المفاوضات بين ثوابت الأمن الإسرائيلية وتعدُّد المخاطر

السنة الثانية عشر ـ العدد141 ـ (شوال ـ ذو القعدة 1434  هـ ) أيلول ـ 2013 م)

بقلم: هيثم محمد أبو الغزلان

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

الانطلاق بالمفاوضات بين السلطة الفلسطينية والكيان الإسرائيلي، بعد جهود وجولات متكررة بذلها وزير الخارجية الأمريكية، جون كيري، إلى المنطقة، لا يُعتبر نجاحاً كاملاً، إذ أن "الشيطان يكمن في التفاصيل". وما وصلت إليه المفاوضات السابقة ستصطدم به المفاوضات الحالية. فالقضايا الكبرى محل الخلاف، هي ذاتها: المياه، والأمن، والحدود، والقدس، واللاجئون.. وفوق ذلك كله المُطالبة الإسرائيلية بالاعتراف بإسرائيل دولة يهودية.

واعتبر باراك ربيد في مقالة له في (هآرتس، 12/8/2013) أنه "لم يتغير الكثير في مسيرة السلام الإسرائيلية الفلسطينية منذ اشتغل بها المبعوث الأمريكي مارتن انديك، إذ كان مسؤولاً رفيع المستوى في إدارة كلينتون في تسعينيات القرن الماضي. فقد كانت موضوعات التباحث متشابهة وبقيت الفروق عميقة كما كانت، بل بقي أكثر اللاعبين في الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني في الملعب. لكن في 2013 يوجد "تويتر" بخلاف ما كان في تلك السنوات".

ويورد ربيد كلاماً يدلل فيه على تصرفات رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو نقلاً عن  مسؤول إسرائيلي كبير مقرب من نتنياهو والعاملين معه أن نتنياهو لم يجتز النهر إلى الآن. فقد دخل الماء من جهة وبدأ يسير إلى الضفة الثانية، لكنه ينظر كل بضع ثوان إلى الوراء ومع كل خطوة إلى الأمام يدع التيار يُرجعه ثلاث خطوات إلى الخلف.

على سبيل المثال توصل نتنياهو إلى تفاهمات مع الأمريكيين على بناء 1200 وحدة سكنية جديدة فقط في الكتل الاستيطانية وفي القدس في أثناء التفاوض. لكن تم فجأة الدفع قدماً بخطة أخرى لبناء مئات الوحدات السكنية في مستوطنات متفرقة. وأجاز نتنياهو قراراً في الحكومة بالإفراج عن 104 معتقلين فلسطينيين ثم خشي الانتقاد وأعلن بخلاف ما تم الاتفاق عليه أنه سيطلب أن يتم إبعاد عدد من المعتقلين إلى غزة أو إلى الخارج.

هذا الكلام يعيدنا إلى السياسة التي اتبعها نتنياهو على مدى أشهر طويلة سعى خلالها إلى التأكيد على صدقه في استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين، مع شرطه المعروف أن تكون "دون شروط مسبقة"، مع محاولاته المتكررة لإظهار رئيس السلطة الفلسطينية بأنه من يرفض استئناف المفاوضات بوضعه "شروطاً" لذلك.

وهكذا ظهر بعد مخاضات سياسية عسيرة أن لاصطلاح "شروط مسبقة" توجد له تفسيرات متنوعة، فمثلاً وافقت إسرائيل على تحرير 104 سجناء فلسطينيين، بينهم "مواطنون إسرائيليون"، مقابل "إبطاء" البناء خلف "الخط الأخضر". وكنتيجة لذلك سحب عباس مطالبته في أن تُدار المفاوضات بداية على الحدود، ووافق على مطلب نتنياهو للبحث في كل المواضيع الجوهرية. كما امتنع عباس عن مطالبة إسرائيل بالتعهد بعدم البناء في المناطق في فترة المفاوضات، وهكذا أزاح عائقاً آخر طرحه نتنياهو كي يمنع المفاوضات حتى قبل أن تبدأ"(المصدر: هآرتس).

