة من الإشارات والمعطيات الخطيرة التي تؤكد أن المؤسسة السياسية الأمنية الأكاديمية - الإستراتيجية الإسرائيلية فتحت مجددا ملف "الخطر الديموغرافي على إسرائيل" في الوقت الذي أخذت فيه تلك الأصوات المنادية بـ "ترانسفير" جماعي جديد ضد الشعب الفلسطيني، ما يقود إلى تراصف التساؤلات الكبيرة المتفجرة المتعلقة بالأجندة الصهيونية الحقيقية تجاه من بقي من عرب فلسطين 1948 أو في الضفة والقطاع.

فحسب المؤشرات الإسرائيلية فإنه ما من موضوع راهن في سياق الصراع يحتشد حوله "إجماع قومي إسرائيلي" أكثر من موضوع "الأرض" و"الديموغرافيا" و"الدولة اليهودية النقية" وكذلك "الترانسفير" وان كانت الأحزاب الكبيرة لا تعلن عنه صراحة.. فهم وفق هذا الإجماع يريدون الأرض كلها يهودية صهيونية بلا سكانها العرب الأصليين، ومن هنا شكلت وما تزال دائما هذه المسألة هاجسا يقض مضاجعهم.

لذلك نراهم يطلقون عليها تارة "المشكلة الديموغرافية"، وتارة أخرى "الخطر الديموغرافي" وتارة ثالثة "القنبلة الديموغرافية". والكل في الكيان الصهيوني يجمع على أنها "تشكل تهديداً استراتيجياً داهماً ودائماً لوجود إسرائيل".

وقد أطلقوا على أولئك الباحثين والمحللين والمفكرين من الإسرائيليين الذين يفتحون "الملف الديموغرافي" ويثيرون الجدل حوله اسم "أنبياء الغضب الديموغرافي"، ذلك أن عدداً منهم يتنبأون بنهاية الدولة اليهودية، بسبب التكاثر الديموغرافي العربي، وكان في مقدمة هؤلاء وأولهم البروفسور المعروف "الياهو رابينوفتش" الذي تنبأ بـ "خراب إسرائيل" بعد احتلالها للأراضي العربية في حزيران 1967م.وكثر على مدى السنوات الماضية عدد "أنبياء الغضب الديموغرافي"  لدرجة بات يصعب حصرهم!.

وربط الدكتور عبد الوهاب المسيري في مقالة له حول المسألة ربطا جدليا ما بين ثلاثة هواجس تهيمن على "الخريطة الإدراكية الإسرائيلية" هي:الهاجس الديموغرافي, وهاجس نهاية وجود إسرائيل كدولة يهودية, وهاجس حق العودة وتقرير المصير لملايين اللاجئين الفلسطينيين.

كما تناول المؤرخ الإسرائيلي البروفسور "بني موريس" مشكلة "الخطر الديموغرافي العربي" قائلاً: "فقط إذا واجهت إسرائيل المسائل الحقيقية الجوهرية في الصراع - مثل الديموغرافيا وحق العودة، والاعتراف بحدود إسرائيل الديموغرافية - فإن مستقبل الدولة سيكون مضموناً".

أما كبير الديموغرافيين المختص في "الديموغرافيا اليهودية" البروفسور "سيرجي ديلا فرغولا" فقد تنبأ مبكرا قائلا: "خلال سنوات معدودات سيتحول اليهود إلى أقلية في المساحة الواقعة بين البحر المتوسط ونهر الأردن" و "أن الحل يكمن في تغيير الوضع الديموغرافي لصالح اليهود بصورة ملموسة".

أما البروفسور الديموغرافي الآخر وهو "امنون سوفر" فقد توقع "أن إسرائيل تسير نحو الانتحار" و "أن الحل يكمن في التخلص من السكان وإقامة الجدار.. فهذا يعني النجاة لليهود".. ويقول: "أن السور هو الطريق الوحيد للانتصار على الرحم الفلسطيني، فإذا سقط هذا الجدار سيغمرنا طوفان هائل من الفلسطينيين.. وإذا سقط الجدار سقطت إسرائيل".

