النقاش العلني في قضية مواجهة المشروع النووي الإيراني

السنة الثانية عشر ـ العدد140 ـ ( رمضان ـ شوال 1434  هـ ) آب ـ 2013 م)

 ترجمة وإعداد: حسن سليمان

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

ترجمات

معهد أبحاث الأمن القومي  - يهودا بن مئير

ازدادت خلال العام 2012 حدة النقاش العلني في احتمال عملية عسكرية إسرائيلية مستقلة موجهة على منشآت إيران النووية. وبلغ النقاش قدراً شكّل سابقة في تاريخ دولة إسرائيل. فخلال سنوات وجود إسرائيل الـ 64 خرجت أكثر من مرة لحروب وبادرت إلى عدد غير قليل من العمليات العسكرية كان بعضها على قدر كبير من المخاطرة.

وحدث بمجموعة من تلك الحروب والعمليات جدل شديد قبل أن يتم اتخاذ القرار حول سؤال هل ينبغي حقاً الخروج لعملية؟. وكان يستمر السجال أحياناً أسابيع بل شهوراً كثيرة في بعض الحالات. لكن السجال في كل تلك الحالات تم بين مجموعة صغيرة من الشخصيات الكبيرة في المستوى السياسي والعسكري الأمني، مع الحفاظ على سرية مطلقة أو إعلان عام ضعيف  في أفضل الأحوال.

في مقابل ذلك وفي كل ما يتعلق بالقضية النووية الإيرانية أصبح العكس هو الصحيح. وفي هذه الحال يجري في جميع وسائل الإعلام سجال عام معلن شديد بلا قيود ولا ضوابط يتعلق بجوانب المواجهة الإسرائيلية للتحدي. ويشارك في السجال عدد من قادة الدولة منهم رئيس الوزراء ووزير الدفاع، ممن يدعون "متخذي القرارات"، وشاغلو مناصب رفيعة في الماضي أيضاً في المؤسسة الأمنية الاستخبارية الإسرائيلية. ويشارك فيه أيضاً محللون من مجالات مختلفة ومثقفون، من بينهم أدباء وأساتذة جامعات، وكثيرون آخرون. وقد بلغ السجال العام مستويات وأنغاما لم يسبق لها مثيل تقريبا يشبه السجال في مستقبل المناطق التي احتلت في حرب الأيام الستة ومسألة حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

سنصور في هذه المقالة تطور النقاش العام في إسرائيل المتعلق باحتمال هجوم إسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية وتأثيره في الرأي العام في إسرائيل. وسنحاول كذلك أن نُبين بماذا تختلف هذه القضية الأمنية العملياتية والسياسية عن كل سابقاتها بحيث أثارت جدلاً عاماً عاصفاً جداً.

نقاش علني في إسرائيل في قضايا أمنية

كان للنقاشات التي تمت في إسرائيل في الأشهر التي سبقت عملية كديش في سنة 1956 (عملية عسكرية إسرائيلية في شبه جزيرة سيناء, تم تنفيذها في تشرين الأول عام 1956) أو السجالات التي تعلقت بعملية خطط لها في لبنان ("اورانيم غدول" أو "اورانيم كتان")، التي تمت قبل نشوب حرب لبنان في 1982، صدى ضعيف فقط في الخطاب العام الإعلامي. ولم يكن يوجد انعكاس علني للنقاشات التي سبقت الهجوم على المفاعل النووي "اوزيراك" في العراق في حزيران 1981، أو الهجوم على المفاعل النووي في دير الزور في سوريا في أيلول 2007، الذي هاجمته إسرائيل وفقا لمصادر أجنبية.