وتضيف الصحيفة ذاتها: "غير أن تفسير نتنياهو بعيد الأثر لاصطلاح "من دون شروط مسبقة" يمدد حدود قدرة فهم الفلسطينيين. فالعجلة في إصدار إقرار خطط البناء لمئات وحدات السكن في المناطق، والإعلان عن تسويق وحدات سكن جديدة في شرق القدس وخلف "الخط الأخضر" ليس نتيجة لحاجة فورية لإسكان معوزي السكن. فهذه تبدو كتطلع لتنفيذ إحباط مركز لبدء المفاوضات بعد أن فشلت كل باقي مساعي المنع. هذه الخطوات، التي سبق أن أدت إلى توبيخ أمريكي فظ، تبدّد الضباب الذي حاول نتنياهو أن يلف به نواياه الحقيقية وتعرض إسرائيل بأنها الرافضة الوحيدة لكل مسيرة سياسية"(المصدر: هآرتس).

فرض الوقائع على الأرض

ويبدو أن اللعبة السياسية التي ينفذها نتنياهو وحكومته تتلخص بفرض الوقائع الاستيطانية على الأرض بحيث تصل الأمور إلى ما يريدون لها أن تصل إليه: "عدم وجود شيء يمكن التفاوض عليه". هذا الأمر نفسه ـ أي الاستيطان ـ، هو ما تتفهمه الإدارة الأمريكية، وهذا ما يؤكد عليه نداف شرغاي في مقال له في (إسرائيل اليوم 12/8/2013)، بقوله: " ستوجد هذه المرة تنديدات رسمية، لكن الأمريكيين من وراء الستار يتفهمون الحاجة الإسرائيلية إلى معادلة القرار الذي لا يقبله العقل وهو الإفراج عن المخربين القتلة مقابل تجديد المحادثات". ويضيف شرغاي: "..في المستقبل حينما سنبني في القدس سنحتاج إلى أن نخاصم العالم ومعاناة عقوبات وتنديدات وأن نصبح غير ذوي شعبية، لكن من أجل القدس والتي هي المُجسّدة الأبرز لهويتنا وذاكرتنا الدينية القومية والتاريخية يُحسّن ذلك".

ما تقدم من مسألة استئناف المفاوضات بين الجانبين يطرح تساؤلاً: كم سيستمر هذا التفاوض من الوقت؟ وهل سيستمر أصلاً؟! ويجيب على ذلك، زلمان شوفال في مقالة نشرها في (إسرائيل اليوم) "لا توجد حتى الآن علامة على أن الفلسطينيين سيتخلون عن نية إفساد كل تقدم يوجب عليهم مصالحات في الموضوعات المركزية.

ويكرر محللون مختلفون في البلاد وفي الخارج إلى حد الإتعاب شعار "كل عناصر السلام أصبحت معروفة" بحسب "مخطط كلينتون" وما شابه، وبقيت فقط ارادة القرار، لكن الحقيقة تخالف ذلك".

فهناك القضايا الخلافية كثيرة والدخول في تفاصيلها يعني أن الأمور ستتعقد كما تعقدت في السابق، وإن وجدت بعض الحلول فإن معظمها لن يكون عملياً لاعتبارات عديدة. فمسألة الحدود وهي من أعقد الأمور وأخطرها بالنسبة لإسرائيل وأمنها ـ كما تدعي ـ، سيجري التفاوض بشأنها، وسيكون هذا التفاوض معقداً، ولن يكون على حدود الرابع من حزيران 1967، كما تريد السلطة، ولكن سيكون على خلاف ذلك وهذا ما أكد عليه الرئيس الأمريكي باراك أوباما في مؤتمر "إيباك" في 2011، من أن التفاوض بين الإسرائيليين والفلسطينيين يجب أن يكون على حدود تختلف عن تلك التي كانت في الرابع من حزيران 1967.

ويقول زلمان شوفال "ليس فقط أن نقطة المرجع لرسم الحدود ليست "الخط الأخضر" (بل إن التفاوض سيضطر إلى أن يحدد أيضاً القواعد لحرية عمل إسرائيل الأمنية داخل أراضي السلطة الفلسطينية (ويشمل ذلك وجوداً دائماً للجيش الإسرائيلي على خط الأردن)". ويضيف شوفال إن "حقيقة أن قضيتي الحدود والأمن مرتبطتان بعضهما ببعض كانت أمام ناظر إدارة جورج دبليو بوش حينما اقترحت في خريطة الطريق، أن تنشأ في المرحلة الأولى "دولة فلسطينية في حدود مؤقتة" فقط، لكن هذا التعريف أيضاً لم يعد ذا صلة وينبغي أن يتم تبني بدلاً منه مبدأ "سيادة مشروطة" أو "تدريجية" لأن السيادة الكاملة ستُمكّن الكيان الفلسطيني من التحلل من كل التزاماته السابقة".

