القضية الإيرانية:
نقاط الاتفاق والاختلاف.. بين الولايات المتحدة وإسرائيل

السنة الثانية عشر ـ العدد141 ـ (شوال ـ ذو القعدة 1434  هـ ) أيلول ـ 2013 م)

ترجمة: حسن سليمان

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

مركز أبحاث الأمن القومي نشرة تقدير استراتيجي للكاتب افرايم كام

 

يحتل الموضوع النووي الإيراني في السنوات الأخيرة مكانا محوريا في الاتصالات بين حكومتي الولايات المتحدة وإسرائيل. وتشير المحادثات المكثفة التي جرت حول هذه القضية والتصريحات الأمريكية على أنه قد نشأت في جوانب مختلفة حول الموضوع اختلافات في الرأي والنهج المختلف بين الطرفين. وتريد هذه المقالة أن تفحص عن نقاط الاتفاق والاختلاف بين الحكومتين الإسرائيلية والأمريكية، على ضوء التهديد الإيراني وتحديد الأهداف اتجاه إيران وبلورة الرد على هذا التهديد.

في الوقت الذي يوجد فيه تقارب بارز بين حكومتي الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن تصور التهديد النووي الإيراني وتحديد الأهداف اتجاهه، تطور الخلاف الفعلي في الرأي بينهما حول مسألة الرد على التهديد، ولاسيما ما يتعلق بأجراء عسكري في إيران للقضاء عليه. إن الولايات المتحدة تدرس في حقيقة الأمر الخيار العسكري لكنها خلافا لإسرائيل تتحفظ منه في الظروف الحالية بسبب الفهم المختلف لتأثيراته. وعلى فرض أن إسرائيل لن تغير موقفها الذي يلزم بعمل عسكري ضد إيران في المدى غير البعيد، إذا تبين أن المسار السياسي معها قد استُنفذ، فان مستقبل هذا الاختلاف قد يقرره في الأساس سلوك إيران وتوجه الإدارة الأمريكية، فالاختلاف سيتسع إذا وافقت الإدارة على صفقة مع إيران تبقى فيها الفجوات ويصعب على إسرائيل قبولها، أو إذا استقر رأيها على الانتقال من إستراتيجية منع إيران من الحصول على السلاح النووي إلى إستراتيجية الاحتواء، وسيتضاءل الاختلاف إذا توصلت الإدارة إلى استنتاج أن الهجوم على إيران حتمي.

تصور التهديد الإيراني

بدأ يتكون تصور التهديد الإيراني في الولايات المتحدة وإسرائيل بعد الثورة الإسلامية في 1979 حينما تحول النظام الجديد في طهران من وجهة نظريهما من حليف إلى خصم وعدو. لكن التهديد الإيراني أصبح وازنا كثيرا من وجهة نظرهما منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي حينما تفرغت إيران من حربها مع العراق وبدأت في تقوية نفسها عسكرياً، وبشكل خاص عندما سرعت من برنامجها النووي والصاروخي اللذين اكتسبا  أهمية تهديدية من الطراز الأول.

حصل على مر السنين تقارب بارز بين تصوري الولايات المتحدة وإسرائيل للتهديد النووي الإيراني. ومنذ 1993 عرض جميع رؤساء الحكومات في إسرائيل إيران باعتبارها أشد تهديد لإسرائيل وللاستقرار في الشرق الأوسط. وكان فهمهم الأساسي أن التهديد الإيراني ناتج من الجمع بين النظام الأصولي الذي يسعى بصراحة إلى القضاء على دولة إسرائيل، وبين الحصول على القدرة إلحاق أضرار كبير بها. ولهذا السبب هناك زعماء إسرائيليون يرون أن التهديد الإيراني تهديد وجودي على إسرائيل. وتُظهر الولايات المتحدة تفهما لتصور إسرائيل للتهديد الإيراني وتوافق على أن إيران تخلق تهديدا وجوديا محتملا على دولة إسرائيل. وهذا التفهم يشكل تقدير مركزي في قرار الإدارة الأمريكية على منع إيران من الحصول على السلاح النووي. وأكثر من ذلك، ترى الولايات المتحدة بإيران النووية تهديدا على مصالحها المهمة جدا في الشرق الأوسط، فهي تشكل تهديدا لأمن حليفاتها في المنطقة ولتأثيرها فيها وللإمداد بالطاقة منها وللمسيرة السلمية الإسرائيلية العربية.

إن تصور كل من الولايات المتحدة وإسرائيل للتأثيرات الإقليمية لحصول إيران على القدرة النووية متقاربان وإن كان من الواضح أن تقديرات الولايات المتحدة أوسع. وتؤمن الدولتان بأن إيران النووية ستزيد في عدم الاستقرار في الشرق الأوسط وتوجه ضربة لنظام الرقابة على السلاح وتفضي إلى سباق تسلح نووي في المنطقة. وكلاهما تعتقد أن وجود سلاح نووي عند إيران سيفضي بها إلى عنف أكبر موجه على جاراتها وعلى الوجود الأمريكي في المنطقة وعلى إسرائيل، وسيقوي مكانتها باعتبارها الركيزة الأساسية للمعسكر الراديكالي ويُسهم في زيادة ضغوطها على الدول المعتدلة في المنطقة كي توافقها على سياستها، ويحث جهات متصلة بها على أن تُظهر جرأة أكبر على إسرائيل.

