الطريقة الأمريكية لتصفية القضية الفلسطينية
"المفاوضات العبثية أنموذجاً"

السنة الثانية عشر ـ العدد139 ـ (شعبان ـ رمضان 1434  هـ ) تموز ـ 2013 م)

بقلم: عدنان أبو ناصر

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

في ظل الانحياز الأمريكي المطلق للكيان الصهيوني الذي يعبر عنه مختلف المسؤولين في إدارة واشنطن, وفي ظل الشروط الإسرائيلية التي تعلنها حكومات الكيان المتعاقبة على الملأ: "لا عودة إلى حدود 67، لا تفاوض على القدس، لا لعودة اللاجئين، لا لوقف الاستيطان، وضرورة اعتراف الفلسطينيين بـ يهودية الدولة".

في ظل كل ذلك يصر وزير الخارجية الأمريكي الجديد جون كيري أن يزور المنطقة للمرة الثالثة خلال شهرين فقط ضمن محاولات أمريكية حثيثة لاستئناف مسيرة التسوية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي؛ ولا جديد نهائياً، وبحسب الصحف الإسرائيلية فإن الوزير الأمريكي يسعى إلى حمل الأطراف إلى لقاء رباعي في العاصمة الأردنية عمان.

جون كيري نفسه ليست لديه أية مقترحات أو أفكار سوى الحديث عن خطوات إظهار حسن النوايا وبناء الثقة والاستماع للأطراف، والواضح أن كيري رغم الحماس الظاهري الذي يبديه في جلب الأطراف للتفاوض غير قادر على إحداث أي تغيير في الموقف الإسرائيلي، ليس فقط في المواقف السياسية؛ بل حتى في المواضيع الإنسانية والحياتية أو ما يسميها الأمريكان "مبادرات حسن النوايا" مثل الإفراج عن الأسرى المضربين عن الطعام أو المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية من قبل توقيع اتفاقية أوسلو.

فعندما يذهب كيري للقاء وزراء الحكومة الإسرائيلية يعود خالي الوفاض ليجلس مع الفلسطينيين وليس لديه شيء سوى نقل التعنت الإسرائيلي على أمل أن تعود السلطة الفلسطينية بصفتها الطرف الأضعف للمفاوضات بالمجان.

من الصعب جداً على رئيس السلطة محمود عباس الاستجابة المجانية للضغط الأمريكي، فهو يعرف أن الشعب الفلسطيني بات واعياً لمدى التضليل والخديعة التي يمارسها نتنياهو ومارسها مختلف رؤساء الحكومات المتعاقبة في الكيان الصهيوني، وواعياً أيضاً لدوافع التحرك الأمريكي في هذا الظرف الحساس الذي تمر به المنطقة بأكملها.

فإذا كانت الأمور بهذا الشكل لماذا تصر الإدارة الأمريكية الجديدة على استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية؟.  وإذا كانت أمريكا بكل ما لديها من أوراق عاجزة عن إحداث أي اختراق ولو حتى إنساني، فكيف للمفاوض الفلسطيني الفاقد لكل أوراق القوة من أمل من حكومة هي الأكثر تطرفاً في تاريخ الكيان الصهيوني؟.

ما هي الأهداف الحقيقية التي تسعى واشنطن إلى تحقيقها من وراء هذا التحرك؟. الم تكن السنوات العشرين الماضية من المفاوضات العبثية كافية للحكم على فشل وعقم هذا الطريق المسدود؟.

عودة إلى الوراء

تؤكد التقارير الواردة من واشنطن أنه لا جديد في الموقف الأمريكي إن لم يكن عودة  للوراء عن مواقف سابقة، فالتحرك الأمريكي يأتي في ذات النهج المعروف عن الأمريكان: الحفاظ على قواعد اللعبة القديمة والمعروفة؛ أي إعطاء العملية القديمة عمراً جديداً يضاف لعمر عشرين سنة مضت من العبث والأوهام؛ بما يمنح كسباً إضافياً للمشروع الصهيوني ليكمل مهامه في تهويد الأرض وفرض حقائق جديدة، ويعيق التوجهات الفلسطينية للبحث عن مرجعيات لمواجهة الاحتلال مثل التوجه للمؤسسات الدولية، الأمم المتحدة، والاشتباك الدبلوماسي والقانوني مع الاحتلال، وتوفر للأمريكي- وهذا هو الأهم- فرصة معالجة ملفات هامة في المنطقة، وضرب المشروع المقاوم والرافض للهيمنة الصهيونية_ الأمريكية على مقدرات المنطقة ودولها.

ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في جولة كيري الأخيرة والتي بدأها من تركيا، في المؤتمر الصحفي الذي عقده مع وزير الخارجية التركي داود أوغلو حيث قال "نود أن نرى العلاقة الإسرائيلية- التركية التي هي مهمة للاستقرار في الشرق الأوسط، ولعملية السلام، وقد استعادت وضعها كاملاً".

وكما ظهر جلياً في زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما الأخيرة إلى فلسطين المحتلة؛ والتي أبدى فيها أنه أكثر حرصاً على سلامة وأمن وبقاء "إسرائيل" أكثر من حرص قادة الحركة الصهيونية أنفسهم، وتبين أن الهدف من تحرك إدارة أوباما في ولايتها الثانية بعدما أدارت ظهرها على مدار الثلاث سنوات للسلطة الفلسطينية؛ بل عمدت إلى معاقبتها وتسببت في أزمتها المالية، تبين أن متغيرات واعتبارات هامة في المنطقة دفعت بـ"أوباما" وإدارته للتحرك في محاولة لتحسين وضع وفرص "إسرائيل" الإقليمية. وذلك كجزء من إعادة ترتيب أوراق المنطقة بما يضمن المصالح الأمريكية، وبما يؤدي إلى إدخال ودمج "إسرائيل" في المشهد الذي تحاول أمريكا وحلفائها تشكيله.

فإعطاء فرص جديدة في البحث عن السلام وفق الطريقة الأمريكية عمراً مديداً يساعد أمريكا في ترتيب الأوراق بشأن استمرار الهيمنة على المنطقة ونهب ثرواتها، وصولاً إلى ترويض حركات المقاومة الفلسطينية؛ بما يتوافق مع الحلول الإقليمية، والى هذا نجد الجهد الأمريكي في تسريع عودة العلاقات بين إسرائيل وتركيا، بعد ذلك ستهمل واشنطن الشأن الفلسطيني مرة أخرى، وحينها يكون الفلسطينيون أكثر ضعفاً وأكثر قبولاً للانكسار أمام الضغط المالي والسياسي على أمل الاستسلام الكامل للمطالب الإسرائيلية.

وعلى الرغم من تفاقم الأزمة المالية التي تشهدها الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن الإدارة الأمريكية الجديدة أزالت المخاوف الإسرائيلية التي كانت قد أعربت عنها إزاء المساس بالمساعدات الأمريكية الأمنية لا سيما دعم منظومة القبة الحديدية.

ووفقاً لما ذكرته القناة العاشرة صباح يوم الخميس 11 / 04 / 2013 فإن الإدارة الأمريكية قررت تعزيز مساعدتها الأمنية لإسرائيل خاصة فيما يتعلق الأمر بمنظومة القبة الحديدية، مشيرة إلى أن أوباما قد أوفى بوعوده الحفاظ على تفوق "إسرائيل" الاستراتيجي، وأن أوباما قرر عدم السماح بالمساس في دعم "إسرائيل" فحسب بل وسيزيد هذا الدعم.

وبحسب ميزانية الولايات المتحدة المقترحة فإنها قد عززت الدعم الأمني العسكري والذي من المتوقع أن تدعم "إسرائيل" وتسلمها ما يقارب 3.2 مليار دولار لاحتياجاتها الأمنية، وفي إطار المقترح المقدم للكونغرس فإنه إضافة لهذا المبلغ المقدم لعشرة سنوات قادمة فإن هناك اقتراحاً آخر أن تشمل الميزانية 220 مليون دولار من أجل تمويل منظومة القبة الحديدية، لافتاً إلى أن هذا العرض لم يكن في العام الماضي.