ويذهب شوفال إلى أبعد من ذلك ليدلِّل على أن هذه الحقائق قد كانت معلومة جيداً لصاغة القرار 242 في مجلس الأمن (ولهذا عارضوا انسحاب إسرائيل إلى خطوط  1967) ـ بحسب تعبيره ـ، كما كانت معلومة للرئيس رونالد ريغان الذي قال جازماً إنه لا ينبغي أن يُطلب إلى إسرائيل أن تعود إلى خطوط فصل القوات الخطيرة السابقة (أو للرئيس جورج دبليو بوش الذي أثار فكرة "الكتل الاستيطانية" لا بسبب "التغييرات السكانية" فقط منذ 1967، بل وفي الأساس لأجل حاجات إسرائيل الأمنية).

ويعتبر اليساري شاؤول اريئيلي في مقالة له في صحيفة "هآرتس" أن "تبادل الأراضي" هو حل غير ممكن من جهة عملية. فلا يمكن لإسرائيل الصغيرة من جهة عملية أن تتبرع من أرضها للفلسطينيين خصوصاً إذا لم تكن تريد أن "تضر بنسيج حياة أكثر من 20 بلدة في داخلها وأن تضر بطبيعتها الزراعية والجماهيرية". وهذا بالطبع سبب واحد من الأسباب، في حين توجد أسباب أخرى على الصعيد الإستراتيجي وفي مجالات أخرى. حينما يكون كل شيء "مفهوماً وبسيطاً جداً" يجب أن نثير أحياناً أسئلة مقلقة وغير مريحة. وقد يمكن بهذا أن نتعرف على عوائق وأن نحاول الالتفاف عليها والتقدم في الطريق ولو بقدر محدود نحو حلول ممكنة، بحسب ما يطرح زلمان شوفال.

يأتي هذا الطرح في وقت أشارت فيه صحيفة "إسرائيل اليوم" إلى أنه "في يوم 1 تموز/يوليو، بلغ عدد السكان الإسرائيليين اليهود في الضفة الغربية (يهودا والسامرة) 367 ألفاً. في النصف الأول من عام 2013، أضيف قرابة 7700 ساكن جديد. ويمثل هذا العدد، مثلما هو مشار، زيادة نسبتها 2.12% في السكان في فترة ستة أشهر". وهذا الاستيطان بما في ذلك في القدس الشرقية المحتلّة قد تعاظم حجمه ووتيرته؛ بهدف تهويد أكبر مساحة من أراضي الضفّة الغربية المحتلّة تصل إلى 60% منها تمهيداً لضمّها لإسرائيل.

لقد بلغ عدد المستوطنات في الضفّة الغربيّة المحتلّة 144 مستوطنةً رسميّة، منها ستّ عشرة في مدينة القدس، إضافة إلى أكثر من مئةِ بؤرةٍ استيطانيّةٍ غير رسميّة منتشرة في مختلف أنحاء الضفّة الغربيّة وفي قلب الأحياء العربيّة في القدس، ليبلغ عدد المستوطنين في منتصف عام 2012 أكثر من 550 ألف نسمة، منهم 200 ألف نسمة في القدس الشرقيّة التي ضمّتها إسرائيل في عام 1967.(المصدر: مركز دراسات الجزيرة، الموجة الاستيطانيّة الجديدة في الضفّة الغربيّة)

ويُلاحظ أنّ بناء الوحدات السكنيّة الاستيطانيّة يجري في أنحاء الضفة الغربيّة المختلفة، ويشمل ذلك:

1) الكتل الاستيطانيّة الرئيسة التي هي في حالة توسّع وتمدّد دائمين.

2) البناء المكثّف في الأراضي غرب جدار الفصل التي يجري ضمّها عمليّاً إلى إسرائيل وتزيد مساحتها عن 9% من مساحة الضفة الغربية.

3) المستوطنات المنعزلة شرق الجدار الفاصل والتي حصلت على نسبة 35% من مجموع عدد الوحدات السكنيّة الاستيطانيّة في عام 2011.

4) البؤر الاستيطانيّة غير الشرعيّة في القانون الإسرائيليّ والمنتشرة في أنحاء الضفة الغربيّة المختلفة.(المصدر السابق)

وثيقة الإنذار الرئيسية الأولى لمعهد رئوت

 أصدر معهد رئوت في العام 2005 وثيقة مهمة تناولت "الإشارة إلى الفرق بين التوجهات والأحداث الجارية وبين الفرضيات الأساسية والعملية لصانعي القرار في الحكومة الإسرائيلية".

