قضايا الحرب والسلام في القرن الإفريقي

السنة الثانية عشر ـ العدد 137 ـ ( جمادى الثانية ـ رجب 1434  هـ ) أيار ـ 2013 م)

بقلم: مأمون كيوان

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

تختلف الآراء وتتعدد في تعريف حدود منطقة الإفريقي، فالجغرافيون والانثربولوجيون يقصدون بالقرن الإفريقي أساساً المناطق التي يسكنها الصوماليون وان تعددت أوطانهم في الصومال أو أثيوبيا أو كينيا أو جيبوتي، وبهذا المفهوم يحتل القرن الإفريقي البروز الإفريقي من أقصى شمال شرق أفريقيا ويغطي كل أراضي الصومال ونحو نصف جيبوتي وخمس مساحة إثيوبيا وكينيا.

وتضم منطقة القرن الإفريقي من الناحية الجغرافية: الصومال، وجيبوتي، وإريتريا، وإثيوبيا. وبخلاف التعريف الجغرافي الضيق للمنطقة، فهناك تعريفات أخرى سياسية تضيف للدول السابقة دولا أخرى مثل: السودان، وكينيا، وأوغندا، وتنزانيا وغيرها.

ويرجع إضافة السودان وكينيا لارتباطهما بموضوع الإغاثة التي وقعت في منطقة القرن الإفريقي في الفترة 1984-1984 ،بينما تستثنيها الكتابات العربية وتحديداً المصرية وتكتفي بذكر الصومال، أثيوبيا، جيبوتي، إريتريا. وكان الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون قد أعلن في أواخر عام 1994 مبادرة رئاسية أطلق عليها مبادرة "القرن الإفريقي الكبير"، التي قدمت مفهومًا موسعًا للمنطقة باعتبارها تضم عشر دول.

الأهمية الإستراتيجية

يكتسب القرن الإفريقي أهميته الإستراتيجية من كون دوله تطل على المحيط الهندي من ناحية، وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر حيث مضيق باب المندب من ناحية ثانية؛ ومن ثم فإن دوله تتحكم في طريق التجارة العالمي، خاصة تجارة النفط القادمة من دول الخليج والمتوجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة وكندا ، اذ يمثل البترول أكبر سلعة من السلع الداخلة فى التجارة بين الغرب والشرق. وتعتبر المنطقة ممراً مهماً لأي تحركات عسكرية قادمة من أوروبا أو الولايات المتحدة في اتجاه منطقة الخليج العربي. وتعني السيطرة على القرن الإفريقي السيطرة عل ممرات مائية حيوية، وهي مركز عبور السفن والطائرات العابرة من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، وكذلك نقطة تزود بالوقود.

ولا تقتصر أهمية القرن الإفريقي على اعتبارات الموقع فحسب وإنما تتعداها للموارد الطبيعية، وقربه من جزيرة العرب بكل خصائصها الثقافية ومكوناتها الاقتصادية، علاوة على ما فيه من جزر عديدة ذات أهمية إستراتيجية من الناحية العسكرية والأمنية. كما تشتمل المنطقة على غالبية دول حوض نهر النيل، ومن ثم فهي تتحكم في منابع نهر النيل.

واكتسبت منطقة القرن الإفريقي أهمية إضافية بعد بروز القوى الإسلامية في عدد من دول المنطقة، ومطالبتها بتطبيق الشريعة الإسلامية، وكان ذلك في السودان والصومال، وفي إقليم أوغادين الصومالي المحتل من قبل أثيوبيا. وازداد الاهتمام بالمنطقة بعدما تردد أن هذه القوى الإسلامية الداخلية لها اتصالات ببعض القوى الإسلامية الخارجية، مثل تنظيم "القاعدة". فكان الحديث عن علاقة الاتحاد الإسلامي الصومالي بتنظيم "القاعدة"، وأن الأخير هو المتهم في تفجير سفارتي واشنطن في كينيا وتنزانيا عام 1998.

وثمة دول في منطقة القرن الإفريقي ذات أغلبية ساحقة من المسلمين مثل: جيبوتي (99%) والصومال (100%)، ودول أخرى ذات أغلبية كبيرة من المسيحيين كأوغندا (85%) وكينيا (66%)، وتوجد دول أخرى مختلطة؛ بمعنى أنه لا توجد بها أغلبية ساحقة لأي ديانة على أخرى مثل: إريتريا، وإثيوبيا وتنزانيا.