الجدير بالذكر أنه وخلال شهر آذار الماضي كان هناك ثمة خشية وقلق في الأوساط الإسرائيلية من إمكانية التقليص في المساعدة الأمنية الأمريكية بعد أزمة الديون التي ظهرت في الآونة الأخيرة بين الحزب الديمقراطي والجمهوري.

إلى ذلك اعتبر محللون فلسطينيون أن المقاربة الدبلوماسية التي بدأها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري تشكل نوعاً من المفاوضات غير المباشرة إلا أنها تبقى غير مضمونة النتائج دون خطوات جادة ينتظرها الفلسطينيون من قبل "إسرائيل". 

وكان كيري أعلن مساء الاثنين 8 إبريل 2013 بأنه يعمل في إطار "إستراتيجية بعيدة عن الأضواء" لتحريك عملية التسوية في الشرق الأوسط، ورأى أن السلام "ممكن" بين "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية.

وقال الثلاثاء 9 إبريل 2013 قبيل مغادرته مطار بن غوريون في ختام زيارته لـ"إسرائيل" وأراضي السلطة الفلسطينية "إن الأهم هو إطلاق عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين بشكل صحيح بدلاً من إطلاقها بسرعة".

فجولة كيري الأخيرة عبارة عن مفاوضات غير مباشرة ولكنها لن تحدث اختراقا كبيرا. قد تدل أنه ربما بدأ هو وطاقمه ببلورة اقتراحات محددة في موضوعي الأمن والحدود من خلال مفاوضات غير مباشرة بين الجانبين دون الإعلان عنها". ويمكن أن تستغرق هذه المفاوضات غير المباشرة "شهرين يلزم خلالهما الجانب الفلسطيني بوقف أي تحرك باتجاه منظمات الأمم المتحدة ووكالاتها لمنح كيري فرصة كاملة للنجاح في مهمته.

وكانت واشنطن حذرت مسبقا من أن كيري لا يحمل أي خطة سلام وقالت المتحدثة باسم الخارجية فيكتوريا نولاند إن كيري يرغب في "الاستماع" إلى الطرفين لكي "يرى ما يمكن" القيام به لاستئناف المفاوضات المجمدة منذ أيلول/سبتمبر 2010.

على الرغم من ذلك كله فقد أعرب مصدر إسرائيلي رسمي, عن معارضة إسرائيل لاقتراح وزير الخارجية الأمريكي جون كيري استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين على أساس البحث في قضيتي الحدود والأمن فقط.

ونقلت صحيفة "هآرتس"، في موقعها على الشبكة، يوم الخميس 11 إبريل 2013، عن هذا المصدر تشكيكه في احتمالات نجاح الجهود التي يبذلها الوزير كيري لاستئناف المسيرة السياسية مشيراً إلى عدم تقدير صحيح في الخارجية الأمريكية لعمق الخلاف بين الطرفين. وأشار المصدر أن إسرائيل تسعى  إلى إدراج  جميع القضايا الجوهرية ولخاصة مسالة الاعتراف بـ"إسرائيل" كدولة يهودية وقضية اللاجئين.

وكان كيري بدأ بمعالجة الموضوع الإسرائيلي الفلسطيني بحماسة شديدة وهو يمارس ضغطا شديدا على الطرفين لتنفيذ خطوات لبناء الثقة والموافقة على صيغة لاستئناف المفاوضات. ومع ذلك، بعد زيارة كيري الثانية إلى المنطقة يبدو أن وزير الخارجية الأمريكي لم يُقدر بشكل سليم عمق الجمود في المسيرة السلمية والمواقف المتصلبة للطرفين. وهذا ما قصده كيري حين قال مع مغادرته إسرائيل إن له وللطرفين الكثير من الفروض البيتية للقيام بها.