وكشفت الوثيقة التي دعيت بـ"المفاجأة الرئيسية" الأسس التي تقوم عليها فرضيات حكومة إسرائيل في التعامل مع الفلسطينيين، وتشير إلى التوجهات الجديدة وتقترح أساليب تفكير وعمل لسد هذه الفجوة. واعتبر المعهد في الوثيقة أن جوهر الإنذار يتمثل بـ:

- يعيش الفلسطينيون والإسرائيليون حالة انقلاب في المواقف فيما يتعلق باحتمالات إقامة دولة فلسطينية: ففي الماضي كان الفلسطينيون يطالبون بدولة حتى ولو ضمن حدود زمنية مؤقتة، وكانت إسرائيل تعارض. أما الآن فإن:

أ‌- الفلسطينيون يعترضون على إقامة دولة مؤقتة، بينما تصر إسرائيل على تطبيق خارطة الطريق، حيث تدعو المرحلة الثانية من خارطة الطريق لإقامة دولة فلسطينية بحدود مؤقتة.

ب‌- في الجانب الفلسطيني تزداد الأصوات المعارضة لإقامة دولة على مبدأ "دولتين لشعبين" وتقدم حلاً قائماً على العداء "ليهودية" إسرائيل. (وثيقة إنذار رئيسية لمعهد رئوت:، انقلاب في المواقف تجاه الدولة الفلسطينية، ترجمة: مركز خدمة المتابعات الصحفية، تشرين الثاني 2005)

وجهة النظر السائدة:

- تقوم وجهة النظر الرئيسية لدى حكومة إسرائيل على فرضية أن تطوير الوضع السياسي للسلطة الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية يشكل رغبة ومصلحة فورية. ففي الماضي:

أ‌- طالب الفلسطينيون بإقامة دولة فلسطينية حتى ولو ضمن حدود مؤقتة.

ب‌- عارضت إسرائيل منح أية ملامح سيادية للسلطة الفلسطينية وهددت بمنع تطوير وضعها السياسي لمستوى دولة حتى ولو أدى ذلك لاستخدام القوة.

ت‌- حددت الاتفاقات الموقعة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية وضع السلطة الفلسطينية باعتبارها "كياناً سياسياً" وليس دولة.(المصدر السابق)

الواقع يتغير:

يحدث الآن عملياً تغير في هذه الرؤية إلى الحد الذي يقوّض وجهات النظر هذه ويجعلها غير ذات بال وغير واردة، ويتمثل التغيّر بالتالي:

- رفض فكرة الدولة ذات الحدود المؤقتة وتآكل الموقف من خارطة الطريق: تُعتبر إقامة دولة ذات حدود مؤقتة العمود الفقري لخارطة الطريق، ولكن القيادة الفلسطينية الحالية معنية بالدولة ذات الحدود المؤقتة فقط باعتباره جزءاً من ترتيب شامل يتعلق بالوضع الدائم.

- تآكل وضع مبدأ "دولتين لشعبين"- كان مبدأ دولتين لشعبين من أسس العملية السياسية منذ أوائل سنوات التسعينيات (وكذلك في أساس قرار التقسيم وقرارات الأمم المتحدة 242 و 338). وقد تعرّض هذا المبدأ للتآكل سواء على يد الفلسطينيين وغير الفلسطينيين الذين "يرفضون يهودية إسرائيل" من خلال طرح مبدأ دولة واحدة لكل مواطنيها. وينعكس هذا الرأي في كل من:

- ممارسة "الإرهاب" ضد إسرائيل والإسرائيليين عند مفاصل مركزية من المفاوضات.

- "الأفق المتباعد"- رفع سقف المطالب من حل دولتين: حيث تقوم مجموعات تقبل بمبدأ دولتين لشعبين، بطرح مطالب غير ممكنة من وجهة نظر إسرائيلية أثناء المفاوضات.

- الادعاء بأن حل "دولتين" غير قادر على البقاء: حيث تقوم هذه المجموعات باستغلال الوضع الذي ظهر في المنطقة للادعاء بأن الطرح الوحيد القابل للتنفيذ هو الدولة الواحدة.