وتعج منطقة القرن الإفريقيّ بصراعات ضمن دولها وبين تلك الدول ترتبط بقضايا رسم الحدود والديمقراطيّة، وبناء الدولة، وهي صراعات تترك تأثيراتها على الأمن والتنمية. فمشكلات الحدود الموروثة قسّمت المجتمعات بين الدول المجاورة، وأصبحت عاملاً حاسماً في الصراعات ضمن وبين دول القرن الإفريقيّ. ومن أسباب الصراعات أيضاً قضايا الفقر وعدم المساواة والتدخلات الإقليميّة والدوليّة، وقادت إلى غياب السلام.

وكان القرن الإفريقيّ في زمن الحرب الباردة إحدى الساحات الإفريقيّة التي خاضت القوى الكبرى حرباً بالوكالة فيها، ودائماً ما كانت تشكّل ضرراً لشعوب الدول العميلة والمناطق المجاورة. وكانت نهاية الحرب الباردة وتأثير التحوّلات العالميّة على القرن معقّدة لأبعد الحدود. وكانت الحروب داخل كل الدولة قد تغيّرت إمّا استجابة لانهيار السلطة المركزيّة كما في حالة الصومال أو إنقاذاً أو ظهوراً لمجموعات المتمرّدين التي قادت إلى المعاناة الهائلة، والتدخّل الدوليّ وظهور ممثلي الصراعات الجديدة. وساهمت في تشكيل دول جديدة مثل: إرتيريا، وجنوب السودان، ودول غير معترف بها مثل أرض الصومال وأرض النبط.

وثمة ترابط وثيق بين الصراعات داخل الدول وبين الدول في القرن الإفريقيّ. وتميل الصراعات بين الدول إلى صراعات داخل الدول ، ورغم انخفاض حجم الصراعات بين الدول في العقود الأخيرة على نحو ثابت، ازدادت الصراعات داخلها.

واتخذت الصراعات أشكالاً عنيفة وغير عنيفة، ومستترة، و واضحة، و أزمة، و أزمة شديدة، وشكل حروب انفصاليّة أو تحرّريّة أو  حروب بالوكالة أو حرب تغيير النظام أو حروب اللصوصيّة الجماعيّة والتمرّدات المسلّحة.

وشهد القرن الإفريقيّ عدداً من الحروب المدمّرة بين الدول مثل الحرب الإثيوبيّة-الصوماليّة (1964، 1977-1978، 2006-2009)، والحرب الصوماليّة-الكينيّة (1963)، والحرب التنزانيّة-الأوغنديّة (1978-1979)، وحرب الحدود الإريترية-الإثيوبيّة (1998-2000). كما شهد عدداً من الحروب المجتمعيّة عبر الحدود غالباً ما أثارها التدهور البيئيّ، وسهّلتها الحدود المخترقة التي لم تعترف بها المجتمعات البدائيّة على الإطلاق، خاصّة ممّن ينتمي إلى جماعات عرقيّة مقسّمة عبر حدود الدولة.

وتقع الصراعات في ثلاث فئات: 1- مجتمع-دولة يرتبط مع الحروب الأهليّة (مجتمعات تعاني مظلوميّة شرعيّة تتحدّى الدولة)،2- دولة-دولة يكون بين دول ذات سيادة. 3- مجتمع-مجتمع. ويتعلّق بالصراع المجتمعيّ (بين المجتمعات وداخلها) تحت مظلّة الدولة. وتعد الدولة القاسم المشترك في هذه الفئات من صراعات القرن الإفريقيّ التي أصبحت دولة هشّة أو فاشلة.

وكانت وما زالت محفّزات الصراعات داخليّة بقدر ما هي خارجيّة وهي تتضمّن اللاعبين المحليّين والإقليميّين والوطنيّين والدوليّين، فضلاً عن الشبكات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة والعسكريّة.

وقد تمثلت أسباب الصراعات في:

1- مصادر المعيشيّة مثل (الأرض، الماء، المراعي، الغذاء، الطاقة)

2- الثقافة (الإثنيّة، اللغة، الدين)

3- السياسة (عدم المساواة، الهيمنة، التمييز العنصريّ، التهميش، العزلة)

4- التدخّل الخارجيّ (الاستعماريّ، الحرب الباردة، الإقليميّ، الحرب على الإرهاب والقرصنة)

5- الاقتصاديّ-الاجتماعيّ (الفقر، الأمّيّة، المشكلات الصحيّة الوبائيّة، البطالة، الجفاف، التدهور البيئيّ).