وكان كيري أوضح في أثناء محادثاته في إسرائيل ومع السلطة الفلسطينية بأنه إذا ما استؤنفت المفاوضات بين الطرفين، فإنه يتعين عليها أن تعنى في المرحلة الأولى في البحث في احتياجات إسرائيل الأمنية، بالتوازي مع البحث في حدود الدولة الفلسطينية المستقبلية. كما طلب كيري من إسرائيل تنفيذ سلسلة من خطوات بناء الثقة تجاه الفلسطينيين كتحرير سجناء، نقل سلاح لأجهزة الأمن الفلسطينية وغيرها، وذلك من اجل خلق أجواء مناسبة لاستئناف المحادثات.

وأشار المصدر الإسرائيلي إلى انه في المحادثات مع كيري أعربت إسرائيل عن معارضتها لهذه الصيغة. وقال انه "يوجد خلاف على إطار المسيرة وعلى كيف ينبغي أن تُدار. إسرائيل تعارض الاتصالات على الحدود والأمن أولا وقلنا هذا لكيري. في هذا الشأن يوجد اتفاق بين كل الوزراء الذين يعملون في الموضوع الفلسطيني، بمن فيهم تسيبي لفني".

وتطلب إسرائيل من جهتها بأنه إذا استؤنفت المفاوضات أن تعنى بالتوازي في كل المسائل الجوهرية للتسوية الدائمة ولاسيما الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية وحل مشكلة اللاجئين. وقال الموظف الكبير انه "إذا جرى النقاش قبل كل شيء على الحدود والأمن، فان إسرائيل ستعطي فقط ولكنها بالكاد ستحصل على شيء بالمقابل. عندما سنأتي إلى البحث في المواضيع التي يتعين فيها على الفلسطينيين ان يتنازلوا مثل حق العودة، فلن تبقى لدينا أوراق للمساومة".

كما أن إسرائيل تعارض تنفيذ مبادرات هامة تجاه الفلسطينيين قبل استئناف الاتصالات، كتحرير سجناء، نقل سلاح لأجهزة الأمن في السلطة الفلسطينية أو حتى حث مشاريع اقتصادية تتطلب نقل أراضٍ، وان كانت الأشد صغراً، إلى سيطرة فلسطينية مدنية أو أمنية. ومع أن وزير الخارجية كيري أعلن بأنه حصل من نتنياهو على موافقة على حث مشاريع اقتصادية، ولكن يتبين أن قائمة المشاريع غير مغلقة على الإطلاق. وهكذا مثلا فان إسرائيل تعارض حث مشروع سياحي فلسطيني في الشاطئ الشمالي من البحر الميت يوجد في المنطقة "ج" التي ضمن السيطرة الإسرائيلية الكاملة، لان له في نظرها معانٍ إقليمية.

وقال الموظف الكبير: "نحن مستعدون للقيام بخطوات لبناء الثقة لا تمس بمصالحنا إذا كان الحديث يدور عن إقامة منشآت لتطهير النفايات، مدارس أو طرق في المنطقة ج فليست هناك مشكلة. ولكن إذا كان الحديث يدور على نقل أراض عبر مشاريع اقتصادية، فنحن لسنا مستعدين لذلك".

الرؤية الإسرائيلية

أثارت زيارات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الثلاث إلى المنطقة وما طرحه من أفكار لتحريك المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين، نقاشات في الكيان الصهيوني بهدف التأثير على هذه المقترحات وتجييرها لمصلحة الموقف الإسرائيلي. وفي مركز هذا النقاش السؤال عما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية تستطيع التجاوب معها، أم أن ما تواجهه من وضعية ومشاكل وتركيبة في الحكومة سيكون عائقاً يحبط هذه الجهود ويدخل الحكومة في أزمة ثقة جديدة مع إدارة الرئيس باراك أوباما؟.

وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى لا تتفق مع كيري في تفاؤله وترى أن محاولاته لن تحدث اختراقاً قريباً في عملية المفاوضات وبأن الطريق ما زال طويلاً، لإعادة بناء الثقة بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، وخلق ظروف لمفاوضات مباشرة من دون شروط مسبقة، إلا أن هناك شعوراً سائداً بأن الجهود الأمريكية هذه المرة جادة للغاية والولايات المتحدة تصر على التقدم الفعلي في المفاوضات, لتحقيق الغايات التي تسعى إليها واشنطن.