وكانت "وثيقة مؤتمر هرتسليا الأول" الذي عقد خلال فترة 19-21 كانون الأول/ 2002 وهي الأخطر في هذا المنطلق قد أوصت المؤسسة الإسرائيلية بإعطاء الأولوية العليا للمشكلة الديموغرافية.

مفهوم الخطر الديمغرافي

يمكن الإشارة إلى توسيع نمط مفهوم الخطر الديمغرافي في خطاب العديد من الباحثين في الأكاديميا الإسرائيلية ليشمل إضافة إلى العرب اليهود الحريديم واعتبارهم تهديداً على طابع الدولة العلماني الصهيوني.

وفي حالات أخرى يتم التطرق إلى الشرقيين بوصفهم شكلاً من أشكال الخطر وأن لم يتم إظهاره مباشرة كخطر ديموغرافي بل خطر ثقافي على "الثقافة الغربية" للكيان وهو ما يعني عملياً أن "الفئة الصالحة للمواطنة" أو بلغة أخرى الفئة البيضاء والتي لا تشكل خطر هي فئة المجموعة "الاشكنازية الصهيونية العلمانية".

إن الخوف الإسرائيلي الراهن من الخطر الديمغرافي يتكئ على فرضية مؤداها أن السيرورات الديموغرافية التي ظهرت في السنوات الأخيرة ستتواصل على نفس النسق في السنوات القادمة، وان الزمن يعمل في غير صالح إسرائيل على هذا الصعيد. فمصطلح "الخطر الديمغرافي" أو "القنبلة الديموغرافية"،  يستخدم إسرائيليا لتوصيف حالة من التكاثر أو النمو الطبيعي الكبير بين مجموعة إثنية واحدة (والمقصود هنا العرب في إسرائيل) مقارنة بالمجموعات السكانية الأخرى - ذات معدلات التكاثر غير المرتفعة- والتي تنظر إلى هذه الحالة باعتبارها خطرا يهدد الميزان الديمغرافي القائم.

لقد وُضعت أسس هذه السياسة العنصرية  منذ ما أكثر من مائة عام في جوهر وصميم تكوين وفكر الحركة الصهيونية، حيث يقول خبير الديموغرافيا الصهيوني الأبرز، أرنون سوفير إن "المسألة الديموغرافية تشغل الحركة الصهيونية منذ انطلاقتها الأولى، ورافقتها طوال السنوات، منذ قيام دولة إسرائيل وحتى اليوم". فمقولة "الخطر الديمغرافي" باتت تشكل مركباً مركزياً في أية مفاوضات حول ترسيم الحدود الدائمة لإسرائيل.

ويمكن الحديث حول معنى الخطر الديموغرافي من خلال تحليل دراسة الباحثين والخبيرين الإسرائيليين المعروفين ارنون سوفير ويفغينيا بيستروف، التي صدرت بترجمة عربية عن مركز "مدار" ضمن سلسلة "أوراق إسرائيلية" تحت عنوان "إسرائيل ديموغرافيا 2010-2030: في الطريق نحو دولة دينية!".

حيث تخوض منطلقات هذه الدراسة، في تحليل المخاطر التي من المتوقع أن تواجهها إسرائيل في غضون الأعوام العشرين المقبلة، تحت وطأة تحولات ديمغرافية تحدث فيها ومن حولها، وتعتبر من وجهة نظر المؤلفين "تحولات سلبية" لا تصب في مصلحة إسرائيل على المدى البعيد، وبالتالي "هناك خطر على استمرارية المشروع الصهيوني بصيغته القائمة، أو وفقاً للرؤيا التقليدية الأساس للمشروع الصهيوني بمجمله".

وتكمن أهمية هذه الدراسة في الاستنتاجات السياسية وفي المخططات التي تتم صياغتها ووضعها من قبل الحكومات والمؤسسات الإسرائيلية الرسمية من اجل التحكم بوجهات "النمو السكاني"للفئات التي تعرف بأنها خطر ديموغرافي.