تواجد المفاعل النووي قرب بغداد كان معروفاً للعالم، وإسرائيل قدمت احتجاجاً قوياً أمام حكومة فرنسا على موافقتها على إنشاء المفاعل النووي في العراق وأوضحت أنه يهدد أمنها، وتم نشر رسالة الاحتجاج على الملأ. واستمر الصراع الدبلوماسي الإعلامي مقابل فرنسا، وايطاليا بعد ذلك التي وافقت على بيع العراق قطع منشأة طرد، استمر عدة سنوات، وشاركت الولايات المتحدة أيضاً في جهود منع تنفيذ الصفقة. وإلى ذلك كان هناك أنباء تم نشرها أعطت إشارة خفية إلى أن إسرائيل استعملت عمليات اعتراض في دول مختلفة من أجل إعاقة إنشاء المفاعل النووي والتشويش على الجهود العراقية لاستعماله. وفي مقابل ذلك تم في إسرائيل سجال حاد تجاوز المؤسسة الأمنية والسياسية في كل ما يتعلق باحتمال هجوم إسرائيلي. واستمر السجال مدة ثمانية أشهر إلى عشرة أشهر، وقدم هذا الموضوع لنقاش أولي في المجلس الوزاري المصغر الأمني قبل تنفيذ الهجوم بسنة تقريباً، واتخذت جلسة الحكومة قراراً أول يؤيده بأكثر الأصوات قبل سبعة أشهر من تنفيذه بالفعل. وفي تلك الأثناء هدد نائب رئيس الوزراء بالاستقالة، وكانت خطوة أدت إلى تأجيل الهجوم في حين تمسك رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية ورئيس الموساد ونائب وزير الدفاع بمعارضتهم. وفي الشهر الذي سبق الهجوم اتُخذ قرارا آخر بأكثر الأصوات (ستة في مقابل ثلاثة) في المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية. وتم تأجيل الهجوم نفسه ثلاث مرات في اللحظة الأخيرة. بل عارض رئيس المعارضة هو أيضاً الهجوم بشدة وتوجه خطياً إلى رئيس الوزراء طالبا الامتناع عن هجوم عسكري.

وعلى الرغم من كل ذلك لم يذكر احتمال هجوم إسرائيلي على المفاعل النووي العراقي في وسائل الإعلام الإسرائيلية، فقد تم السجال بعيداً عن أعين الجمهور ولذلك فوجئ الجمهور في إسرائيل حينما عُلم أمر الهجوم وتدمير المفاعل النووي كما فوجئوا في العراق بالهجوم.

خلافاً لحالة المفاعل النووي "أوزيراك"، أُخفي أمر وجود مفاعل نووي في سوريا عن الجمهور الإسرائيلي تماماً كما أُخفي عن علم الجمهور في سوريا أيضاً. ووفقاً لما قالته مصادر أجنبية تم نقاش أيضاً يتعلق باحتمال هجوم على المفاعل النووي السوري، فقد صاحب الهجوم على المفاعل النووي في سوريا خطر لا يستهان به هو خطر الانزلاق إلى حرب شاملة بين إسرائيل وسوريا. وبحسب أنباء نشرت بعد ذلك عارض وزير الدفاع لفترة طويلة توقيت الهجوم وأيد تأجيله لكن الأنباء لم تُسرب وبقي الهجوم وكل ما يتعلق به سر دولة محفوظاً.

نقاش علني في إسرائيل حول المسألة النووية الإيرانية

تجاوز التطور التقني والاتصال الذي كان في العالم منذ كانت الفترة التي هوجم فيها المفاعل النووي في العراق، حدود السرية. وفي أعقاب ذلك تضاءلت أيضاً قدرة متخذي القرارات على الحفاظ وقتاً طويلاً على سرية النقاش في قضايا عظيمة الأهمية. والى ذلك فإن للقضية النووية الإيرانية خصائص مميزة يمكن أن تفسر جزئياً على الأقل صورة وعمق النقاش العام الذي نشأ بشأنها.

إن إمكان أن يستكمل البرنامج النووي الإيراني ويمنح إيران قدرة نووية عسكرية هو تهديد إقليمي وعالمي. ويؤيد النظام الإيراني مع ذلك وسائل معادية للسامية تشتمل على إنكار المحرقة. وتصدر عن متحدثيه على الدوام تصريحات معادية لإسرائيل ومعادية لليهود لم يصدر مثلها قط عن دولة كبيرة قوية منذ حرب الأيام الستة.

يظهر النظام الإيراني تصميماً على إتمام البرنامج النووي. وشهدت على ذلك تقارير الوكالة الدولية للطاقة النووية التي تنشر من وقت لآخر. ويستمر هذا التقدم أيضاً مقابل ضغوط سياسية واقتصادية ضخمة. منذ بدأ العقد الأول من القرن الواحد والعشرين أصبحت دول غربية مشغولة بمحاولة تشكيل جبهة ناجعة لوقف البرنامج. وقد اتخذت في مجلس الأمن خمسة قرارات تعلقت بعقوبات اقتصادية على إيران من أشد ما عرف المجتمع الدولي اعتماداً على الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وعلى الرغم من وجود أدلة على أزمة اقتصادية بدأت تنشأ في إيران لم تنجح العقوبات إلى الآن في وقف تقدم إيران إلى النووي.