- الاجتماعات من أجل نزع شرعية إسرائيل إزاء احتمالات حدوث تقدم سياسي كبير: حيث تقوم المجموعات التي ترفض مجرد فكرة يهودية إسرائيل، بجهود كبيرة لمعارضة ترسيخ مبدأ "دولتين لشعبين" الذي يعتبر وسيلة لتثبيت حق الشعب اليهودي في تقرير مصيره.(المصدر السابق)

الدولة اليهودية و"التعايش المؤقت"

وبناءً على ما تقدم، لا يمكن فصل ذلك عن فكرة الدولة اليهودية التي يسعى القادة الإسرائيليون لتكريسها وتعميقها. فمنذ (16/7/2003)، اتخذ الكنيست الإسرائيلي بناء لمشروع قرار قدمه أعضاء كتلة الليكود؛ وتمَّ تشريعه بعد التصويت عليه، قراراً يتركز حول ضرورة تعميق فكرة "يهودية الدولة" وتعميمها على دول العالم، ومحاولة انتزاع موقف فلسطيني بجانب القرار المذكور، وتضّمن القرار إشارات إلى أن الضفة الغربية وقطاع غزة ليستا منطقتين محتلتين، لا من الناحية التاريخية، ولا من ناحية القانون الدولي، ولا بموجب الاتفاقيات التي وقعتها "إسرائيل".

وبات مصطلح "يهودية الدولة" يمثل في الآونة الأخيرة جوهر الغايات الأسمى والأهداف الكبرى لـ "إسرائيل"، وتحولت مقولة "الدولة اليهودية" بصورة غير مسبوقة ولا معهودة إلى القاسم المشترك بين مختلف التيارات والكتل والأحزاب والاتجاهات السياسية والاجتماعية والثقافية في إسرائيل.

والأخطر الذي يسعى له البعض هو ما طرحه الباحث في "مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي"، "ناثان جي براون"، عن التعايش المؤقت، إذا عجز الإسرائيليون والفلسطينيون عن التوصل إلى ترتيبات دائمة مقبولة من الطرفين لأجل العيش إما منفصلين وإما سويا، عبر اتفاق يُمكّنهم من العيش معاً على أساس يومي. فبدلاً من التفاوض في شأن اتفاقية لحل جميع خلافاتهم، بإمكان الإسرائيليين والفلسطينيين التوصل إلى نوع من الترتيبات الهادفة إلى تجنب النزاع المباشر والعنف. وبدلاً من تحقيق المصالحة التاريخية، يمكن أن يكون الهدف إقامة استقرار أشبه ما يكون باستقرار الحرب الباردة.

وهذا يتلاقى مع ما نشره معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، في تقرير إستراتيجي مطلع شهر كانون أول 2010، تحت عنوان: "الأمن أولاً.. الأولويات الأمريكية في صنع السلام الإسرائيلي الفلسطيني"، لكاتبه "مونتجمري ميجس"، الأستاذ المتخصص في العمليات الإستراتيجية والعسكرية ببرنامج الدراسات الأمنية، بمعهد "إدموند والش" للخدمة الخارجية بجامعة "جورج تاون" الأمريكية. وينطلق من فكرة أساسية مفادها: أن السلام في الأراضي الفلسطينية سوف يتحقق في حالة واحدة فقط؛ عندما يستطيع الفلسطينيون تحمُّل مسؤولياتهم الأمنية الكاملة، ويكون لدى إسرائيل الثقة التامة في قدرتهم على القيام بهذه المهمة، وأن الاعتقاد السائد بأن قضايا اللاجئين ووضع القدس وحدود الدولة الفلسطينية باعتبارها العقبات الرئيسية أمام التوصل إلى اتفاق سلام بين الجانبين هو أمر خاطئ، أو على الأقل غير كامل. فتثبيت الأمن على المدى الطويل هو العامل الحاسم في التوصل لحل لهذا الصراع، فالأمن فقط هو القادر على إعادة الثقة بين الجانبين.

ويضيف التقرير "لكن الخلاف بين الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي، يتمحور حول تحديد معاني ودلالات مفهوم الأمن، فالإسرائيليون يرون أن الأمن يعني قيام السلطة الفلسطينية بكل الجهود لمنع "الهجمات الإرهابية" ضدها، واعتقال كل المشتبهين فيهم وعقد المحاكمات لهؤلاء، وضرب معاقل "الإرهاب"، ومنع كافة أشكال الدعم من الوصول لهم، أما بالنسبة للفلسطينيين فيعني الأمن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي؛ لأن قوات الأمن الفلسطينية لن تتمكن من القضاء على "الإرهاب" إلا إذا كانت هناك دولة فلسطينية قائمة".