سياسة التطهير العرقي

كما هو معروف فإن العنصرية الصهيونية لا تقبل ببقاء أصحاب الأرض التي احتلتها إسرائيل على تلك الأرض. ولا تقبل بالديمقراطية إذا كانت تعني مساواة اليهودي بالعربي، وتتمسك بنظرية "الطابع اليهودي" لإسرائيل، وهو الطابع الذي ليس له أساس أخلاقياً وقانونياً وفعلياً الحل الإسرائيلي هو إكمال عملية التطهير العرقي بالتخلص من أصحاب الأرض وساكنيها الفلسطينيين.

في مفاوضات طابا الفاشلة، قدم الإسرائيليون اقتراحاً بضم مناطق غنية بها مياه وعليها مستوطنات إسرائيلية في الضفة مقابل التخلي عن صحراء جرداء على الحدود المصرية ليس بها مياه، هي أصلاً أراضٍ احتلتها إسرائيل زيادة عن مشروع التقسيم. وهذا يعني في العرف الإسرائيلي ضمناً أن خط الهدنة (1949)- المعروف خطأ بالخط الأخضر- الذي يفصل بين الضفة وغزة من جهة وفلسطين 1948 من جهة أخرى، هو خط التقسيم الجديد لفلسطين، وأن الأراضي خلف خط الهدنة هي ملك إسرائيلي شرعي خالص. وهذه مقايضة بين أرض فلسطينية محتلة وأخرى مسروقة.

أما طرد الفلسطينيين من أرضهم فقد أطلق عليه لأغراض الدعاية كلمة "الترانسفير" أي الترحيل وسيقت له التبريرات المزورة بأمثلة "تبادل السكان" بين الهند وباكستان وبين تركيا واليونان. لكن "الترانسفير" عمود من أعمدة الصهيونية الثابتة بدأ الحديث عنه في الدوائر الصهيونية منذ عام 1937، وطبق على نطاق واسع في فلسطين عام 1948، ولا يزال مستمراً إلى اليوم.

وفي العقد الأخير من القرن العشرين، انتقل الحديث عن الترانسفير من الهمس في الجلسات المغلقة إلى مناقشات علنية بين الأحزاب. وفي آخر مؤتمر سنوي يُعقد في هرتزليا في يناير 2006، وضم نخبة من الساسة والجنرالات ورجال الأعمال والأكاديميين، بدت الصورة واضحة تماماً. وتعتبر هذه النخبة أهم من الكنيست من حيث أن أفكارها هي التي تحدد مسار الحكومة. وقد تلخصت توصياتها في: "استقدام عدد أكبر من المهاجرين اليهود، إلغاء أو تحجيم حقوق المواطنة للفلسطينيين في إسرائيل، تشجيع السلطة الوطنية الفلسطينية على قبول تبادل الأراضي، بما في ذلك ضم المناطق العربية في إسرائيل إلى الضفة وضم أهم المستوطنات في الضفة إلى إسرائيل".

وأبلغ المحلل الإسرائيلي المشغول بديموغرافية اليهود والعرب، سرجيو ديلا بيرجولا، المجتمعين أن المساواة بين عدد الفلسطينيين واليهود في كامل فلسطين سيتحقق في عام 2020.

أما الديموغرافي المعروف بعنصريته المتطرفة، آرنون صوفر، والمستشار الخاص لشارون، والذي يعزي إليه فكرة إنشاء جدار الفصل العنصري فيقول: إن "التدمير القادم للدولة اليهودية قادم لا محالة ما لم تتخذ الإجراءات الحاسمة ضد خطر زيادة السكان الفلسطينيين".

وقد قرر المجتمعون أن خلاص "الدولة اليهودية" يكمن في الاستحواذ على المناطق الرئيسة في الضفة وعلى مصادر المياه وعلى غور الأردن وعلى كامل القدس وما حولها، وحصر الفلسطينيين في عدة كانتونات متباعدة، مفصولة عن قطاع غزة، وليست لها سيادة على ما تحت الأرض وفوقها أو ما بين الكانتونات. وتضمن إسرائيل، أنها بالغارات الجوية والاغتيالات والتدمير، كما هو حاصل في قطاع غزة، أن هذا الكيان، ولو سّمي بدولة، ليست له أي حيثية، وأن سكانه تحت هذه الأحوال البائسة سيجبرون على الرحيل عنه "طوعياً" كما تتمني إسرائيل.

