السنة الثانية عشر ـ العدد 137 ـ ( جمادى الثانية ـ رجب 1434  هـ ) أيار ـ 2013 م)

بقلم: غسان عبد الله

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


الفهرس


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الاشراف على الموقع:
علي برو


للمراسلة

ويخبو ضوءُ الروحِ!!

في شحوبِ الروحِ يخبو الضوءُ ويضيعُ الدربُ من القدمين، ويُدلِجُ المرءُ في منافي الوقتِ وراءَ سرابِ الرؤيةِ أو وراءَ اليقين.. في شحوبِ الرُّوحِ يتكوَّرُ الليلُ في القلبِ ويحجِبُ شموعَ البصيرةِ.. في شحوبِ الروحِ ينبُتُ الصُّبَّارُ على ضفافِ النفسِ ويُطِلُّ ثمرُهُ كرؤوسِ الشياطين.. في شحوبِ الروحِ يتراجَعُ الخيرُ إلى زاويةٍ ضيقةٍ وتتسعُ العِبارةُ وتبقى من دونِ شعاع.. في شحوبِ الروحِ يقتحِمُ سيلُ العُتْمَةِ شِعْبَ الفجرِ ويمتدُّ الأفْقُ زواحفَ.. أخافُ شحوب الروح.‏

في لجَّةٍ من لجج العتمةِ قلتُ لمن يضيءُ دمَهُ مشعلاً ويرفَعُهُ على التلالِ في غمرةِ العاصفةِ الهوجاءِ نداءً ورايةً: أعطني من يقينكَ زهرةً أغرِسُها في طينِ النفسِ وأرضِ البشر.. أعطني خُلْبَةَ عشبٍ أخضرَ أزَنِّر بها هامتي المتعَبَة.. أعطني ظلَّ يمامةٍ في مِنقارِها ورقةٌ منقوشةٌ بالصدقِ أو أعطني غصنَ زيتون.. أعطني لُمعةَ ضوءٍ تكون سيفيَ بوجهِ الليل.. أعطني ولا تحرمني فأنت نبعُ الحياة وأنموذجُ العطاء!؟‏.

لم أحظَ بجوابٍ وربما خِلْتُهُ قال: ليس ما تطلِبُ متاحاً.. كانت الأرضُ عالقةً بين أنيابِ القحطِ يومَ كان فيها ما تَطْلِبُهُ.. إذ كان الإنسانُ كان يعوِّضُها عن الكثير.. أما وقد رحلَ عنها روحُ الإنسانِ فهي رمالٌ تَسفحُها الريحُ.. كلُّ الخِصْبِ لا يقدِّمُ لكَ الآن زهرةً تُحِبْ.. ولا ضمةَ عشبٍ أخضرَ تغسِلُ بها عينيكَ من وجَعِ الرمال.. لقد هاجَرَتْ كلُّ أنواعِ الطيورِ بما فيها اليمامُ، ولا يوجدُ في هذه الأرضِ ما يشدُّ طيراً إليها، لقد قُتِلَتْ روحُ الخِصْبِ في الأرض.. فاطلبْ ما هو متاحٌ فيها أو ارحلْ عنها أو عُدْ إنساناً.. وأعِدِ الإنسانَ إليها..‏

عُدْتُ إلى سجنِ نفسي وقلتُ: لا شيء يفتُكُ بالروحِ مثلُ صحراءِ نفسٍ بلا ضفافٍ تكتسِحُ الرؤيةَ والأعماقَ وواحاتِ الخيالِ، وتحجُبُ ينابيعَ الأملِ وقُدْرَاتِ المبدعِ على التخيُّل.. لا شيء يفتكُ بالنفسِ مثلُ الإحباطِ وارتفاعِ شأنِ الانحطاطِ وشأنِ مَنْ لا شأنَ لهُ ومنَ لا خيرَ فيه من بينِ الخلقِ فوق أهلِ الخيرِ والقيمةِ والرفعة في الحياة.‏