وفي حين يوجد تقارب ملحوظ بين الولايات المتحدة وإسرائيل فيما يتعلق بتصور التهديد النووي الإيراني، توجد اختلافات بين التقديرات الاستخبارية لدى الدولتين بشأن تطور البرنامج النووي الإيراني. يوجد في إسرائيل والولايات المتحدة اتفاق واسع، وإن لم يكن الاتفاق كاملا في الولايات المتحدة، على أن إيران اتخذت قبل سنوات قراراً استراتيجياً على إحراز سلاح نووي، ولا تختلف التقديرات الاستخبارية في الدولتين المتعلقة بالجدول الزمني الذي تستطيع فيه إيران من جهة تقنية التوصل إلى سلاح نووي، ففي الأساس، منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي قدّرت الجهتان الاستخباريتان أن إيران تستطيع التوصل إلى سلاح نووي في غضون خمس سنوات إلى ثماني سنوات. وتبين أن هذا التقدير إشكالي لأن من الواضح اليوم أن إيران لم تكن قادرة في تسعينيات القرن الماضي على إنتاج مادة انشطارية. وإلى ذلك اعتمد هذا التقدير على أشد السيناريوهات عن عدم فهم للإستراتيجية الإيرانية الحذرة. وتبين بعد ذلك أن إيران فضلت تطوير قدرات نووية متقدمة شتى ولم تسارع إلى السير نحو السلاح النووي. وسبب ذلك مزدوج وهو أن إيران تريد الانتظار لترى ما هو أفضل وقت للسير قدما كي تخفف من الثمن الذي ستدفعه عن ذلك في الساحة الدولية، ومن المهم لها أن تطور قدرات تُمكنها من أن تبني مخزن سلاح نووي لا قنبلة أولى فقط.

وبحسب تقدير صدر بعد ذلك، "تقدير الاستخبارات القومي" (إن.آي.إي) الأمريكي في سنة 2007 الذي نشرت خلاصته علنا، كان لإيران قدرة تقنية على التوصل إلى سلاح نووي بين 2010 و2015. وبحسب تقدير الاستخبارات الإسرائيلية كانت إيران قادرة على إنتاج سلاحٍ نوويٍّ في مدة أقصر. ولم يكن الفرق بين التقديرين بهذا الشأن جوهريا. وتبدى الاختلاف بين الجهتين الاستخباريتين في الولايات المتحدة وإسرائيل حول عنصر آخر في التقدير الأمريكي وهو الرأي المهم أنه كان لإيران برنامج نووي عسكري إلى سنة 2003 لكن تم وقفه، ولم يكن هناك مرتكز من الحقائق تمكّن من القول بأنه جُدد منذ ذلك الحين. وقالت إسرائيل في مقابل ذلك إن البرنامج النووي العسكري الإيراني تم وقفه حقا في 2003 لكنه جُدد بعد ذلك. ولاقى التقدير الأمريكي في 2007 انتقادا لأنه لم يعط معنى كافيا لتعجل إيران برنامج تخصيب اليورانيوم الذي يمكنه أن يشهد لا على تحسين القدرة على التوصل إلى سلاح نووي بل على نية فعل ذلك أيضاً.

إن التقدير الاستخباري الأمريكي الذي كتب في 2012 يخطو خطوة إلى الأمام إذا قورن بتقدير 2007. ولم يُنشر هذا التقدير علنا لكن أصوله سُربت إلى وسائل الإعلام وظهر موجز له في تقرير مدير الاستخبارات القومية الذي نشر في آذار 2013. ويتبين من هذا التقدير أنه لا اختلاف بين الولايات المتحدة وإسرائيل في أن إيران تبني قاعدة نووية وتخصب اليورانيوم لتحافظ على خيار مفتوح لإحراز سلاح نووي، وأنها تجري بحثاً أساسياً ذا صلة ببرنامج السلاح النووي، وأن لها قدرة علمية وتقنية وصناعية على إنتاج سلاح نووي تخضع لقرار سياسي. وتوافق الولايات المتحدة على أن إيران تقدمت في 2012 إلى وضع يُمكنها من تخصيب اليورانيوم بدرجة عسكرية إذا استقر رأيها على ذلك. وتتفق الولايات المتحدة وإسرائيل أيضاً على أنه لا توجد إلى الآن شهادة صادقة على ان إيران استقر رأيها على الانطلاق قدما إلى السلاح النووي، لكنها قد تفعل ذلك في المستقبل. ومع ذلك تفيد تقارير صحفية أن المجموعة الاستخبارية الأمريكية تُقدر أن إيران لم يستقر رأيها بعد على إدارة من جديد برنامجٍ نوويٍ عسكريٍّ لبناء سلاح كالذي تم وقفه في 2003. وتتحفظ إسرائيل من هذا التقدير بادعاء أن إيران أحرزت تقدماً كبيراً في أصعب مسار نحو السلاح النووي وهو تخصيب اليورانيوم، والمسافة بينه وبين بناء السلاح النووي نفسه قصيرة نسبياً.