من جهتها أعلنت الحكومة الإسرائيلية ، وكما أوضح رئيسها، بنيامين نتنياهو، أمام كيري، أنها على استعداد لتحريك ما يسمى بعملية السلام وبأنها تطمح لهذا السلام، لكن في إسرائيل وفي النقاشات الداخلية يحتدم النقاش حول ما يطرحه نتنياهو وإذا كان بالفعل يرغب بالسلام وقادراً على تحقيقه أم انه يدرك، كما يدرك الكثير من الإسرائيليين، أن حكومته بتشكيلتها الحالية ومفاهيم السلام التي يحملها رؤساء أحزاب الائتلاف الحكومي، من جهة، وما تواجهه من مشاكل اقتصادية والنقاش العاصف حول التقليصات التي ستمس بشرائح المجتمع الضعيفة من جهة أخرى، عاجزة عن تحقيق أي شكل من أشكال السلام.

التفاؤل الذي أظهره كيري، خلال جولته المكوكية لم ينعكس في الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، بل أن الإسرائيليين حاولوا التخفيف من هذا التفاؤل عندما كرروا شروطهم التي كانت عقبة أمام استئناف المفاوضات طيلة أربع سنوات خلت:

- تجميد الإجراءات أحادية الجانب للفلسطينيين في الأمم المتحدة.

- وقف التحريض في مناطق السلطة الفلسطينية.

- الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية.

- ضمانات أمنية صعبة، مثل القبول ببقاء الجيش الإسرائيلي في غور الأردن المحتل.

ورفضت إسرائيل المطالب الفلسطينية التي تعتبر أساسية وهي أقل ما يمكن للفلسطينيين المطالبة بها:

- عرض إسرائيل لخريطة حدود.

- تحرير أسرى أمنيين، بخاصة الذين يقضون في السجون الإسرائيلية قبل اتفاقية أوسلو.

- تجميد البناء في المستوطنات.

- وقف تام لعملية احتجاز أموال الجمارك والضرائب الفلسطينية في إسرائيل.

وتنافست وسائل الإعلام الإسرائيلية في نشر تفاصيل ما يحمله كيري من مقترحات وركزت النقاش على ما إذا كانت الحكومة قادرة على تنفيذ الخطة أم أنها غير قادرة. وتحدثت عن أن الخطة ستنطلق من عمان بلقاء رباعي ويفترض أن تنتزع من الطرفين موافقة على معظم الشروط، التي يرى الأمريكيون أنها أساسية لاستئناف المفاوضات. ويقول الإسرائيليون إن الأمريكيين لم يحسموا بعد ما إذا كان كيري سيعلن في زياراته المقبلة عن مبادرة. ووفق ما يتداول الإسرائيليون ففي التخطيط الأمريكي سيجري وزير الخارجية جولات مكوكية تستمر ستة أشهر ويفترض باللقاء الرباعي أن ينهي مرحلة الإعداد ويبدأ بالمرحلة العملية في الاتصالات.

وكما في نقاش أية مبادرة للسلام ينطلق الإسرائيليون بإلقاء الكرة في الملعب الفلسطيني. وقبل أن يغادر كيري المنطقة اتهموا الفلسطينيين بوضع العراقيل أمام مهمة كيري، لإصرارهم على تقديم خريطة إسرائيلية للتسوية. وعليه يتوقعون أن يبدأ كيري، بناء الثقة بين الطرفين من خلال انتزاع سلسلة خطوات من إسرائيل مثل ضمان استمرار تحويل أموال الضرائب وتحديد البناء الاستيطاني في المناطق الواقعة خارج الكتل الاستيطانية، في مقابل تعهد الفلسطينيين بعدم التوجه بمبادرات مستقلة إلى الأمم المتحدة، خلال الأشهر القريبة. أما موضوع الأمن والحدود فقد بدأ كيري خطواته نحو التوصل إلى اتفاق يناسب الطرفين.

موظفون كبار في الخارجية الأمريكية، عبروا خلال تصريحات لهم لوسائل إعلام إسرائيلية، أنهم يحتفظون بخطة سلام لكنهم يشككون في قدرة الحكومة الإسرائيلية على تنفيذها.