لكن هناك جانب من الخطة، جري ويجري تنفيذه، لم يتم الحديث عنه علناً وربما دون كتابة أيضاً في الملفات السرية.

يلاحظ المراقبون أن هبوطاً مفاجئاً قد حدث في خصوبة نساء الفلسطينيين في إسرائيل، والتي كانت 6 أطفال لكل امرأة في الستينات، فأصبحت أقل من 4 أطفال عام 2001. وهو أمر يعزي عادة إلى ارتفاع مستوي المعيشة وزيادة التعليم، الأمر الذي يدعو غالباً إلى تحديد النسل وتربية عدد قليل من الأطفال بشكل أفضل. لكن هذه الظروف نفسها تساعد على تقليل وفيات الأطفال التي كانت تصل إلى نصف نسبة المواليد في العهد العثماني.

وحيث أن الأسرة الفلسطينية ترحب دائماً بالعائلة الكبيرة، فانه عند نقص وفيات الأطفال بسبب العناية الصحية، لابد أن يزداد صافي النمو الطبيعي، أو على الأقل يبقي كما هو دون انخفاض، فما السبب في الانخفاض إذن؟.

خلال الانتفاضة الأولى (1987 1993)، زادت الخصوبة الفلسطينية في الضفة والقطاع بسبب الزواج المبكر وعدم حرية الانتقال. ولكن هذا لا يفسر كل شيء. فالمرأة الفلسطينية ذات التعليم الأولى (أقل من 6 سنوات) لديها أطفال أكثر من الأمية، بمعدل 7.18 طفل مقابل 6.66 طفل. وخصوبة المرأة ذات التعليم المتوسط والثانوي أقل قليلاً ولكنها لا تزال عالية (6.03 6.42)، أما الجامعية فلا تزال خصوبتها عالية (4.09). وهذا يعكس الاتجاه المنطقي، إذ كلما زاد وعي المرأة السياسي في فلسطين، كلما رأت غريزياً ضرورة زيادة عدد الأطفال في الأسرة. وهذا عكس الاتجاه السائد في معظم بلاد العالم، حتى في المجتمعات العربية المشابهة، إذ يتناقص عدد الأطفال في الأسرة مع تزايد تعليم الأبوين.

ولكن حدث ابتداء من عام 1999 انخفاض حاد في الخصوبة في فلسطين. وفي عام 2000 انخفض معدل الخصوبة بشدة من 6.25 طفلا للمرأة إلى 4.18 "وهي ظاهرة نادرة جداً، وأمر لافت للنظر، ولا سابق له".

ولا يعزي هذا الانخفاض المفاجئ إلى انخفاض عدد الزيجات، خصوصاً في غزة الذي زاد بنسبة 31%، كما أنه لا يعزي أيضاً إلى ازدياد استعمال موانع الحمل، ولا يعزي بالكامل إلى ظروف الانتفاضة وارتفاع عدد القتلى وقلة الأمان وانخفاض المستوي الاقتصادي وما يتبعه من هبوط دخل الفرد الذي يمكن أن يفسر انخفاض الخصوبة في أعوام 2001 2003 لأن يوسف كرباج يوضح أن هذا الانخفاض قد ظهر قبل الانتفاضة في عام 2000، ولا يجد له تفسيراً علمياً واضحاً.

ما هو السبب إذن؟ من الواضح أن لإسرائيل مصلحة كبري في هذا الانخفاض. فهل دبرته بطريقة ما؟ لقد جاء في التقارير الصحفية حالات إغماء وهستريا جماعية بين طالبات المدارس، وكذلك سقط الكثيرون ضحايا استنشاق الغازات السامة، التي أطلقها الإسرائيليون على المتظاهرين وبعضها غير معروف طبيا. كما جاء في تقارير وزارة الصحة الفلسطينية زيادة حالات الإجهاض والسرطان بشكل غير مسبوق.