6- نمط الحياة (الفلاحيّ، المستقرّ، الرعويّ، البدويّ، الجبليّ، السهليّ).

7- ممارسات الحكم المختلّة (غياب الديمقراطيّة، المحاسبة، الشفافيّة، الاستبداد، الكذب، ممارسات انتخابيّة غير تمثيليّة، العزلة وتهميش ممارسات ومؤسّسات السكان المحليّين، نقص شرعيّة الدّولة).

8- التخلّف (نقص التصنيع، الاستثمار، الاقتصاد الزراعيّ، الرعويّ، الرعويّ-الزراعيّ، تصدير البضائع الأساسيّة، الهيمنة الاقتصاديّة قبل الرأسماليّة).

ويعد صراع دارفور مثالاً واضحاً عن الصراع الناتج عن التنافس على المصادر المعيشيّة، وعوامل الثقافة، والدين، والسياسة، وأنماط الحياة والعامل السوسيو- اقتصاديّ. أما الصراع بين إريتريا وإثيوبيا فيتضمّن الثقافة والسياسة والتدخّل الخارجيّ وممارسات الحكم المختلّة بالإضافة إلى العوامل السوسيو- اقتصاديّة.

صراعات السودان

عانى السودان صراعات معقّدة ومتعدّدة بين المجتمع والمجتمع وبين الدولة والمجتمع. ودفعت سياسة التهميش والعزلة والتمييز العنصريّ من قبل المركز تجاه المحيط بالسودان إلى حالة دائمة من النزاع منذ الاستقلال في عام 1956. وكان التقسيم بين الشمال والجنوب من سمات صراع كلّ من المجتمع مع المجتمع والدولة مع المجتمع. وتقع هذه الحالة ضمن فئة المجتمع مع المجتمع لأنّها بين الروحانيين المسيحيّين من الأفارقة(الجنوب) وبين العرب المسلمين(الشمال). كما أنّها أخذت بعداً يمكن رؤية نوع من الصراع يكون موجهاً من الدولة ضدّ المجتمع، لأنّ الدولة تحت هيمنة مجتمع الشمال، وهذا يعطي شكل حرب دولة على فئة من المجتمع.

وقد بدأت الحرب الأهليّة السودانيّة الأولى عام 1955 وانتهت عام 1972 أي بعد 17 عاماً من سفك الدماء، وذلك بعد توقيع اتفاقيّة أديس أبابا في 1972 والتي أعطت الجنوب الحكم الذاتيّ. إلا أنّ هذا السلام ألغاه الرئيس جعفر النميريّ في عام 1983. وترافق انقسام الجنوب إلى ثلاث محافظات مع تطبيق قوانين الشريعة عليها، إلا أنّ ذلك أثار الحرب الأهليّة الثانية التي دامت 22 سنة، وتوقّفت بتاريخ 9 يناير/كانون الثاني 2005 بعد توقيع اتفاقيّة السلام الشامل تحت ضغط خارجيّ شديد، فالولايات المتّحدة كانت مع مشروع تقسيم السودان في دولتين. وسمح البند الأساسيّ لهذه الاتفاقيّة لشعب الجنوب بتقرير مصيره في استفتاء في 9 يناير/كانون الثاني 2011 وكانت النتيجة أن أصبح الجنوب دولة مستقلّة بتاريخ 9 يوليو/تموز 2011.

وواجه الانفصال تحدّيات مثل: ترسيم الحدود، واقتسام الثروة، والدين الوطنيّ، والمواطنة، وكلّ هذه الأمور أضعفت تركيبة الدولة الجديدة، و هذا الأمر ربما يدفع بالسودان وجنوبه إلى صراع على مستوى الدولتين.