ويتداول الإسرائيليون، معلومات عن بناء مجموعة دعم من دول الخليج وتركيا ودول شمال أفريقيا، تساعد السلطة من جهة، وتطرح مبادرات تجاه إسرائيل من جهة أخرى، بروح المبادرة العربية للسلام. وسيكون لمجموعة الدعم هذه دور أيضاً في الخطاب الإقليمي الشامل في مواضيع سورية، وإيران والاستقرار في الأردن.

النقاش الإسرائيلي بعد زيارة كيري يركز على مدى نجاح الحكومة الإسرائيلية في تحقيق السلام. فهناك من يعتمد في حديثه على تركيبة الحكومة اليمينية التي تشمل حزب المستوطنين برئاسة نفتالي بينيت، الذي سيكون عقبة أمام أي طرح لقضية المستوطنات وحتى حزب المركز برئاسة يائير، سيكون عائقاً، إذ أنه، وبحسب ما قال بينيت، أمام وزير الخارجية النروجي، اسبن ايدهان حليفه يائير لبيد، وخلافاً لمواقفه التي طرحها قبل دخوله الائتلاف الحكومي، غير متحمس لحل الدولتين. وفي هذا الجانب طرح بينيت معارضة حادة لإقامة دولة فلسطينية بين نهر الأردن والبحر المتوسط. وقال: "نحن لسنا متحمسين جداً لحل الدولتين وهذا موقف معظم وزراء الحكومة حتى يئير لبيد". والحل، وفق بينيت، أن يكون الأردن دولة للفلسطينيين.

أما الضمانات الأمنية، فيضعها ممثلو هذه الحكومة كقضية مركزية ويقولون أنهم لا يثقون بأي طرف. ويعتقد هؤلاء انه حتى الولايات المتحدة غير مضمون أن تكون داعمة لهم في خطوات مستقبلية في مجلس الأمن. وجاء الموقف الصريح من مستشار نتنياهو لشؤون الأمن القومي، يعقوب عميدرو الذي أعلن موقف بلاده الرافض لاستبدال قوات الجيش الإسرائيلي في الضفة بقوات امن فلسطينية ولا حتى دولية، مدعياً أن لا أمل لإسرائيل في ضمان المصادقة على مواقفها في الأمم المتحدة، ويقول: "لا يمكن إسرائيل السماح بوضع ترابط فيه قوة دولية في أراضي الدولة الفلسطينية لتحل محل الجيش الإسرائيلي في حماية الأمن. فمثل هذه القوة الدولية ستجد نفسها تحت ضغط كبير لا يمكن تحمله تماماً كالمظلة التي تنطوي ما أن يبدأ هطول المطر". ووصف عميدرور هذا جاء موجهاً لقوات اليونيفل المنتشرة في الحدود الشمالية تجاه لبنان وسورية، حيث يقول عميدرور- إنها فشلت في منع تهريب السلاح لـ حزب الله. أما تلك المرابطة بين إسرائيل وسورية في هضبة الجولان فهي، بحسب عميدرور "تتفكك تحت أول تحد تواجهه". وعليه، ينقل مستشار نتنياهو موقف بلاده الذي "يفضل العيش بلا اتفاق من غياب توافق على ترتيبات امن ملائمة".

ويعتقد عميدرور بأن كل تسوية دائمة مع الفلسطينيين يجب أن تنطوي على ترتيبات أمن مشددة للغاية قائلاً: "في الشرق الأوسط، مصير الاتفاقات التي يوقع عليها من دون أن يكون في أيدينا سيف حاد هو أن تصبح ورقة عديمة القيمة".

أما مبعوث رئيس الحكومة الإسرائيلية، المحامي اسحق مولخو، فقد سبق وأوضح أن نتنياهو مستعد لأن ينسحب إلى الكتل الاستيطانية، وإن كان يطالب بأن يبقي في غور الأردن تواجداً عسكرياً لسنين طويلة، وبأنه غير مستعد لأن يتناول، مسألة القدس.