يبدو من هنا أن الشيء المشترك بين التقديرين الاستخباريين للولايات المتحدة وإسرائيل يفوق بقدر كبير الاختلاف بينهما. ويشهد على ذلك كلام وزير الدفاع السابق أيهود باراك في آب 2012 الذي قال إن رئيس الولايات المتحدة تلقى معلومات جديدة عن أن إيران أحرزت تقدما مهما ومفاجئا في برنامجها النووي يُقربها من إحراز قدرة نووية عسكرية. وقال إن هذه المعلومة تغير التقديرات الاستخبارية الأمريكية السابقة وأن هذه أصبحت الآن قريبة جداً من التقديرات الاستخبارية الإسرائيلية.

الأهداف نحو إيران

إن أهداف الولايات المتحدة تجاه إيران أوسع من أهداف إسرائيل لأن دائرة مصالحها باعتبارها قوة عظمى أكبر، وقدراتها على إحراز أهدافها أعظم. وتسعى الإدارة الأمريكية إلى مضاءلة قدرة إيران على التوصل إلى هيمنة إقليمية، وإلى منع زيادة قوتها العسكرية، وإلى تقوية أمن حليفاتها التي تهددها إيران، وإلى المساعدة على توسيع حقوق الإنسان في إيران. وتؤمن إيران بأن الإدارة الأمريكية تطمح قبل كل شيء إلى إسقاط النظام الإسلامي فيها على الرغم من أن الإدارة لا تعترف بهذا. إن إحراز هذه الأهداف الأمريكية مهم لإسرائيل أيضاً وإن تكن قدرتها على المساعدة في إحرازها محدودة.

في مقدمة أهم الأهداف لإسرائيل وللولايات المتحدة منع إيران من الحصول على السلاح النووي، وقد التزم الرئيس أوباما بذلك بصوته في آذار 2012 حينما قال إن سياسته هي منع إيران من الحصول على السلاح النووي لا احتواؤه لأنه لا يمكن احتواء إيران النووية. أو بعبارة أخرى نقول إن الإدارة الأمريكية غير مستعدة اليوم للتسليم بسيناريو إيران النووية وان تستعمل آنذاك الوسائل لردعها عن استعمال هذا السلاح في الدفع بمصالحها قدماً.

هناك سؤال مهم وهو هل ستغير الإدارة موقفها وتتحول من سياسة منع إلى سياسة احتواء إذا خلصت إلى استنتاج أن الهجوم وحده سيوقف إيران في طريقها إلى السلاح النووي في حين أنها غير مستعدة للمخاطرة بهذا الهجوم.

الرد على التهديد النووي الإيراني

في الوقت الذي يوجد فيه تقارب بين توجه إدارتي الولايات المتحدة وإسرائيل بالنسبة لتصور التهديد النووي الإيراني وتحديد الأهداف تجاهها، تنحصر الاختلافات في الرأي بينهما في اختيار الرد على التهديد. وهما تتفقان على أن أفضل طريقة لعلاج البرنامج النووي الإيراني من جهة مبدئية هي الطريقة السياسية الدبلوماسية لسبب واضح وهو أنه إذا اقتنعت إيران بأن توقف برنامجها النووي بالتفاوض فستُمنع الأخطار الشديدة المتصلة بعمل عسكري. بيد أنه بعد عقد من التفاوض العقيم أصبحت احتمالات إقناع إيران بالتخلي عن سعيها إلى إحراز قدرة على إنتاج سلاح نووي غير مرتفعة. وإسرائيل أشد تشاؤماً فيما يتعلق باحتمالات وقف البرنامج النووي العسكري الإيراني بالطريق الدبلوماسي وترى فيه خطرين أيضاً، الأول أن يستمر الإيرانيون في جهودهم لكسب الوقت بالتفاوض ليدفعوا قدما بنشاطهم النووي إلى أن يصبح وقفهم بعمل عسكري متأخرا، والثاني أن تتوصل مجموعة الحكومات التي تفاوض إيران إلى تسوية معها لا تمنعها من إمكانية الوصول إلى قدرة على إنتاج سلاح نووي. ولهذه الأسباب تتوقع إسرائيل من الإدارة الأمريكية أن تحدد جدولاً زمنياً محدداً لمفاوضة إيران لا يُمكنها من تمديده إلى ما لانهاية، ويمنح موقفها المعلن من أن الخيار العسكري مفتوح وحقيقي، يمنحه الثقة به.