والسودان غارق في صراعات داخليّة في الأجزاء الشماليّة والشرقيّة والغربيّة. ففي الشرق، شعب البجا يعيش مع حقيقة بقائه على هامش السلطة المركزيّة في السودان التي أثبتت بقوّة شكلها الاستغلاليّ والقمعيّ والعنصريّ، وفي مرحلة ما بعد الكولونياليّة عندما أدرك شعب البجا هذا الوضع على نحو واضح، أطلق مؤتمر البجا في عام 1958 الذي كان كياناً حزبيّاً سياسيّاً لهم، ومنذ انطلاقه يدافع عن حقوق البجا ويرفض سياسات التهميش والعزلة بحقّهم، كما تمّ حظر هذا الحزب مرّات عديدة كغيره من الأحزاب السياسيّة الأخرى، حيث السلطة السياسيّة السودانيّة كانت ترفض التعدّديّة السياسيّة. وفي تسعينات القرن الماضي تطوّر الصراع إلى حرب دائمة متقدّمة بين حزب المؤتمر الوطنيّ وجبهة الشرق التي كانت تضمّ حركتين من حركات المقاومة (مؤتمر البجا والأسود الحرة التابعة لقبيلة الرشايدة)، وحتّى توقيع اتفاقيّة سلام شرق السودان في العاصمة الإريتريّة أسمرا في أكتوبر/تشرين الأول 2006 فإنّ مؤتمر البجا بمساعدة من الجيش الشعبيّ لتحرير السودان نفّذ عمليات عديدة في شرقي السودان. أمّا هذه الاتفاقيّة فقد سمحت لجبهة الشرق بالانضمام إلى حكومة الوحدة الوطنيّة كشريك أصغر. وبعد توقيع اتفاقيّة سلام شرق السودان انقسمت جبهة الشرق إلى أربعة أقسام.

وهناك نزاع دارفور، الذي انفجر عام 2003 حيث كانت السودان تغلق فصلاً من نزاعاتها الدمويّة في الجنوب، واستجابة إلى هجمات المتمرّدين في دارفور ظهرت ميليشيا من القبائل العربيّة الموجودة ضمن القبل الإفريقيّة أطلق عليهم تسمية "الجنجويد"، وهي تعتبر منظّمة مدعومة حكوميّاً، قاموا بأعمال وحشيّة وتخريبيّة في دارفور. وكانت حركة التمرّد تضمّ كلا من: حركة المساواة والعدالة، وحركة تحرير السودان، وحركة العدالة والتحرير. ثم أطلقت المفاوضات بين الحكومة والمجموعات المتمرّدة لحلّ النزاع، فكانت مبادرة أبوجا ولاحقاً عملية الدوحة.

إثيوبيا وإريتريا

نشر الصراع بين إثيوبيا وإريتريا التي كانت مستعمرة إيطاليّة سابقة بذور الصراع داخل الدولة ذاتها. وقد دخلت التسوية الفيدراليّة المدعومة من الأمم المتحدة حيّز التنفيذ في عام 1952 إلا أنّها منذ البداية كانت خاضعة لانتهاكات منظّمة. وخلال عشر سنوات من تاريخها، كانت هذه التسوية قد تفكّكت، وقدّمت شكاوى سياسيّة ما أن تحوّلت في النهاية إلى حرب داخل إثيوبيا.

وتصنّف الحرب الإثيوبيّة-الإريتريّة في بعض الأحيان على أنّها صراع بين دولتين، وذلك كون إريتريا دولة متمتّعة بحكم ذاتيّ، صنعتها إيطاليا، وقد أثار ضمّ إريتريا في عام 1962 حرباً مدّتها ثلاثين سنة، انتهت في عام 1991 مع سقوط النظام العسكريّ الإثيوبي. وهي حرب التحرير انضمّت إليها لاحقاً مجموعات عرقيّة مثل أورومو (30 مليوناً في أنحاء العالم ويتركّز وجودهم في إثيوبيا وشمال كينيا وأجزاء من الصومال) والصوماليون، والتغراي (الذين يبلغ عددهم 6 ملايين، ويتواجدون في إقليم التغراي الإثيوبيّ)، وسعت هذه الإثنيّات إلى تعديل التسوية السياسيّة التي رؤوها كمصدر لعزلتهم وهامشيّتهم. والمجموعات غير العرقيّة والمتأثرين بالإيديولوجيّات اليساريّة كانوا مستعدّين لتغيير النظام السياسيّ.

وكان إسقاط الإمبراطور الإثيوبيّ هيلا سياسي في فبراير/شباط 1974 واستبداله بعصبة عسكريّة كانت تحثّ على انتشار حركات التحرير لتكون جاهزة لتغيير الدولة الإثيوبيّة.