المفاوضات العبثية

كما هو معروف فإن الرئيس الأمريكي كان حريصاً عند زيارته للكيان أن يؤكد أمرين أو التزامين، الأول هو أن علاقة الارتباط بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" هي علاقة أبدية، والثاني أن الاعتراف بـ"إسرائيل" باعتبارها دولة يهودية أضحى التزاماً أمريكياً لا رجعة فيه. المعنى المباشر لهذين الالتزامين هو إنهاء كل حديث عن أي أمل بإقامة الدولة الفلسطينية المأمولة على حدود الرابع من يونيو/ حزيران 1967. لأن هذين الالتزامين من الرئيس الأمريكي وضعاه في موضع عتاة قادة اليمين الديني المتطرف في الكيان الذي يخوض الصراع ضد الشعب الفلسطيني من منظور توراتي، ويرى أن كل أرض فلسطين التاريخية أرض يهودية، وهذا يعطي لدعاة الاستيطان رخصة قوية لإكمال تهويد القدس، وهدم الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم الذي يتم الترويج له الآن إعلامياً بقوة، ولاستكمال ضم كل المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية للكيان، وطرد كل فلسطينيي 48 وتصفية كل أمل في فرض مبدأ حق العودة لكل اللاجئين الفلسطينيين.

الغريب في الأمر أنه، بعد هذا كله يأتي كيري مجدداً ليزور الكيان الصهيوني ويذهب إلى رام الله ويتظاهر أن هدف هذه الجولة هو السعي لإحياء المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية لكنه لم يوضح أية مفاوضات يريد وحول ماذا؟ لكنه تحدث عن محددات التفاوض التي حصرها فقط بأمرين، أولهما وأهمهما تلبية الحاجات الأمنية لـ"إسرائيل" وثانيهما تطلعات الشعب الفلسطيني إلى دولة، وعند لقائه مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس حاول إغراءه للقبول بالشروع في جولة تفاوض جديدة مقابل الإفراج عن الأموال الفلسطينية بشكل نهائي وعدم احتجازها من قبل  إسرائيل مرة أخرى، وتوسيع مناطق سيطرة السلطة لاسيما المناطق المصنفة "C" وحرية البناء في المناطق التي تخضع للسيطرة "الإسرائيلية" بالضفة الغربية.

هذا العرض ليست له أية علاقة بالمطالب التي تتمسك بها السلطة التي لم تعد تتحدث نهائياً لا عن حق العودة ولا عن القدس، وما بقي من حقوق الفلسطينيين عند السلطة وتطالب به الكيان هو التوقف عن الاستيطان والإفراج عن الأسرى ووضع خريطة للدولة الفلسطينية، أي وضع خريطة أخرى للكيان بالمقابل، والمقصود هنا هو موضوع الحدود بين الدولة الفلسطينية المقترحة وحدود الكيان، وهو كلام يبتعد كثيراً عن مطلب الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى حدود الرابع من يونيو ،1967 ويتضمن استعداداً مسبقاً للقبول بالموقفين الإسرائيلي والأمريكي بضرورة أخذ متطلبات الأمن الإسرائيلي في الاعتبار ومن ثم الموافقة على تحريك الحدود لتتجاوب مع متطلبات ذلك الأمن وهو ما يراه كيري محدداً أساسياً لأية مفاوضات.

إذا كان الأمر كذلك فسؤال لماذا التفاوض يكون ضرورياً لكشف حقيقة النوايا الأمريكية. فالتفاوض المطلوب هو تجديد دورة استهلاك الوقت وملء الفراغ الراهن حيث لا يوجد صراع حقيقي مع الكيان الصهيوني ولا يوجد أيضاً أمل في سلام، لذلك فإن هذا الفراغ ربما ينذر أو يحفز إلى انتفاضة فلسطينية ثالثة، وهذا ما لا تريده واشنطن في وقت تعد فيه العدة لإعادة هندسة خريطة التحالفات في الشرق الأوسط بعد تسونامي "الثورات العربية".