خلافاً لحالة المفاعل النووي في العراق وفي سوريا تم بحث احتمال هجوم عسكري على منشآت إيران النووية علناً بين قادة دول ومع تغطية إعلامية مفصلة في إسرائيل وفي الولايات المتحدة وفي المجتمع الدولي أيضاً. وكانت قضية الخيار العسكري نقطة اختلاف في الرأي بين الدول ذات المصلحة المشتركة في وقف البرنامج النووي الإيراني. وأخذ يتسع الانشغال العلني بهذه القضية وشمل ذلك تقديرات تتعلق برد محتمل على محاولة عرقلة على البرنامج بوسائل عسكرية، من قبل إيران ومن قبل حلفائها في الشرق الأوسط أيضاً.

وتوجد أسباب أخرى مهمة تجعل النقاش العلني في القضية الإيرانية مميزاً. وإن وصف تطور النقاش في هذه القضية منذ 2010 قد يسلط الضوء على هذه الأسباب وعلى الاتجاه الذي قد تتطور إليه.

إن النقاش العلني لم ينشأ في فراغ وهناك مسألة مركزية لم يُقدم جواب مقنع عليها فهل هي في أساسها نتاج استعداد معارضي الهجوم العسكري للتعبير علناً تعبيراً شديداً دائماً عن موقفهم أو أن أصلها النقاش القاطع المؤكد مرة بعد أخرى للمواقف المعلنة لقادة الدولة وفي مقدمتهم رئيس الوزراء نتنياهو ووزير الدفاع باراك (قبل تعيين يعلون مكانه) بشأن ضرورة الهجوم واستعدادهما للأمر بهذه العملية. ومعلوم أن الحديث عن حراك يشبه "مسألة البيضة والدجاجة". فقد كان التأثير متبادلا لأن تعبير جانب من الجانبين زاد في استعداد الجانب الثاني لتشديد تصريحاته وأسلوبه.

لم يُخف رؤساء وزارات سابقون في إسرائيل تخوفهم الشديد من برنامج إيران النووي لكنهم لم يضعوا القضية على رأس جدول أعمالهم وقللوا من الحديث في هذا الشأن. أما بنيامين نتنياهو في مقابل ذلك فقال إن هذا الشأن يجب أن يكون على رأس جدول أعمال دولة إسرائيل وعرّف التهديد بأنه وجودي حتى قبل أن يُنتخب رئيساً للوزراء في نهاية آذار 2009. بل إن نتنياهو شبه الفترة الحالية بسنة 1938، وهي آخر وقت كان يمكن العالم فيه ربما، أن يوقف هتلر ويمنع المحرقة بذلك. قُبيل يوم ذكرى المحرقة والبطولة في 2012 خصص نتنياهو كل خطبته تقريباً للقضية الإيرانية، وجادل أولئك الذين يُقللون من خطر التهديد جدلاً شديداً. وأكد الواجب عليه باعتباره رئيساً للوزراء أن يُجنب الشعب اليهودي خطر محرقة أخرى ولم يترك شكاً كبيراً في استعداده للعمل.

انضم أيهود باراك خلال سنة 2012 إلى جبهة تأييد الهجوم على إيران، وتقاربت تصريحاته بهذا الشأن وازدادت تطرفاً، وبدا أنه متفق تماماً مع رئيس الوزراء بخلاف موقفه من قضايا سياسية أمنية أخرى. بل إن باراك طور مصطلح "مجال الحصانة" للإيرانيين، وهو عامل كان يفترض أن يشير إلى الإلحاح لعملية عسكرية إسرائيلية. وتحدث نتنياهو وباراك في المؤتمر السنوي لمعهد بحوث الأمن القومي في تل أبيب والذي عقد في نهاية أيار 2012 عن التهديد الإيراني بأسلوبين متشابهين تقريباً. وحظي كلامهما بصدى عام كبير في إسرائيل وفي الخارج، وأكد رئيس الوزراء أن إسرائيل يحق لها أن تستعمل الوسائل الضرورية لضمان بقائها وأنه سيقوم بذلك. وأوضح باراك لماذا يجب على إسرائيل أن تدرس بكامل الجدية الخيار العسكري مع تأكيد أن السيف موضوع على عنق إسرائيل وأن الوقت أخذ بالنفاذ سريعاً خلافاً للموقف الأمريكي. إن اتخاذ تلك الشخصيات الأساسية في مجال الأمن موقفاً حازماً جداً أضاء مصابيح حمراء عند معارضي هجوم إسرائيلي على منشآت إيران النووية، في إسرائيل ومن خارجها. وانتفض قادة جهاز الأمن الأمريكي، كوزير الدفاع ورئيس هيئة القوات المشتركة. وعبّروا علناً عن رأيهم الحاسم من النتائج الشديدة التي تشبه كوارث يوم القيامة تقريباً والتي قد يسببها هجوم إسرائيلي، وفي قدرات إسرائيل المحدودة على إيقاف البرنامج النووي العسكري الإيراني على الأمد البعيد. وكان تأثير هذه التصريحات كزيت على نار النقاش العام.