صراعات الصومال

نالت الصومال استقلالها في الأوّل من يوليو/تموز 1960. وقد شملت: أرض الصومال البريطانيّة (أرض الصومال اليوم). وأرض الصومال الإيطاليّة التي توحّدت بعد أربع أيام من منح أرض الصومال البريطانيّة الاستقلال الرسميّ في 26 يونيو/حزيران 1960.

ومنذ البداية دخلت الصومال في توترات قادت إلى صراع داخل الدولة ومع دول الجوار. ودفع التقسيم على أساس قبليّ لقادة ما بعد الكولونياليّة الذي توّج بالفوضى السياسيّة والتوتّر في عام 1968 واستغلال الفوضى التي ترافقت مع الانتخابات في عام 1969، دفع إلى حدوث انقلاب برئاسة الجنرال سعيد باري في أكتوبر/تشرين الأوّل 1969 أنهى العصر القصير للحكومة المدنيّة المتعدّدة الأحزاب مع فرض مجموعة عسكريّة حاكمة جاءت بالانقلاب. وهذا، جاء مركّباً بتدخّلات الحرب الباردة، السياسة القبليّة والمناطقيّة الجغرافيّة، وسرع في انهيار الدولة الصوماليّة في عام 1991.

وأنتجت التعبئة وتسليح القبائل منظّمات مبنيّة على النظام القبليّ مثل: الجبهة الديمقراطيّة لخلاص الصومال، والحركة الوطنيّة الصوماليّة، والمؤتمر الصوماليّ الموحّد، الذي أسقط أخيراً نظام سعيد باري عام 1991.

ونشأت في الصومال الكيانات والانقسامات التالية:  أرض الصومال، التي سيطرت عليها قبيلة إسحاق، وبوتلاند، التي سيطر عليها ميجرتين،  وصومال الجنوبيّة والمركزيّة، التي سيطر عليها هاويي.

وفي الوقت الذي كانت الصومال الجنوبيّة والمركزيّة تعاني من التطرّف والحرب العالميّة على الإرهاب نتيجة التدخلات الإقليميّة والدوليّة، فإنّ الإقليمين الانفصاليين - خاصة أرض الصومال- قد أسّسا أنظمة سياسيّة ديمقراطيّة مستقرّة وسلميّة بشكل نسبيّ.

العفر والعيسى

العفر والعيسى هو الإقليم الصغير من أرض الصومال الفرنسيّة فقد حصلت على استقلالها في عام 1977. و الذي أعيد تسميته في عام 1967 من قبل الإدارة الفرنسيّة، الذي أسمته الإقليم الفرنسيّ للعفر والعيسى، وسمّي فيما بعد جيبوتي. ويشمل مجموعتين عرقيّتين أساسيّتين: الصوماليّون من قبيلة العيسى، والعفر. وقد أفسد استقلال جيبوتي بالصراع بين الغالبيّة الصوماليّة والأقليّة من العفر، والحرب الأهليّة والنزاع الشديد داخل الدولة استمرّ لعقود. كان العفر يشعرون بالإقصاء والعزلة والعنصريّة من قبل الأكثريّة الصوماليّة من قبيلة العيسى، ولذلك صعّدوا المقاومة. علاوة على ذلك، تعتبر جيبوتي مستقرّة في منطقة يندر فيها الاستقرار.

إريتريا

تعد إريتريا الدولة الأخيرة التي حصلت على استقلالها في القرن الإفريقيّ. وتمثّل نموذجاً كلاسيكيّاً من عملية إعادة الاستعمار الفاشل، عندما انتقلت عبر قرار فيدراليّ مدعوم من الأمم المتّحدة، من الحكم الكولونياليّ الإيطاليّ إلى الحكم الإثيوبيّ بعد هزيمة إيطاليا في الحرب العالميّة الثانية.

وبعد عشر سنوات من المداولات تقرّر إلحاق إريتريا بإثيوبيا عبر فيدراليّة. وقد قادت هذه التسوية الفيدراليّة الخاطئة إلى صراع حرب الاستقلال الذي دام لثلاثين سنة. وخلال الصراع لأجل التحرّر، كانت حركة التحرير متورّطة في صراعين مسلحين. حيث قاتلت كلّ من جبهة التحرير الإريتريّة والجبهة الشعبيّة لتحرير إريتريا بعضهما البعض لفترتين الأولى من (1972-1974) والثانية من (1980-1981)، وفي النهاية هُزمت جبهة التحرير الإريتريّة. واستمرت فئات من جبهة التحرير الإريتريّة تحاربهم في الشتات، ولم يتوقف صراعهم حتّى بعد الاستقلال، لأن الجبهة الشعبيّة لتحرير إريتريا لم تسمح لهم بالعودة إلى البلاد كقوّة منظّمة. ومنذ اندلاع الحرب الإريتريّة - الإثيوبيّة، كانت مجموعات مقيمة في إثيوبيا تشنّ هجمات عنيفة متقطّعة للإطاحة بالنظام في أسمرا.