إن الخيار العسكري هو في صلب الاختلاف بين الولايات المتحدة وإسرائيل. إن موقفهما من هذه القضية متقاربان مبدئياً، فهما الحكومتان الوحيدتان اللتان قالتا علناً إن "كل الخيارات مفتوحة"، ومنها الخيار العسكري. غير أن موقفهما متعارض من الجهة العملية، ففي حين تريد إسرائيل منح الخيار العسكري مصداقاً، تضر الإدارة الأمريكية في رأيها بمصداقية هذا الخيار بتأكيدها المتكرر أن الظروف لم تنضج بعد لعمل عسكري وان قدرة إسرائيل غير كافية لتنفيذ هجوم عسكري مستقل فعال، وبطلبها المعلن من إسرائيل ألا تفاجئها بالقيام بعمل عسكري مستقل. وتخشى إسرائيل، وبحق كما يبدو من أن هذا التوجه يضعف الضغط على الإيرانيين وقد يقنعهم بأن الإدارة الأمريكية لا تنوي أن تهاجم إيران في واقع الأمر.

فلماذا تتحفظ الإدارة الأمريكية من عمل عسكري في الظروف الحالية؟ يعرض مسؤولو الإدارة الكبار سببين رئيسين لذلك، الأول تقديرهم أن عملاً عسكرياً لن يوقف البرنامج النووي الإيراني بل سيؤجله مدة محدودة، وأن لإسرائيل قدرة محدودة على المس بالمنشآت النووية الإيرانية. وقد قال وزير الدفاع الأمريكي السابق ليون بانيتا أن الهجوم سيؤجل البرنامج النووي الإيراني سنة أو سنتين فقط. والسبب الثاني هو أن رد إيران المتوقع على أثر هجوم عسكري عليها سيفضي إلى تدهور عسكري واسع وإلى فوضى في الشرق الأوسط. وبهذا النفس ادعى بانيتا أن لهذا الهجوم إمكانية نتائج أمنية واقتصادية شديدة في الشرق الأوسط وفي العالم. ويعتقد رئيس هيئة الأركان في الجيش الأمريكي الأدميرال مايك مالن أن هجوماً إسرائيلياً سيفضي إلى تصعيد ويضعضع الاستقرار في الشرق الأوسط ويعرض حياة جنود أمريكيين في الخليج للخطر. ومن حل مكان مالن في عمله وهو الجنرال مارتن دامبسي قال أن الهجوم على إيران سيضر باستقرار المنطقة "بقدر لا يُصدق" وسيكون مشكلة كبيرة جدا بالنسبة للجميع، وإنه إذا هاجمت إسرائيل فلا يريد أن يكون مشاركاً في ذلك. وتطرح جهات أخرى في الولايات المتحدة أسباباً أخرى للتحفظ من عمل عسكري على إيران، فالهجوم قد يحث إيران على تعجيل برنامجها النووي والانطلاق نحو سلاح نووي من جهة، وأن تستغله لمحاولة إزالة العقوبات عنها من جهة أخرى، وقد يقوي الهجوم تأييد الشعب الإيراني لنظام الحكم.

لا تُصرح الإدارة الأمريكية بتقديراتها بشأن التدهور المتوقع على أثر هجوم على إيران. ومع ذلك يبدو أنها تخشى ألا يقتصر الرد الإيراني على الهجوم بإطلاق صواريخ على إسرائيل فقط بل يفضي إلى هجوم على أهداف أمريكية في الخليج وأفغانستان وعلى حليفات الولايات المتحدة في الخليج. وهذا الإجراء سيوجب رداً أمريكياً على إيران قد يفضي أيضاً إلى أزمة في سوق النفط وإلى غضب على الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي.

في إسرائيل يرون الأمور بصورة مختلفة. فالتقدير الإسرائيلي هو أن هجوماً ناجحاً على إيران سيفضي إلى تأخير البرنامج النووي الإيراني مدة أطول مما تُقدر الولايات المتحدة، قد تبلغ ثلاث سنوات أو خمس. وإلى ذلك فإن للولايات المتحدة بحسب التقديرات في إسرائيل قدرات متطورة لتنفيذ عمل عسكري ولتنفيذ سلسلة هجمات في الأساس على المنشآت النووية في إيران قد توقف برنامجها النووي مدة طويلة، بل قد تؤدي إلى وقفه إذا أدركت إيران أن الولايات المتحدة مصممة على معاودة الهجوم إلى أن توقف البرنامج تماماً. وبحسب تلك التقديرات تستطيع الولايات المتحدة أن تقرر توسيع الهجوم ليشمل أهدافاً أخرى تتعدى المنشآت النووية وقد تحاول إسكات قدرة إيران على الرد مسبقاً.