ومع ذلك ليس واضحاً هل عبّر كلام رئيس الوزراء ووزير الدفاع الحاسم عن استعداد حقيقي للقيام بهجوم إسرائيلي مستقل على منشآت إيران النووية أو كان هدفهما الرئيسي الضغط على المجتمع الدولي وحثه على أن يلتزم بعمل فعال لمواجهة برنامج إيران النووي. ولا يوجد جواب قاطع عن هذا السؤال، إلى أنه ربما حصل خلط بين التوجهات والأهداف. لكن توجد حقيقتان لا يمكن السجال فيهما. الأولى وهي صحيحة إلى وقت كتابة هذه الأسطر وهي أن إسرائيل لم تهاجم المنشآت النووية في إيران. والثانية هي أنه إذا كان الهدف حث المجتمع الدولي على عمل حاسم فإن هذا الهدف لن يتم إحرازه.

يبدو أنه يمكن الربط بين اشتداد السجال العام واشتداد تصريحات القادة الإسرائيليين وإعلاناتهم. لكن بدء تسجيل السجال القوي في هذه القضية قبل ذلك. فقد سُجل تحول في يوم الجمعة 6 أيار 2011، في ذلك اليوم حضر رئيس الموساد السابق مائير دغان إلى الجامعة العبرية في القدس وعرّف إمكان أن يعمل سلاح الجو الإسرائيلي لضرب المشروع النووي الإيراني بقوله، "هذا أشد ما سمعت غباءً". ولم يُخف دغان موقفه الرافض رفضاً باتاً لهجوم إسرائيلي على إيران وأوضح تقديره أن سلاح الجو الإسرائيلي غير قادر على تنفيذ المهمة حتى النهاية. وأضاف دغان أن معنى الهجوم من وجهة نظره حرب مع إيران قد تستمر شهوراً كثيرة ستسقط فيها صواريخ في إسرائيل وأنه سيشارك في هذه المعركة حزب الله وحماس وربما سوريا أيضاً. وأصاب كلام دغان الذي قيل بعد نصف سنة من إنهاء عمله رئيساً للموساد والذي تولاه ثماني سنوات، أصاب الجمهور في إسرائيل بالدهشة. واعترض دغان على موقف نتنياهو وفُسر كلامه بأنه تحدٍ معلن له بل كان يمكن أن يُرى تعبيراً عن عدم الثقة بقدرة رئيس الوزراء على الحكم والتقدير. وعبر كلام دغان، الذي اعتُبر واحداً من أفضل رؤساء الموساد، عن عداوة على قواعد مقبولة. وعلى أثره انحلت عقد ألسنة آخرين وأُعطيت إشارة بدء جدل عام شديد صائب أقوى مما كان ذات مرة. وكرر دغان الكلام نفسه بتعبيرات مختلفة بعد ذلك أيضاً، فقد زعم دغان في 19 كانون الأول 2011 في إطار "مائدة مستديرة" شارك فيها قادة الأجهزة الأمنية السابقين، أن الخيار العسكري يجب أن يظل على الطاولة حقاً لكن ينبغي استعماله فقط "حينما تبلغ الأمور أقصاها". وقال أيضاً إننا لا نخرج للحرب إلا حينما يوضع سيف قاطع على أعناقنا. وفي مقابلة صحفية مع برنامج "ستون دقيقة" لشبكة "سي. بي. أس" في 9 آذار 2012، دعا دغان مرة أخرى إلى عدم الاستعجال بعملية عسكرية ضد إيران. وزعم في تلك المقابلة الصحفية أيضاً أنه يمكن انتظار ثلاث سنوات أخرى قبل شن هجوم عسكري لأنه سيكون للرد الإيراني على الهجوم "تأثير مدمر في قدرتنا على الاستمرار في حياتنا اليومية". وستجد إسرائيل نفسها بعده "في وضع شديد الحرج لوقت غير قصير".