وتورطت إريتريا في صراعات مع كافة دول الجوار. ذلك أنّ الدولة الإريتريّة بعد التحرير تشكّلت في منطقة متصارعة وعنيفة بشكل كبير، وهذا ربّما يوضّح سلوكها السياسيّ. وقد قادت مناوشة حدوديّة بين إريتريا وإثيوبيا إلى نشوب حرب بينهما في عام 1998-2000. وعلى الرغم من أن الصراع الحدوديّ استقر بموجب قرار من المحكمة الدائمة للتحكيم في 13 أبريل/نيسان 2002.

الوجود الأمريكي في القرن الإفريقي

ثمة وجود عسكري وأمني واقتصادي وسياسي لقوى دولية في منطقة القرن الإفريقي يأتي في مقدمها الوجود الأمريكي. وترجع بدايات الأنشطة العسكرية الأمريكية في إفريقيا إلى الحروب البربرية التي بدأت عام 1801، ولكن هذه القارة لم تدمج في هيكل القيادة العسكرية الأمريكية حتى عام 1952 عندما أُضيفت العديد من دول شمال إفريقيا إلى القيادة الأوروبية (إيوكوم). وفي عام 1957 أنشأت وزارة الخارجية الأمريكية مكتبها في إفريقيا بعد أن قام نائب الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بجولة في القارة استمرت ثلاثة أسابيع. ومع مطلع العقد الأخير من القرن العشرين تمركز نحو 25 ألفاً من القوات الأمريكية في شرق إفريقيا كجزء من قوات الأمم المتحدة التي تقوم بمهام إنسانية في الصومال إبان برنامج "إعادة الأمل".

ويعزى الاهتمام الأمريكي إلى: أهمية دول معينة في شرق أفريقيا ضمن الإستراتجية الأمريكية الخاصة بالاحتواء والمحاصرة للنظم غير الموالية. ومن الناحية الأمنية تمثل المنطقة تهديداً محتملاً للمصالح الأمريكية ومصالح الدول الحليفة لها، ولاسيما(إسرائيل). ولتحقيق أهدافها سعت الولايات المتحدة إلى إنشاء بنية أساسية تربط ما بين شرق إفريقيا ومنطقة البحيرات العظمى في وسط إفريقيا وهو ما يسمى في الفكر الاستراتيجي الأمريكي اسم (القرن الإفريقي الكبير). والتركيز على جيل من القادة الجدد الذين يدافعون بشكل مباشر أو غير مباشر عن المصالح الأمريكية في المنطقة. والتواجد عسكرياً في المنطقة، وقد بدأت الولايات المتحدة بجيبوتي التي تعد أكبر قاعدة فرنسية في شرق إفريقيا. والتعاون الاستخباراتي مع دول المنطقة ، وذلك بحجة محاربة الإرهاب. ووضع تصور لتسوية الصراعات والتوترات التي تشهدها. و ممارسة تأثير سياسي ونفوذ سياسي قوي.

الاتحاد الأوروبي

يعتبر الاتحاد الأوروبي شريكًا تجاريًّا رئيسيًّا لكثير من دول المنطقة، ووفقا لرؤية مفوضية الاتحاد الأوروبي فإن أوضاع عدم الاستقرار التي شهدتها منطقة القرن الإفريقي أثرت سلباً على العلاقات الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي ودول المنطقة، وكذلك فإن عمليات الهجرة غير الشرعية وتدفق اللاجئين وتهريب الأسلحة الصغيرة داخل المنطقة ولّد تهديدات مختلفة قد يصل مداها إلى الاتحاد الأوروبي ذاته.