وهذا ما أكدته فيكتوريا نولاند المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية المتحدثة والتي كانت حريصة على عدم التورط في وعود تتضمن أية نوايا أمريكية جادة لبدء مرحلة حقيقية للسلام، حيث صرحت "بأن كيري يرغب في الاستماع للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي لكي يرى ما يمكن القيام به لاستئناف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية المجمدة منذ سبتمبر 2010".

ثم إن دعوة أوباما للأمم المتحدة كي تشارك في ما اسماه "الهيئات المتعددة الجنسية" لإحراز تقدم في عملية السلام، تكشف مدى عبث الإدارة الأمريكية بملف الصراع العربي - الإسرائيلي.

إذا اعتبرنا التزامات أوباما للكيان هي الالتزامات الحقيقية فيجب أن نفهم بناء على ذلك أن دعوة أوباما للأمم المتحدة هي إعلان أمريكي صريح للتخلي عن مشروع السلام في الشرق الأوسط، وهذا طبيعي جداً في ظل ما سبق أن دعت إليه وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس من ضرورة تراجع الصراع العربي- الإسرائيلي كمحدد رئيس للعلاقات الإقليمية ضمن ما أسمته بـ"الشرق الأوسط الجديد" حيث يجب أن يحل الصراع العربي- الإيراني محل الصراع العربي- الإسرائيلي، وأن تحل إيران عدواً للعرب والإسرائيليين.

وكشف تصريح جون كيري وزير الخارجية الأمريكية في زيارته الأخيرة لفلسطين لتحريك عملية السلام عن خطته بالعودة إلى السلام الاقتصادي, ومبادرات حسن النية, لإدارة ما يسمى بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي وليس لإنهائه, وتلبية الحد الأدنى حقوق الشعب الفلسطيني.

لذلك لم تكن هذه الزيارة المشبوهة من اجل مصلحة الشعب الفلسطيني, بل جاءت لفك عزلة إسرائيل في العالم, وإنهاء الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني, مع إعطاء الوعود بإنعاش الاقتصاد الفلسطيني, واستئناف مفاوضات التسوية عبر اتجاهين سياسي متجاوزا الحقوق الفلسطينية, واقتصاديا لتنفيذ خطة نتنياهو الاقتصادية.

إن حديث كيري اثبت عدم جدية أمريكا في التعامل مع القضية الفلسطينية, بل أكد دعمه للحل الاقتصادي بدلاً من الضغط على إسرائيل لإنهاء الاحتلال بكافة أشكاله, والعمل مع الأمم المتحدة, والرباعية, وروسيا لتطبيق القرارات الدولية المتعلقة بفلسطين وعملية السلام. لذلك عبر كيري عن السلام من وجهة نظره فقال: بأن السلام ممكن، لو حصلت إسرائيل على ما تريد من احتياجات أمنية، وأن يتمكن الفلسطينيون من الحصول على دولة لهم، عندها يكون السلام ممكنا، هذا هو الموقف الأمريكي الذي يعتمد على الأمن مقابل الغذاء, وهذا ما أكده إفراج إسرائيل عن الأموال الفلسطينية, وزيادة المساعدات المالية القطرية, وتقديم الإدارة الأمريكية نصف مليار دولار اعتقادا منها بان هذه الأموال يمكن أن تكون وسيلة ضغط لإرجاع الفلسطينيين إلى المفاوضات. لهذا لم تلق زيارة كيري اهتماما من الفلسطينيين لأنها جاءت لتصفية القضية الفلسطينية من خلال إحياء المفاوضات الميتة ولم تطرح حلولا لها, ولطمأنة إسرائيل بمكانتها بعد إعادة ترتيب المنطقة.

لذلك كله يعتبر الفلسطينيون بمختلف أطيافهم، أن تحركات الولايات المتحدة الأمريكية الجديدة مشبوهة وهدفها تصفية القضية الفلسطينية من خلال استئناف عملية التسوية من جديد. فهذه التحركات هي التفاف على القضية الفلسطينية وثوابت الشعب الفلسطيني المناضل، وهي رسائل تطمين للاحتلال الإسرائيلي في ظل المتغيرات الإقليمية.

اعلى الصفحة