عزز كلام دغان تقديرات كانت تنشر بين الحين والآخر في وسائل الإعلام الإسرائيلية على ألسنة مسؤولين كبار في المؤسسة الأمنية تقول إن "القادة الثلاثة" في المستوى المختص، الأمني الإسرائيلي وهم رئيس هيئة الأركان ورئيس الموساد ورئيس "الشباك"، يعارضون هجوماً إسرائيلياً على إيران. وفي السابع والعشرين من نيسان 2012 خرج رئيس "الشباك" السابق يوفال ديسكن بهجوم شخصي شديد لم يسبق له مثيل على رئيس الوزراء ووزير الدفاع. وأظهر أنه لا ثقة له بهما مطلقاً وادعى أنهما يخلقان وهماً بشأن إيران ويتخذان قرارات عن "مشاعر مسيحانية" (خلاصية) وهما غير أهلين لقيادة إسرائيل ولا لقيادة حرب مع إيران بيقين. وذكر ديسكن أن هجوماً إسرائيلياً لن يمنع إيران من امتلاك قنبلة نووية خلافاً لرأي رئيس الوزراء ووزير الدفاع بل إنه سيُعجل السباق النووي الإيراني. وإن أسلوب ديسكن الحاد والشخصي وحقيقة أن القضية الإيرانية لم تكن موضوعاً مركزياً في مجال عنايته باعتباره رئيساً "للشباك" خففا تأثير كلامه بقدر ما ومع ذلك عبر كلامه عن زيادة قوة السجال العام. وفي آب 2012 تكلم رئيس هيئة الأركان السابق أيضاً الفريق أمنون شاحاك معترضاً على هجوم مستعجل قبل استنفاد جميع الخيارات. وأكد شاحاك انه لا يجوز العمل قبل الانتخابات في الولايات المتحدة (تشرين الثاني 2012).

ونذكر أن ليس جميع مسؤولي المؤسسة الأمنية الكبار السابقين تكلموا بهذا الأسلوب. فقد قلل رئيس هيئة الأركان السابق الفريق (احتياط) غابي اشكنازي من تناول هذا الشأن فقط بعبارات عامة. أما رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق اللواء عاموس يدلين فبيّن علناً في مرات كثيرة عن موقفه وهو أنه في الاختيار بين القنبلة والهجوم يجب اختيار الهجوم لأن السلاح الإيراني مع إيران هو تهديد لا يحتمل لدولة إسرائيل. وأكد يدلين مع ذلك أنه يوجد إمكانية ثالثة أيضاً وأنه توجد عدة شروط ضرورية لعملية عسكرية إسرائيلية منها إنشاء شرعية دولية للعملية، وضمان عمل دولي مستمر وناجع لمنع تجديد برنامج إيران النووي العسكري.

ازداد السجال العام سخونة في الأشهر بين تموز ـ أيلول 2012. فقد عبرت وسائل الإعلام الإسرائيلية والأمريكية آنذاك عن شعور بأن نتنياهو وباراك يدرسان بجدية هجوماً عسكرياً إسرائيلياً مستقلاً، قبل انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة. بل زعم معارضو رئيس الوزراء من السياسيين أن تقديراته تشتمل على رغبة في التدخل في انتخابات الولايات المتحدة لصالح صديقه القديم المرشح الجمهوري ميت رومني.

وعزز هذا الشعور في أعقاب "القطار الجوي" لزيارات مسؤولين كبار في الإدارة الأمريكية لإسرائيل فُسرت بأنها جزء من جهد لإقناع متخذي القرارات بالامتناع عن هجوم.