وكذلك فإن سيناريو التدهور الشامل في الشرق الأوسط ليس محتملاً كثيراً بحسب تلك التقديرات لأنه يتجاهل عوامل معينة وهي أن قدرة إيران على الرد محدودة، وقد تُحجم عن مواجهة عسكرية واسعة مع الولايات المتحدة، ولهذا ربما تكتفي برد رمزي، وستحدد المواجهة آخر الأمر بين عدد صغير من اللاعبين. وإلى ذلك يستطيع استغلال صحيح لهجوم ناجح أن يمنع الإيرانيين من تجديد البرنامج النووي والانطلاق نحو السلاح النووي. ويقول التقدير الإسرائيلي إنه سيكون لعمل عسكري في إيران في الإجمالي العام تأثيرات سلبية لكنها ستكون محدودة ولن تفضي إلى تغيير حاد في الشرق الأوسط ويمكن مواجهتها.

يتأثر توجها حكومتي إسرائيل والولايات المتحدة نحو عمل عسكري في إيران بالتقديرات المختلفة أيضاً التي تتصل بآخر موعد ملائم لتنفيذه. إن الولايات المتحدة لها من الجهة العملياتية جدول زمني أطول من جدول إسرائيل لأن قدراتها العسكرية ستُمكنها من هجوم في وقت لاحق، حتى في مرحلة يصعب على إسرائيل فيها تنفيذه. وإلى ذلك تحدد الدولتان الخط الأحمر تحديداً مختلفاً وهو الخط الذي يوزن بعده الخيار العسكري، فالولايات المتحدة لم تحدد في الحقيقة إلى اليوم خطا احمرا واضحا لعملية عسكرية لكن يمكن أن نفهم من تصريحات مختلفة أنها ترى أن تجاوز الخط الأحمر يكون حينما يتم تلقي إشارات إلى انطلاق إيراني نحو سلاح نووي، كأن تدعي إيران مثلا تخصيب اليورانيوم بدرجة عسكرية، وتُبعد مراقبي الوكالة الدولية للطاقة النووية و/ أو تلغي توقيعها على اتفاقية منع انتشار السلاح النووي. ولذلك فان الولايات المتحدة ترى أن إيران لم تقترب بعد من "مجال الحصانة". وترى إسرائيل أن اجتياز الخط الأحمر سيكون حينما تدخل إيران "مجال الحصانة". آنذاك ستفقد إسرائيل قدرتها على تنفيذ عمل عسكري مستقل وتكون متعلقة باستعداد الولايات المتحدة لتنفيذ هذا العمل، وهي ترى أن دخول إيران "مجال الحصانة" سيكون حينما يبلغ تحسين المنشآت النووية، ولاسيما التي في فوردو، مرحلة سيكون من الصعب فيها ضمان نجاح الهجوم عليها. وسيحدث الدخول إلى مجال الحصانة أيضاً حينما تصبح إيران قريبة جدا من إنتاج مادة انشطارية بحيث لا يمكن وقف المسار. أي بعبارة أخرى أن الولايات المتحدة ستدرس الهجوم بغرض منع حصول إيران على القدرة النووية حينما تنطلق إيران نحو السلاح النووي. أما إسرائيل فترى أن من الضروري أن يكون الهجوم استباقي كي لا تستطيع إيران الانطلاق نحو السلاح النووي. وقال وزير الدفاع السابق أيهود باراك في آب 2012 أن إيران قد تدخل قريبا مجال الحصانة أي أنها لم تكن دخلته في ذلك الوقت. وفي مقابله يوجد في إسرائيل من يقولون إن إيران دخلت مجال الحصانة في خريف 2012 ولهذا لم يعد يوجد معنى لهذا المصطلح.

أسئلة للمستقبل: اتفاق واختلاف

إن حقيقة وجود اختلاف مستمر بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن الرد على التهديد النووي الإيراني تطرح السؤال التالي: هل تستطيع الحكومتان التوصل في المستقبل إلى تفاهم على الرد السياسي و/ أو الرد العسكري على هذا التهديد؟، إن هذا السؤال مهم بصورة خاصة لأن اللاعبات الرئيسات الثلاث ذوات الصلة بهذا الشأن قد تتوصل في فترة سنة أو سنتين إلى مفترق قرار بشأن ما يلي من طريقها، فإيران ستضطر إلى أن تقرر هل توافق على تنازلات حقيقية تُمكّن من إحراز صفقة تحد من برنامجها النووي كي تخفف عنها عبء العقوبات الشديدة، وستضطر الإدارة الأمريكية إلى أن تقرر هل توافق على تنازلات حقيقية في التفاوض مع إيران للتوصل إلى صفقة أو المبادرة إلى عمل عسكري، أمريكي أو إسرائيلي، على منشآت إيران النووية، أو الانتقال من سياسة منع السلاح النووي عن إيران إلى إستراتيجية احتواء إيران، التي تعني التسليم بوجود سلاح نووي بحوزتها، وستحتاج إسرائيل إلى أن تقرر هل تخرج في عمل عسكري إذا لم تجد طريقاً آخر لوقف إيران.