واستعمال إسرائيل للأسلحة البيولوجية قديم وموثق ولديها الآن أكبر ترسانة من هذه الأسلحة ما بين باريس وطوكيو. وإسرائيل لديها الدافع ولديها الوسيلة. فهل أقدمت على جريمة وأد الأطفال الفلسطينيين قبل ولادتهم، كما قامت بذلك بعد ولادتهم؟.

الديموغرافية اليهودية

من جهة أخرى تحاول الصهيونية زيادة الخصوبة للنساء اليهوديات بأشكال متعددة. كأن تقدم جهات أهلية يهودية طعاماً وكساء وتمويناً وتأميناً لتكاليف الولادة لكل امرأة يهودية تنجب طفلاً. وفي هذا السياق يشجع مليونير يهودي أمريكي الشبان والشابات اليهود على زيارة مدفوعة التكاليف إلى إسرائيل في برنامج يسمي "Birthright" (حق المولد)، بغرض التعريف بإسرائيل والهجرة إليها.

على أن الاعتقاد بأن خصوبة المرأة اليهودية أقل بكثير من خصوبة المرأة الفلسطينية هو أمر ملتبس تماماً. إذ تختلف نسبة الخصوبة لدي اليهود اختلافاً كبيراً حيث أنهم ليسوا قوماً متجانسين، بل هم يمثلون خصائص البلاد التي هاجروا منها، خصوصاً في مجموعتين: ذوي الأصل الأفريقي الأسيوي وذوي الأصل الأوروبي الأمريكي. كما أن اليهود المتدينين المتشددين من أكثر المجموعات البشرية توالداً، إذ تبلغ النسبة 7.6 أطفال لكل امرأة في أواخر التسعينات، أي أربعة أضعاف ونصف اليهود العلمانيين الروس (1.7 طفل لكل امرأة)، وهو معدل لا يتجاوزه إلا خصوبة نساء النيجر في أفريقيا. وبالطبع فإن هذا المعدل يفوق خصوبة الفلسطينيات بكثير. وخصوبة المتدينات عالية لأسباب إستراتيجية وليست دينية فقط، حيث أن المجموعات المتدينة تتواجد بشكل كبير في المستوطنات. وإذا ما أضيفت الهجرة إلى المستوطنات فإن نسبة نمو اليهود في المستوطنات تفوق النمو الديموغرافي الفلسطيني بشكل واضح. وهو كما يشرح كرباج يذكرنا بسرعة نمو المهاجرين اليهود في فلسطين الانتدابية الذي أدي عام 1948 إلى احتلال معظمها بالقوة العسكرية.

وعلى الرغم من هذا التنافس الديموغرافي الحاد، فإن نسبة الفلسطينيين ستسود سواء في إسرائيل أو في فلسطين الانتدابية. وكل الدراسات تؤكد ذلك ولكنها تختلف على الفاصل الزمني لذلك.

وكما سبق القول، فإن الحل الإسرائيلي لهذا الوضع هو الإبادة الجغرافية، إن لم تتم الإبادة الفعلية. وهذا عن طريق الترحيل القسري، أو التهجير بسبب قسوة ظروف المعيشة الذي تمارسه إسرائيل وهو ما يسمي دبلوماسياً "بالهجرة الطوعية" أو عن طريق إعادة تقسيم فلسطين بحيث تأخذ إسرائيل أجود الأراضي ومصادر المياه وتتخلص من السكان الباقين بالخروج من غزة وضم المناطق الفلسطينية في إسرائيل إلى كيان الكانتونات في فلسطين.

ولكي تسّوق إسرائيل هذه الإبادة العنصرية، رفعت شعار "الطابع اليهودي" لإسرائيل، أو عّرفت إسرائيل بأنها دولة "ديمقراطية يهودية" وهو تناقض في المعنى والمبنى. ويكتسب هذا الشعار أحياناً طابعاً إنسانياً لدي المضَّللين من الساسة والكتاب في الغرب المتحيز لإسرائيل. وهو خدعة كبرى. والأسباب كثيرة وواضحة. إذ لا يوجد أي معنى قانوني أو حتى أخلاقي لدولة "يهودية" في فلسطين، ولا يوجد نص أو تعريف في القانون الدولي لذلك.