وفي العاشر من آب خصص صحفيون أساسيون في إسرائيل تقارير إخبارية واسعة لقضية الهجوم على إيران. فقد جاء في صحيفة "هآرتس" مقابلة مع من عُرف بأنه "متخذ القرارات"، في حين كان من الواضح أن الحديث يدور عن وزير الدفاع أيهود باراك وحذر باراك كما اقتُبس في ذلك اللقاء الصحفي من الحياة في ظل قنبلة نووية إيرانية ومن اعتماد على عملية أمريكية وان إسرائيل لن تكون كما كانت من قبل إذا امتلكت إيران قدرة نووية عسكرية. وظهر في ذلك العدد مقالة ذات أسلوب شديد اتُهم فيها رئيس الوزراء ووزير الدفاع بأنهما يحرضانه على الحرب بخلاف رأي واشنطن بل يُعرضان ديمونة، أي القدرة النووية المنسوبة لإسرائيل، للخطر. وظهر في صحيفة "يديعوت احرونوت" تقرير فيه تقدير أن رئيس الوزراء ووزير الدفاع يريدان هجوماً إسرائيلياً قبل الانتخابات في الولايات المتحدة في حين يعبر كبار قادة الجيش الإسرائيلي الاستخبارات عن معارضة لا هوادة فيها لعمل عسكري إسرائيلي. ونشر في صحيفة "معاريف" استطلاع للرأي العام فحص عن مواقف الجمهور في إسرائيل من القضية النووية الإيرانية. ونشر في نفس اليوم كذلك في الصفحة الأولى من صحيفة "هآرتس" إعلان عنوانه "علم اسود"، وقع عليه خمسة أساتذة جامعات وفائزون بجائزة إسرائيل وشخصيات في الحياة العامة. وورد في الإعلان أن الأمر بالهجوم على إيران سيكون غير قانوني على نحو سافر ولا يجوز تنفيذه، وأن الخروج لحرب في الظروف الحالية، "هو رهان فاسد" قد "يُعرض وجود إسرائيل للخطر". وقال الموقعون إنه "يرتفع فوق الخروج لحرب في هذه الظروف أكثر الأعلام سواداً". ودُعي طيارو سلاح الجو في إعلان آخر إلى رفض الأمر العسكري بالخروج للهجوم على إيران.

وسُجلت ذروة السجال العام في 15 من آب 2012 حينما التزم رئيس الدولة شمعون بيرس بخلاف المعتاد في مقابلة صحفية، لأخبار القناة الثانية، التزم بموقف لا لبس فيه من السجال. فقد قال الرئيس بصراحة أن إسرائيل يجب ألا تعمل وحدها في مواجهة المشروع النووي الإيراني ورفض في واقع الأمر الخيار العسكري الإسرائيلي بقوله "من الواضح لنا أننا لا نستطيع أن نفعل هذا وحدنا". وعبر بيريس عن ثقة بجدية نوايا رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما بمنع إيران من الحصول على سلاح نووي. إن وقوف رئيس الدولة على هذا النحو القاطع بجانب معارضي العمل العسكري كان نقطة تحول في السجال المستمر. فإذا تجاوزنا كون شمعون بيرس في السنوات الأخيرة  الشخص الأكثر شعبية في إسرائيل فإنه يعتبر الثقة الأول في كل ما يتعلق بالشأن النووي. وكانت الشهادة على الخوف من تأثير كلام الرئيس في الرأي العام الانتقاد السافر الذي انتقده به متحدثون من ديوان رئيس الوزراء ومن الليكود بعد بث المقابلة الصحفية معه فوراً. وزاد رئيس الوزراء الإسرائيلي من حدة مضمون تصريحاته وأسلوبها، ففي أواخر آب وأيلول، أثار نتنياهو في سلسلة لقاءات صحفية أجراها في إسرائيل وفي الولايات المتحدة طلبه من المجتمع الدولي ومن الولايات المتحدة خاصة ومن رئيسها أوباما رسم خطوط حمراء لإيران إذا تم تجاوزها فإنها ستستهدف بهجوم عسكري.  من جانبه رفض الرئيس الأمريكي أوباما بشدة هذا الطلب وأكد انه ليست له نية رسم خطوط حمراء سوى القول الصريح إن الولايات المتحدة ستمنع إيران من الحصول على سلاح نووي. وهكذا نشأت مواجهة معلنة بين إسرائيل والولايات المتحدة. وأُثير ظن أن رئيس الوزراء رأى أن زيادة حدة السجال العام والانتقاد عليه فرصة ليشدد تصريحاته هو أيضاً وذلك لزيادة الضغط على المجتمع الدولي وعلى الولايات المتحدة أولا. وينبغي أن نذكر في هذا السياق انه طرأ تغيير ما على أسلوب وزير الدفاع عبر عنه بـ"خفض النغمة" وجعل تصريحاته معتدلة ولاسيما بعد زيارته للولايات المتحدة. وأثير الظن أن اعتدال باراك لم يعبر عن تغيير جوهري أو أساسي في موقفه بل كان رغبة في تبريد المواجهة الإسرائيلية الأمريكية ومنع تحول قضية الهجوم على إيران إلى موضوع مركزي في معركة الانتخابات الأمريكية. لكن في السابع والعشرين من أيلول خطب نتنياهو في الجمعية العمومية للأمم المتحدة خطبة أزالت التوتر الذي صاحب السجال العام في هذا الشأن. وكان سبب ذلك قول نتنياهو إن "لحظة الحقيقة" بالنسبة لإسرائيل هي ربيع 2013 أو صيفها. وتبين من كلامه أن إسرائيل لا تنوي أن تهاجم في الوقت القريب وقبل الانتخابات الأمريكية  بيقين.