مركزية الأمن

وهذا يقودنا إلى أن مركزية الأمن بالنسبة لإسرائيل يجعلها تضعه في أعلى أولوياتها؛ فعلى الرغم من توقيع إسرائيل لاتفاقياتٍ مع دول عربية، منها مصر فقد ورد مفهوم الأمن والترتيبات الأمنية عدداً قياسياً من المرات في معاهدة "السلام" المصرية - الإسرائيلية. وعلى مسارات التفاوض التي بدأت في مدريد، وضعت إسرائيل قضية الأمن (أمنها) على طاولة المفاوضات بقوة. وفي عهد حكومة الليكود في الفترة 1996 ـ 1999، حددت إسرائيل شرطها الرئيسي للسلام بتحقيق أمنها المطلق. وفي عهد حكومة أيهود باراك، الذي فاز على سلفه بنيامين نتنياهو في انتخابات أيار/ مايو  1999المبكرة تحت شعار (إسرائيل واحدة)، تمت صياغة المفهوم الأمني بـ(الأمن والسلام) بدلاً من (الأمن أساس السلام)، ويجري تفسير الشعار (الأمن والسلام) بـ(السلام الآمن). ويمكن القول إن المبرر الأساسي لنشأة الدولة الإسرائيلية هو تحقيق الأمن والأمان لليهود.

وهذا بالضبط ما أشار إليه موشيه آرنس، في مقالة له في صحيفة (هآرتس 13/8/2013)، عن التفاوض وخطر التوصل لاتفاقية مع الفلسطينيين لأن إحراز اتفاق نتاج هذا التفاوض سيجعل إسرائيل تسيطر على مساحة أرض أقل. وستعود لتنطوي في حدود كانت تحيط بها قبل أن تهاجَم في حرب الأيام الستة. وقد قال آبا ايبان عن حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967: "إن خريطة حزيران هي بالنسبة إلينا تساوي الخطر وعدم الأمن.. ولست أبالغ بقولي إن فيها ما يُذكرنا بأوشفيتس".

ويضيف آرنس "من الواضح أن تسيبي ليفني التي أرسلها بنيامين نتنياهو للمفاوضة في مستقبلنا لا تشارك آبا إيبان في رؤيته الإستراتيجية. وقد تكون مؤمنة بالسخافات التي تقول إن "الأرض ليست مهمة" في عصر الصواريخ. لكن الأرض أهم اليوم مما كانت في الماضي. فهناك خطر في اقتراب صواريخ صغيرة قصيرة المدى يصعب الكشف عنها وتدميرها، من مراكزنا السكنية. وفيما يتعلق بالصواريخ الكبيرة ذات المدى البعيد أيضاً فإن تضييق مساحة الأرض خطأ أيضا".

ويستنتج أرنس أن اقتطاع 6 آلاف كم مربع أخرى من المناطق التي تحتلها إسرائيل، وتسليم الضفة الغربية إلى أيدٍ لا يمكن الاعتماد عليها، سيُقرّب الصواريخ من تل أبيب. وسيُعرض مستقبل إسرائيل نفسها للخطر.

في الختام، لا بد من الإشارة إلى أن هذه المفاوضات، ـ كما يقول ماجد كيالي ـ، تأتي في ظروف ومعطيات دولية وإقليمية وعربية غير مواتية البتة بالنسبة للفلسطينيين، وفي ظل انحسار مكانة القضية الفلسطينية في سلم الاهتمامات العربية والدولية، مع انشغال العالم العربي "بثوراته"، وبالتحولات والاضطرابات السياسية الجارية فيه، وانشغال الفاعلين الدوليين بتداعيات هذه "الثورات"، وبالأزمات والأولويات الاقتصادية والأمنية التي تواجهها بلدانهم. وأيضاً تأتي في ظل حال الضياع الفلسطيني، وفي ظل واقع الاختلاف والانقسام في النظام السياسي الفلسطيني، وتهميش منظمة التحرير، وغياب كل أشكال المقاومة في مواجهة الاحتلال والاستيطان. وبعد الذي تقدم ألا يحق لنا التساؤل: هل الإسرائيليون يفاوضون أنفسهم، أم لا؟!.

اعلى الصفحة