في زمنٍ يُسْتَبَاحُ فيه الدّينُ وتتدنَّى قيمتُهُ إلى أقصى مدى ويُمْعِنُ في الاضمحلالِ والتلاشي وتنوشُهُ سهامُ الإدانةِ، ويتنصَّلُ بعضُ أهلِهِ منهُ ويركضون في مزالِقِ المَلَقِ للتخلُّصِ من ندائِهِ.. في زمنٍ تُسْتَباحُ فيه القيمُ.. تموتُ مع الروحِ المستباحةِ قِيَمٌ وأرواحٌ وحقوقٌ وكرامةٌ.. ويغدو الأحياءُ سيلَ موتٍ يُعَرْبِدُ في الطرقات.. ويحششون ويتعاطون ما يخدِّرُهم حتى لا يتذكروا شيئاً سوى اليبابْ.. وثمةَ من لا يريدُ أن يشمِّرَ عن ساعديه.. يا عالمُ شبابنا في الطرقاتِ.. في الليالي يسهرون على قارعة الطريق يُمعنونَ خفراً في الأرض.. يغتالهم ويقطف ثمرة شبابهم سافلٌ يبيعُ السمومَ على دراجةٍ ناريةٍ.. ويمضي والعيون ترى وتَدمعُ لكنّ الأيدي مكتوفة.. مات كلُّ شيء.. ويموت كلُّ شيءٍ غداةَ ينفضُ الجميعُ أيديهم.. تموتُ مساحاتُ الخضرةِ في الأرضِ.. ويخبو ضوءُ الروحِ وتنتشِرُ العُتمةُ ولا يرى الخلقُ مناراتِ العشقِ التي تُضيئها مشاعلُ الدَّمِ على التلالِ ولا تلك التي تُذْكِيها الأرواحُ الدائرةُ في مداراته.. يخبو العشقُ ذاتُهُ، وتذبُلُ المعاني ويضيعُ الإنسانُ في الدروبِ كما تضيعُ الدروب من الإنسان.‏

أعطني نفسي أيها الشَّبَحُ الماثِلُ عُتْمَةً تتكوَّرُ في قلبي، وشوكاً في مدى دربي، وأسئلةً مرةً ملغَّزَةً تتكوَّمُ على الشفاه.. أعطني نفسي فلستُ مسلِّماً شيئاً مني لك ولا مُعْلِناً تسليماً بقدَرك.. تقولُ لي: إنني أنتْ، وإننا الصوتُ والصدى والجسدُ وظِلُّهُ؟! أعطني شيئاً مني إذنْ أتعرَّفُ به عليكَ فقد زاغت نفسي من نفسي، وتاه مني ما أعرِّفُ به ذاتي.. لقد اجتاحَ نفسي تيارُ ريحٍ قطبيٍّ فأسقطها في مداهُ وأسلَمَتْها عاصفةُ البرِّ إلى عاصفةِ البحر.. وها هي يَتَخَطَّفُها هياجُ بحرٍ أعاصيرُه براكين!؟ لقد اختلطتْ أشياءُ كثيرةٌ.. الصدقُ تعفَّرَ بالكَذِبْ.. والحقيقةُ يرادُ لها أن تكونَ إبرةً في كومةٍ من القش.. الصدقُ تعفَّر بالكذبِ.. وللكَذِبِ أعْلامٌ يرفعونَ أعلامَ الصِّديقينَ وراياتِ الشهداءِ ويسرقون الشهادةَ والبطولةَ ومشاعلَ الدمِ ليصنعوا دروبَ النورِ على هواهم.. إنهم يحصدونَ بَذَارَ غيرهِم ويُصْبِحُ الدمُ والشهادةُ لديهم تجارة.. كادَ كلُّ شيءٍ جميلٍ وبهيٍّ وصحيحٍ يغيبُ في عُتْمَةِ الزَّيْفِ وزيفِ العتمةِ..

أيها الشبحُ الذي يبيع الموت على الطرقاتِ.. حتى النورُ في القلبِ خالَطَتْهُ خيوطُ زَيْفٍ فيقدِّمُ نفسَهُ أشعةَ نورٍ.. كلُّ شيءٍ يضمحِلُّ ويغيبُ ويتهدَّمُ، وكادَ يتكسَّرُ الصاري الذي يحملُ شراعَ الروح..‏ أَعِدْ لي شيئاً من روحي لأزْرَعَ روحيَ من جديدٍ فوقَ هامةِ الوجود إرادةَ صمود.. أعد لي ذاتيَ أو غِبْ من حياتي فقد سئِمْتُ الرماديَّ وأمشاجَ الزَّيْفِ التي تتداخَلُ مع خيوطِ الحقيقةِ لتصنعَ سجادةَ صلاةِ فجرِ الإنسانِ وفجرِ الحقيقةِ في كاذِبِ الأزمان.

اعلى الصفحة