النقاش المعلن والرأي العام

يصعب أن نشير إلى تأثير مباشر قاطع للنقاش العام في الرأي العام في إسرائيل، لكن لا شك في أن السجال كان تعبيراً عن حيرة شديدة، يمكن أن نقول إن الجمهور في إسرائيل ولاسيما الجمهور اليهودي منقسم بشأن عملية عسكرية إسرائيلية مستقلة على منشآت إيران النووية. وعُرض في إطار مشروع "الأمن القومي والرأي العام"، الذي يجري في معهد بحوث الأمن القومي، في أيار حزيران 2009 السؤال التالي على عينة ممثلة للسكان اليهود البالغين، "إذا تبين لإسرائيل أن إيران تملك سلاحاً نووياً فهل يجب على إسرائيل:

1- أن تعمل بجميع الوسائل السياسية لتجرد إيران من سلاحها النووي، لكن مع الامتناع عن هجوم عسكري؟!.

2- أم تهاجم منشآت إيران النووية؟!.

واختار 59% من المستطلعة آراؤهم الإمكانية الثانية أي أنهم أيدوا هجوماً عسكرياً وذلك في مقابلة 41% من المستطلعة آراؤهم فضلوا الإمكانية الأولى أي عارضوا هجوماً عسكرياً.

 وفي شباط آذار 2012 في إطار المشروع نفسه عُرض السؤال بصيغة مختلفة وأكثر دقة، "كيف يجب في رأيك أن تعمل إسرائيل في مواجهة خطر أن تطور إيران سلاحاً نووياً:

1- هل تعمل بجميع الوسائل السياسية على منع إيران من إحراز سلاح نووي لكن مع الامتناع عن هجوم عسكري.

2- أم تهاجم منشآت إيران النووية.

 واختار 52% من المستطلعة آراؤهم الإمكانية الأولى أي أنهم عارضوا هجوماً عسكرياً، واختار 48% من المستطلعة آراؤهم الإمكانية الثانية أي أنهم أيدوا الهجوم على منشآت إيران النووية.

وأشارت هذه المعطيات إلى انخفاض كبير بنسبة 11% في تأييد عمل عسكري، وينبغي أن ننظر إليها بحذر بسبب المدة التي مرت بين الاستطلاعين ففي سنة 2009 لم تكن عملية عسكرية إسرائيلية تظهر بناها موضوعة على جدول الأعمال فوراً ولهذا بدا السؤال عن ذلك افتراضيا. وفي 2012 أصبح إمكان الهجوم على إيران يُرى أكثر واقعية. ولم تكن الأسئلة التي سئلت في هذا الشأن أيضاً متشابهة الصياغة. ومع ذلك حظيت هذه النتيجة التي شهدت بأن الرأي العام منقسم بشأن الهجوم العسكري بتصديق معطيات استطلاعات رأي كثيرة تمت في خلال سنة 2012.

لماذا يوجد إحجام ملحوظ لأكثر من نصف السكان في إسرائيل عن عملية عسكرية إسرائيلية في إيران؟، يمكن أن نشير إلى سببين للتحفظ، الأول معارضة المستوى الأمني الأعلى المختص للهجوم كما عبر النقاش المعلن عن ذلك. والثاني العلم بالمعارضة الأمريكية الشديدة للهجوم والطموح إلى الامتناع عن مواجهة مع الولايات المتحدة في قضية أمنية جوهرية جداً وحيوية لإسرائيل.