هل تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل التوصل إلى تفاهم بشأن صفقة مع إيران تشمل قيودا كبيرة على برنامجها النووي وتؤخر استكماله فترة طويلة؟ يجوز لنا أن نفترض أن الإدارة الأمريكية عالمة أيضاً بأن إيران لن تتخلى طوعا عن طموحها إلى إنتاج سلاح نووي، أو بناء قدرة على إنتاجه في فترة قصيرة على الأقل، وأنها قد تستمر في سياسة الخداع والإخفاء التي تميزها في المجال النووي. ويمكن مع هذا الافتراض أن يُصاغ تفاهم أساسي بين حكومتي الولايات المتحدة وإسرائيل يتعلق بالعلاج السياسي للبرنامج النووي الإيراني بغرض إبعاد إيران بضع سنوات على الأقل عن القدرة على الانطلاق نحو سلاح نووي. ويمكن أن يشمل هذا التفاهم من وجهة نظر إسرائيل عناصر مثل:

1- استمرار التزام أمريكا بمنع إيران من الحصول على السلاح النووي وعدم الانتقال إلى سياسة احتواء.

2- وصف مشترك لخطوط حمراء تتعلق بتقدم البرنامج النووي الإيراني وتفاهم على أن تدرس الولايات المتحدة عملا عسكريا إذا فشلت الدبلوماسية. ويجب أن يُبين هذا الوصف أيضاً ما الذي سيعتبر فشلاً للتفاوض مع إيران.

3- تحديد شروط أساسية لاتفاق مع إيران مثل، إخراج كل اليورانيوم المخصب بدرجة 20 % من إيران وإخراج أكثر اليورانيوم المخصب بدرجة أقل منها لمنعها من الانطلاق قدما نحو قنبلة نووية وتطويرها في فترة قصيرة، وإغلاق منشأة التخصيب في فوردو أو تجميد العمل فيها على الأقل. إن معنى هذه الشروط هو وقف الساعة النووية الإيرانية وإعادتها إلى الوراء بضع سنوات على الأقل.

4- زيادة الرقابة على المنشآت النووية في إيران بحسب "البروتوكول الإضافي".

5- عدم إلغاء أكثر العقوبات المؤلمة قبل أن يتم إحراز اتفاق مرضٍ مع إيران.

6- تشكيل أجهزة تنسيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل لصوغ إستراتيجية مشتركة في القضية النووية الإيرانية.

إن هذا التفاهم بين الولايات المتحدة وإسرائيل ممكن لأن الإدارة الأمريكية تقبل عددا من هذه الشروط على الأقل. لكن يجب أن نتذكر أن للدولتين توجهين مختلفين نحو الخيار الدبلوماسي مع إيران، فإسرائيل لا تؤمن باحتمالات التفاوض مع إيران، أما الولايات المتحدة فتعتقد أنه يوجد وقت كاف لتفحص هل ستكون العقوبات الثقيلة المفروضة عليها فعالة. وتريد الإدارة الأمريكية أن تستنفذ الخيار الدبلوماسي على الرغم من أن احتمالاته لا تبدو مرتفعة وذلك لسببين: فهو يؤخر العمل العسكري قدر المستطاع وربما يحرز نتائج مع كل ذلك، وإذا اضطرت الإدارة إلى مهاجمة إيران فمن المهم أن تكون لها شرعية لتفعل ذلك بعد أن استنفدت كل الإمكانات السياسية.

إن خوف الإدارة الأمريكية من نتائج عمل عسكري على إيران يفضي إلى استنتاج أنه ينبغي ألا نتجاهل إمكانية أن تُليّن موقفها آخر الأمر منها، بل أن تكون مستعدة على الرغم من تحفظ إسرائيل للتوصل معها إلى صفقة تظل فيها صدوع تُمكنها من التوصل إلى قدرة على إنتاج سلاح نووي. ويمكن أن يدلنا على هذه الحقيقة أن الإدارة الأمريكية ليّنت في 2012 2013 مواقفها في المحادثات مع إيران: فلم تطلب تعليق برنامج تخصيب اليورانيوم بل استعداداً مبدئياً للاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم بشروط ما، وفي حين أن تغلق المنشأة في فوردو تكتفي اليوم بحسب التقارير الإخبارية بتعليق التخصيب في هذه المنشأة، وبشروط مقيدة تجعل تجديدها بسرعة صعبة. وتقول هذه التقارير أيضاً أن الإدارة الأمريكية مستعدة أيضاً لأن تستطيع إيران الاستمرار في إنتاج كمية صغيرة من اليورانيوم المخصب بدرجة 20 في المائة والاحتفاظ بها، وليس واضحاً هل تطلب أن تُخرج منها أكثر اليورانيوم المخصب بدرجة تحت 20%.

قد يكون معنى هذه التنازلات أن الإدارة قد تكون مستعدة لصفقة حتى لو كانت فيها صدوع ولم تقبلها إسرائيل أيضاً إذا قدرت أنها ستمنع السلاح النووي عن إيران. ويبدو أن موافقة الإدارة على هذه الصفقة قد تنبع أيضاً من تقدير أنه إذا حاولت إيران استغلال صدوع فيها للتحرك نحو سلاح نووي فسيظل لديها الخيار العسكري لصدها عن ذلك.