واستنادا إلى هذه الرؤية، طرحت مفوضية الاتحاد الأوروبي في 20 مارس 2006 إستراتيجية للسلم والأمن والتنمية في القرن الإفريقي، وركزت الإستراتيجية على التعاون مع منظمة الإيجاد عبر رؤية مشتركة وخطة تنفيذية تركز على ثلاثة ميادين هي: السلم والأمن، والأمن الغذائي، والتطوير المؤسساتي. وكذلك تضمنت الإستراتيجية التدخل الفعّال من جانب الاتحاد الأوروبي في القرن الإفريقي لدعم وبناء القدرات الإفريقية في مجال منع الصراع، والوساطة، ونشر قوات حفظ سلام، وعمليات مراقبة وقف إطلاق النار، وإنشاء الفرقة العسكرية للتدخل السريع في شرق إفريقيا كجزء من قوات الانتشار السريع الإفريقية.

وقام الاتحاد الأوروبي بأدوار مختلفة لإحلال السلم داخل القرن الإفريقي؛ ففي أثناء الحرب الحدودية الإريترية الإثيوبية أرسل الاتحاد الأوروبي وفدًا ثلاثيًّا إلى أديس أبابا، ضم ممثلين من ألمانيا والنمسا وفنلندا، وكانت مهمة الوفد محاولة القيام بجهود وساطة لوضع حد للحرب الدائرة بين البلدين.

وكذلك ساند الاتحاد الأوروبي مبادرة "الإيجاد" لإحلال السلام في السودان، وقدمت المفوضية الأوروبية (عام 2004) من خلال آليتها للرد السريع (RAM) نحو(1.5) مليون يورو لدعم عملية السلام التي تقودها "الإيجاد" في السودان.  وإلى جانب المساعدات المتعلقة بالسلم والأمن، قدم الاتحاد الأوروبي معونات تنموية هامة لدول القرن الإفريقي.

القواعد الإسرائيلية

أنشأت إسرائيل لها سلسلة من القواعد العسكرية البحرية والبرية والجوية في مناطق مختلفة من إريتريا. كما حصلت من الرئيس الإريتري اسياسى افورقى على حق استعمال جزيرة "دهلك" الواقعة قبالة ميناء مصوع الإريتري بموجب اتفاق أفضل وأشمل من الذي أُبرم مع الإثيوبيين في عهد منغستو هيلا مريام إمبراطور إثيوبيا السابق. وبموجب هذا الاتفاق تطورت القاعدة العسكرية لتصبح قاعدة جوية وبحرية لمختلف الغواصات، وضمنها واحدة من غواصات "الدلفين" النووية المتطورة التي بنتها ألمانيا بمواصفات خاصة حددتها إسرائيل.

وتستعمل إسرائيل جزراً إريترية كمحطات مراقبة وقواعد للإمداد، كما يوجد جنود إسرائيليون على جزر المحبّقة. وتمتلك إسرائيل طائرات إسرائيلية مجهزة بمعدات تجسس متطورة في جزيرة (دهلك) الإرترية في البحر الأحمر.

التمدد الصيني

تحصل الصين على 25% من إجمالي وارداتها النفطية من القارة الإفريقية. وبعد اكتشاف النفط داخل السودان دخلت الصين وبقوة في مجال استخراج وإنتاج النفط السوداني. وشمل التعاون الصيني السوداني أيضاً مجالات أخرى مثل إنشاء محطات لتوليد الكهرباء، وتمويل بعض مشروعات إقامة سدود (مثل سد كاجبار)، وإنشاء خطوط أنابيب لنقل المياه من النيل إلى بورسودان.

وكانت الصين مصدراً مهماً للأسلحة التي حصلت عليها بعض دول القرن الإفريقي مثل الصومال، وإريتريا، وإثيوبيا. كما حرصت الصين على تعميق التعاون العسكري بينها وبين جيبوتي، خاصة بعد إقامة قاعدة عسكرية أمريكية داخلها.

الوجود الروسي

يتمثل الوجود الروسي في وجود قيادة بحرية روسية في المحيط الهادئ، ومنها تنطلق مجموعات إلى خليج عدن أو القرن الإفريقي للمشاركة في القوات الدولية التي تستهدف محاربة القراصنة، وقد أرسلت روسيا سفينة حربية وسفينة نجدة وناقلة وقود ووحدة من المشاة البحرية، وترى روسيا أنه من المهم تواجد قواتها في منطقة القرن الإفريقي، وتقوم هذه القوات بتأمين الملاحة في المنطقة عن طريق مرافقة قافلة من سفن الشحن بينما يتوزع المشاة البحرية على السفن المطلوب حمايتها وهو ما يردع القراصنة عن مهاجمة هذه السفن.

اعلى الصفحة