 وأشارت معطيات استطلاع للرأي قام به المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في مطلع آب 2012 في إطار مشروع مقياس السلام إلى ثقة أكبر بتقدير قادة المؤسسة الأمنية للأمور، فقد كان هناك 57% من المستطلعة آراؤهم، في مقابل 28% من المستطلعة آراؤهم، قالوا إنهم أكثر اعتماداً على تقدير رئيس الوزراء ووزير الدفاع للأمور. واعتقد 61% من المستطلعة آراؤهم أنه لا يجب على إسرائيل أن تهاجم المنشآت النووية في إيران من غير تعاون مع أمريكا. ويبدو أن هذا الموقف يعبر عن تقدير أن احتمالات نجاح هجوم إسرائيلي بغير مشاركة الولايات المتحدة في وقف تسلح إيران بالسلاح النووي مدة طويلة، أن هذه الاحتمالات ضئيلة (54% من المستطلعة آراؤهم)، وقال 76% من المستطلعة آراؤهم أن احتمالات نجاح الهجوم ستكون عالية إذا تم بتعاون مع الولايات المتحدة. وهناك معطى مثير للاهتمام ومفاجئ  وهو أن 60 % من المستطلعة آراؤهم من الجمهور اليهودي اعتقدوا أن إسرائيل يجب أن تسلم بعدم إمكانية منع إيران من الحصول على السلاح النووي وأن عليها أن تستعد وفق ذلك.

وعززت معطيات استطلاع الرأي التي نشرت في "معاريف" في 10 آب 2012 هذه الاستنتاجات. فقد قال 40% من المستطلعة آراؤهم إنهم يعتمدون على تقدير رئيس الوزراء ووزير الدفاع للأمور في الشأن الإيراني، في مقابلة 27% لم يعتمدوا على ذلك، و23% أجابوا بـ "بين بينَ". وقال 44% انه لن يكون "شرعيا من الجهة العامة" أن يقرر المستوى السياسي الهجوم على إيران مقابل معارضة المستوى الأمني المختص في إسرائيل للهجوم. وقال 33% فقط أن هذا القرار سيكون مشروعاً، ولم يعرف 23% كيف يجيبون أو لم يجيبوا. وفيما يتعلق بالإحجام عن هجوم إسرائيلي، المستطلعة آراؤهم سُئلوا هل يجب على إسرائيل حينما يقترب الموعد الأخير الذي تستطيع فيه إسرائيل أن تضر ضرراً شديداً بالبرنامج الإيراني بقواها الذاتية، هل يجب عليها أن تهاجم بنفسها أم "تترك العمل للولايات المتحدة والمجتمع الدولي". وعبر 35% عن تأييد هجوم إسرائيلي في هذه الحال، في مقابلة 39% أيدوا ترك المهمة للولايات المتحدة والمجتمع الدولي. ولم يعرف 26% كيف يجيبون أو لم يجيبوا. ووجدت نتائج مشابهة لسؤال اشتمل على احتمال صريح لأن يفضي هجوم إسرائيلي إلى إطلاق صواريخ كثيف على الجبهة الداخلية والى مئات القتلى.

الخلاصة

ما هي جهة تطور النقاش العام المعلن في إسرائيل في قضية مواجهة المشروع النووي الإيراني. ان الخفي في هذا الشأن أكثر من الجلي. وقد انتخب الرئيس براك أوباما لمدة ولاية ثانية وهو أمر يشير إلى احتمال عال للاستمرار في سياسة الإدارة الأمريكية الخارجية في السنوات القريبة ولاسيما في الشأن الإيراني. وهذا مكان مناسب لنذكر أن أوباما التزم علناً بأن توجه سياسته لمنع إيران من إحراز قدرة نووية عسكرية وان الاحتواء ليس في برنامج العمل العام. لكنه ليس من الواضح هل سيتم تجديد التفاوض بين دول الخمس + 1 وبين إيران وماذا ستكون نتائجه، وستكون طبيعة النقاش العام في إسرائيل ووجهته في الفترة القادمة ذوي علاقة بالتطورات ذات الصلة في الساحتين الإقليمية والدولية. فإذا لم تعد عملية عسكرية إسرائيلية لسبب ما إلى جدول العمل العام فسيبقى النقاش في سبات نسبي. وفي مقابلة ذلك إذا صُورت عملية إسرائيلية على أنها إمكان عملي فسيرتفع  النقاش مرة أخرى. وستجعل طبيعة النقاش ومضامينه العاملين اللذين يلاحظ تأثيرهما في الرأي العام يعبران عن مواقفهما، أعني موقف الولايات المتحدة من الهجوم على إيران، وموقف المستوى الأمني الأعلى المختص في إسرائيل.

اعلى الصفحة