ويبرز من هنا سؤال مركزي آخر، هل ستكون الإدارة الأمريكية مستعدة للهجوم على إيران أو هل تعطي إسرائيل "ضوءً اخضر" لتنفيذ هجوم كهذا؟ ذكر من قبل إن موقف الإدارة الأساسي باق على حاله وهو الجزم القاطع بأنها ستمنع إيران من الحصول على السلاح النووي وان الخيارات كلها مفتوحة لذلك، وفي مطلع 2013 كرر هذا الموقف الرئيس أوباما ومسؤولون كبار آخرون في الإدارة الأمريكية، نائب الرئيس ووزيرا الدفاع والخارجية الجديدان.

إن التزام الإدارة الأمريكية بإستراتيجية منع إيران من الحصول على السلاح النووي واضح لا لبس فيه، وسيصعب عليها أن تتراجع عنه دون أن تضر بالثقة بها ضرراً شديداً، لا في نظر إسرائيل فقط بل في نظر حلفائها الآخرين وفي نظر إيران أيضاً. ولهذا فمن المنطق أن نفترض أن تتمسك بسياسة المنع إلا إذا نشأت ظروف غير عادية تسوغ التراجع عنها. بيد أن الالتزام بإستراتيجية المنع ليس بالضرورة الالتزام بإجراء عسكري،  فمن الواضح أن الإدارة الأمريكية تفضل اليوم تنفيذ هذا الالتزام بواسطة عمل سياسي. وفي هذه الظروف تواجه إسرائيل سؤالا مزدوجا وهو، هل الإدارة الأمريكية مستعدة أو ستكون مستعدة في المستقبل بأن تلتزم بالهجوم على إيران إذا تم استنفاد الطريق السياسي؟ هل ستستطيع إسرائيل الاعتماد على الولايات المتحدة لتهاجم إيران إذا انتظرت هي نفسها إلى أن تفقد قدرتها على الهجوم هناك؟.

قد تؤثر عدة تقديرات في الإدارة الأمريكية حينما تتجه إلى بت أمر إجراء عسكري في إيران:

1- تذكر الإدارة أن الظروف الحالية لم تتهيأ بعد للهجوم على إيران، لكنها لا تُبين أي الظروف ستكون باعثاً على الهجوم. ومع ذلك فإن الأسباب التي تجعلها تتحفظ من عملية عسكرية وهي افتراض أنها ستؤخر البرنامج النووي الإيراني والخشية من تدهور عام في الشرق الأوسط ومن أزمة في سوق النفط ليست ظروفا ستزول في المستقبل القريب. ولذلك يبدو أن الإدارة لن تسارع إلى تنفيذ هجوم على إيران إلا إذا اقتنعت بأن تأثيرات الهجوم ستكون أقل شدة مما تُقدر اليوم.

2- ما دامت الإدارة الأمريكية تُقدر أن هناك احتمالا للتوصل إلى تسوية معقولة مع إيران فستمتنع عن عمل عسكري. ويوجد في هذا الافتراض مشكلة مضاعفة: الأولى انه سيكون من الصعب أن نحدد متى تُستنفد الإمكانات السياسية وتنعدم احتمالات الاتفاق لأنه يمكن أن يتم الزعم دائماً انه ينبغي انتظار نضج العقوبات الذي يتطلب زمناً أو انه ينبغي فرض عقوبات أخرى ولهذا فان الطريق الدبلوماسي لن يُستنفد بعد، والثانية أن الإدارة الأمريكية قد تستمر في تليين موقفها من إيران لإحراز تسوية معها بفرض أن تستطيع أن تواجه تسوية أقل حُسناً أيضاً.

3- لا يوجد اليوم تأييد دولي لعمل عسكري في إيران، وليس واضحا ما هو مبلغ التأييد الداخلي في الولايات المتحدة لهذا العمل، وستحتاج الإدارة الأمريكية للخروج في هجوم إلى إعداد الساحتين وإلى بناء أدنى قدر من التأييد لها. وستكون الإدارة معنية بإحراز شرعية من مجلس الأمن للهجوم، لكن لما كان من الصعب إحراز هذه الشرعية فقد تتخلى عنها سلفاً إذا استقر رأيها وحينما يستقر على الهجوم. ونخلص من هنا إلى "الخلاصة النهائية": إن الإدارة الأمريكية قد تزن عملاً عسكرياً في إيران حينما تخلص إلى استنتاج أن إيران تنطلق نحو سلاح نووي. وان احتمال عمل عسكري أمريكي قد يبرز في حالتين: إذا اتخذت إيران خطوة سافرة كتجربة نووية مثل كوريا الشمالية، وإذا تم إحراز اتفاق مع إيران ونكثت هذه بعناصر جوهرية منه.