كما أن إعلان قيام إسرائيل اعتمد في شرعيته على قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947. والأمم المتحدة لا يمكن أن تقيم دولة عنصرية دينية أو إثنية. وواضح في قرار التقسيم أن نصف سكان الدولة المقترح تخصيصها لسكنى اليهود في فلسطين هم فلسطينيون، ولذلك نص القرار على حقهم في المساواة في جميع الحقوق السياسية والمدنية، وعليه لا يمكن تسمية إسرائيل بالدولة اليهودية حسب القانون الدولي.

وإذا كان المقصود "بالطابع اليهودي" لإسرائيل هو تجانس اليهود ووحدانية صفاتهم الخلقية والثقافية، فهذا أمر لا يقبله العقل في كيان جاء سكانه من 110 بلاد ويتكلمون 82 لغة.

والقصد الحقيقي من وراء محاولة إسباغ نوع من الشرعية على صفة "الطابع اليهودي" على إسرائيل هو قبول العالم (والعرب والمسلمين أولاً) بقوانينها العنصرية التي تشمل كافة نواحي الحياة تطبقها مؤسسات الدولة بحكم القانون، وليست مجرد تمييز عنصري يمارسه بعض أفراد المجتمع خلافاً للقانون. هذه القوانين تمارس العنصرية والأبارتهايد ضد كل من هو ليس يهودياً (مع الاختلاف على تعريف صفة اليهودي) في المواطنة والجنسية ودخول البلاد والخروج منها واستملاك الأرض واستعمالها والتعليم والخدمات العامة وغير ذلك.

هواجس الديموغرافيا الأمنية

إزاء المعطيات الديموغرافية, فقد أدرك الإسرائيليون حجم المخاطر التي تهدد أمنهم القومي في دولتهم اليهودية التي يحاولون إعطاءها عبثاً صفة الدولة الديمقراطية التي من المفترض أن تكون لجميع مواطنيها. وفجأة وجدوا أنفسهم أمام معضلة بالغة التعقيد عندما أدركوا أنه من المستحيل عليهم أن يكونوا ديمقراطيين وفي الوقت نفسه يحتلون أراض شاسعة مأهولة بهذه الكثافة السكانية.

وكان لا بدّ من إيجاد رد على هذا التحدي. هنا طرحت فكرة ارتكاب المجازر الجماعية لإحداث حركة هجرة وفرار من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. مثلما طرحت أفكار الترانسفير والترحيل الطوعي أو بالإكراه. وفي هذا السياق شن الإسرائيليون على المجتمع المدني الفلسطيني "حرب تنمية" بالغة الضراوة. وفرض الإسرائيليون حصاراً كاملاً لا ينقطع على الضفة والقطاع وعملوا على تدمير كل ما بنته حكومة رابين منذ العام 1993 من بنى تحتية لحكم ذاتي قائم على أساس اتفاقيات أوسلو. وهكذا رسمت وطبقت السياسات الاقتصادية الجائرة والقاتلة إزاء الاقتصاد الفلسطيني من أجل تفكيكه وإعادة هيكلته لصالح الاقتصاد الإسرائيلي.

وأكد المنسق الخاص للأمم المتحدة بتاريخ 5/12/2002 أن هناك أكثر من 260 ألف شخص في الأراضي الفلسطينية يعانون البطالة, أي ما يشكل 40%من إجمالي قوة العمل الفلسطينية في عام 2000. وقدّر مساعد الأمين العام للأمم المتحدة بأن أكثر من مليون فلسطيني يعانون من خسائر حادة في مداخيلهم, وهو ما يقارب ثلث الشعب الفلسطيني, وقال: إن التقدّم الذي تمّ تحقيقه خلال السنوات الثلاث الماضية, قد جرى تدميره خلال شهرين من الصراع, وأعرب عن قلقه من ارتفاع نسبة الفقر التي تصل بين الفلسطينيين في الضفة والقطاع إلى 32%حسب إحصاءات البنك الدولي, مؤكداً ان نصف الفلسطينيين يعيشون بأقل من 2.10 دولار أمريكي في اليوم. ولفت إلى ان خسائر الاقتصاد الفلسطيني زادت عن 500 مليون دولار في الستين يوماً الأولى من الأزمة فقط. وحذر لارسن إسرائيل من نتائج إغلاق الحدود مع الفلسطينيين لأن البطالة والفقر ينتجان الاستفزاز.

ونتيجة السياسات الاحتلالية أثناء فترة الانتفاضة الأخيرة (انتفاضة الأقصى) قدر مكتب الإحصاء الفلسطيني في دمشق خسائر الاقتصاد الفلسطيني خلال العام الأول من الانتفاضة بنحو 6 مليارات دولار أمريكي وارتفعت نسبة الذين يعانون من الفقر إلى 45.5% من إجمالي السكان الفلسطينيين في الضفة والقطاع, وقدّر الجهاز الإحصائي الفلسطيني في رام الله خسائر الاقتصاد الفلسطيني يومياً بنحو 8.4 مليون دولار.

وعلى ضوء ما تقدم من مؤشرات خطيرة على صعيد الصراع الكمي والنوعي بين الديموغرافيا الفلسطينية والديموغرافيا اليهودية يمكن تعداد الاستهدافات الصهيونية الحالية لجهة حماية عناصر ومقومات الأمن القومي الإسرائيلي على حساب عناصر ومقومات الأمن القومي الفلسطيني على الوجه التالي:

1- السيطرة اليهودية على موارد الأرض الفلسطينية والمياه والموارد الطبيعية فيها.

2- تقطيع التواصل والاتصال الجغرافي والعمراني والقروي الفلسطيني وشرذمته إلى وحدات تتصل بواسطة حيز مكاني تسيطر عليه المستعمرات.

3- تكوين أطر ونظم إدارية وبلدية, مزدوجة وثنائية, للنظم الفلسطينية الأمر الذي يسبب ازدواجية إدارية, وذلك في مقابل إحالة النظم والقوانين الإدارية الإسرائيلية على جزء من الأراضي الفلسطينية.

4- تخطيط وتنفيذ بنى تحتية مرتبطة بإسرائيل, ومنع الفلسطينيين من السيطرة على هذه البنى بهدف استغلالهم.

5- تعميق تبعية المجتمع الفلسطيني, وخصوصاً القروي, من خلال توفير فرص العمل في قطاع البناء والعمالة الرخيصة والصناعة التي تطورت في المستعمرات, وبذلك تلحق اقتصاد هذه القرى بالمستعمرات الأمر الذي يحول دون استقلالها الاقتصادي.

وعلى ضوء ما تقدم, تبين, أن تهويد فلسطين, من البحر إلى النهر, في الواقع الموضوعي, كان يستلزم مسارين متواكبين ومتكاملين: تهجير أعداد كبيرة من اليهود وتوطينهم فيها, وفي المقابل, تغييب شعبها عنها, بصورة أو بأخرى. إلا أن مقاومة الشعب الفلسطيني للاستيطان اليهودي جعلت منهما مسارين متناقضين, الأمر الذي عرقل المشروع الصهيوني ومنعه من التطور بوتائر متسارعة كما كان يتمنى أرباب المشروع التوسعي الأكبر, وبالتالي تسبب في خلق أزمة إستراتيجية ذات أبعاد قومية تمثلت بنوع خاص في استحالة تهويد فلسطين, طالما كان شعبها حاضراً, عسكرياً وثقافياً وسياسياً. وما من شك في أن المقاومة الفلسطينية بجميع أشكالها كانت عاملاً أساسيا في ردع وإحباط الهجرة اليهودية إلى فلسطين حتى ولو بصورة نسبية, ولاسيما وأنها كانت سبباً فاعلاً في عملية نزوح المستوطنين الوافدين في حركة هجرة مضادة بالغة الأهمية.

اعلى الصفحة