إذا خلصت الإدارة الأمريكية إلى استنتاج انه لا مفر من عمل عسكري فمن المنطق أن الافتراض أن تفضل عملاً أمريكياً على عمل عسكري إسرائيلي. إن عملاً عسكرياً إسرائيليا سيُمكن الإدارة من أن تزعم أنها لم تشارك فيه وستجنب نفسها بذلك انتقاداً داخلياً ودولياً، بل قد تجعل إيران تضائل ردها على الولايات المتحدة وحليفاتها. لكن للعمل الإسرائيلي نقائص في نظر الولايات المتحدة لأن قدرات إسرائيل العسكرية كما قال بانيتا أقل من قدرات الولايات المتحدة ولهذا ستكون احتمالات نجاح وفاعلية عمل عسكري إسرائيلي أقل، وقدرة الردع الأمريكية لإيران تزيد على الردع الإسرائيلي ولهذا يوجد في عمل أمريكي احتمال أكبر لمضاءلة الرد الإيراني، وستريد الإدارة أن تسيطر على التطورات قدر المستطاع وألا تكون متعلقة بسلوك إسرائيل، وتستطيع أن تفرض أن ترى إيران الولايات المتحدة شريكاً لإسرائيل في سيناريو عمل عسكري إسرائيلي، وأكثر من ذلك منطقاً أن نفترض بحسب ذلك أنه إذا استقر رأي الإدارة على أن تهاجم إيران فستفضل ألا تُشرك إسرائيل في العملية باستثناء تعاون استخباري سري بطبيعته: لأن مشاركة إسرائيل لن تُسهم كثيرا من الجهة العملياتية وقد تزيد من النقد على الولايات المتحدة ولاسيما في العالم الإسلامي بادعاء مؤامرة أمريكية إسرائيلية مشتركة.

هل ستمنح الإدارة الأمريكية إسرائيل الموافقة على تنفيذ عمل عسكري مستقل في إيران؟ إن الجواب لا في هذه المرحلة وذلك قبل كل شيء لأن الإدارة ما زالت تتحفظ من عمل عسكري على نحو عام. ولن يتغير موقفها من الموافقة كما يبدو ما دامت تعارض مجرد الهجوم. فإذا وحينما يتغير موقفها من هذا الشأن وتخلص إلى استنتاج أن الهجوم حيوي فمن المنطق أكثر أن نفترض أن تُبلغ إسرائيل أنها تتولى علاج إيران عسكرياً.

وإذا بيّنت إسرائيل من جهة أخرى للإدارة أنها تنوي الهجوم على إيران فان الإمكان الأكثر منطقاً هو كما يتبين من موقفها المعلن أن تُبلغها أن تعمل كما ترى مناسباً وأن القرار المتعلق بأمنها هو من مسؤوليتها، لكن لا يعني ذلك أنها توافق على العملية.

وفي النهاية نقول هل إسرائيل قادرة على مهاجمة إيران بدون "ضوء اخضر" أو "ضوء اصفر"، من الولايات المتحدة؟ أو بعبارة أخرى هل يجب أن يبقى القرار في يد إسرائيل في شأن حيوي جدا لها حتى لو أضر بعلاقتها مع حليفتها الرئيسة، أم لا تستطيع إسرائيل أن تبيح لنفسها أن تعمل بخلاف موقف الإدارة الأمريكية من شأن مهم جداً لمصالحها؟ أن السيناريو الذي قد يُتقبل فيه هجوم إسرائيلي بلا موافقة أمريكية بتفهم من الولايات المتحدة هو أن يتم على أثر خطوة إيرانية تشهد على نية الانطلاق قدما نحو سلاح نووي، دون أن تفضي هذه الخطوة إلى هجوم أمريكي. وفي كل وضع آخر ستحتاج إسرائيل إلى "ضوء اخضر". وليس سبب ذلك فقط أن الهجوم بغير تفاهم مسبق مع الإدارة الأمريكية سيفضي إلى ضرر شديد بعلاقاتها بإسرائيل لأنه يوجد سبب لا يقل عن ذاك أهمية وهو استمرار علاج القضية النووية الإيرانية بعد العملية. إن عملا عسكريا في إيران لا يمكن أن يكون نهاية المسار بل بدايته. وستحتاج إسرائيل إلى مساعدة أمريكية مهمة كي تواجه نتائج العملية، وهي منع إيران من إعادة بناء المنشآت التي ستصاب، ومنعها من استغلال الهجوم للانطلاق قدما نحو سلاح نووي حينما تصبح مستعدة لذلك، وصد جهد إيران لإسقاط العقوبات عنها، ولمحاولة ردعها عن رد واسع على إسرائيل وأهداف أخرى في المنطقة، ولمساعدة إسرائيل على مواجهة الانتقاد الذي سيوجه إليها في الساحة الدولية، وربما لمواجهة محاولات فرض عقوبات عليها أيضا على أثر العملية، ولمنع ردود سلبية في العالم العربي على إسرائيل ولاسيما إذا هددت دول العالم العربي بالمس بالعلاقات السلمية بها، ومساعدة إسرائيل آخر الأمر على مواجهة فشل العملية إذا حدث.

اعلى الصفحة