عودة العلاقات التركية الإسرائيلية بين الاعتذار والصفقة

السنة الثانية عشر ـ العدد 137 ـ ( جمادى الثانية ـ رجب 1434  هـ ) أيار ـ 2013 م)

بقلم: خورشيد دلي(*)

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

ثمة جدل كبير بشأن عودة العلاقات التركية الإسرائيلية إلى مجاريها بعد الاعتذار الشفهي الذي قدمه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى نظيره التركي رجب طيب أردوغان بحضور الرئيس الأمريكي باراك أوباما خلال زيارة الأخير للمنطقة في منتصف آذار/ مارس الماضي.

وقد جاء هذا الاعتذار بعد نحو ثلاث سنوات من جريمة الاعتداء الإسرائيلي على سفن أسطول الحرية وقتل تسعة ناشطين أتراك كانوا على متن سفينة مافي مرمرة في الحادي والثلاثين من أيار/ مايو عام  2010، وهي جريمة أثارت التوتر في العلاقات التركية الإسرائيلية خصوصاً بعد أن اشترطت أنقرة عودة العلاقات مع الكيان الإسرائيلي بثلاثة شروط أساسية وهي: تقديم اعتذار مكتوب موجه للشعب التركي، تعويض أهالي الضحايا، ورفع الحصار عن قطاع غزة.

وعليه، فإنه في ضوء الشروط التركية أعلاها ثمة أسئلة كثيرة عن دلالات عودة  العلاقات التركية الإسرائيلية في هذا التوقيت؟. وهل الاعتذار الإسرائيلي جاء مطابقاً للشروط التركية؟ وهل لتوقيت الاعتذار علاقة بالأزمة السورية وتداعياتها على الجانبين؟ وأين الدور الأمريكي في كل ما جرى؟ وفي النهاية ماذا سيترتب إقليمياً على عودة الدفء إلى التحالف التقليدي بين تركيا والكيان الإسرائيلي؟ حيث من المعروف أن الجانبين هما حليفان تاريخيان للولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وهنا ينبغي التذكير بأن تركيا كانت أول دولة إسلامية تعترف بالكيان الإسرائيلي في آذار عام 1949 وهي أول دولة إسلامية انضمت مبكراً إلى عضوية الحلف الأطلسي عام 1952، كما أنها أول دولة إسلامية وقعت اتفاقية أمنية في عام  1958 مع الكيان الإسرائيلي للتعاون الأمني ضد دول الجوار العربي والإسلامي.

هل جاء الاعتذار مطابقاً للشروط التركية؟

فور الإعلان المفاجئ عن الاعتذار الإسرائيلي والذي كان الانجاز الوحيد لزيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى المنطقة، بادر رئيس الوزراء التركي رجب طيب  أردوغان إلى القول إن اعتذار نتنياهو حقق الشروط التركية وإن عودة العلاقات بين الجانبين سيخدم السلام والاستقرار الإقليمي في المنطقة، بل إن الصحافة التركية التابعة له وصفت ما جرى بــ(ركوع إسرائيل أمام أقدام تركيا) في ظل حملة تركية تتحدث عن انتصار الدبلوماسية التركية وسط حرص تركي على القول إن الاعتذار الإسرائيلي ليس له علاقة بالأزمة السورية وتداعياتها.

في المقابل كانت التصريحات الإسرائيلية مختلفة تماماً، سواء لجهة أسباب عودة العلاقة بين الجانبين أو لجهة مضمون الاعتذار، فنتنياهو قال بالحرف (إن الواقع المتغير من حولنا يلزمنا دائماً بمراجعة علاقتنا في المنطقة) في إشارة إلى الأزمة السورية، فيما قال الجنرال يعقوب عميدور رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي (إن الوضع في سوريا كان السبب الرئيس لتجديد العلاقات بين إسرائيل وتركيا) وعلى غراره يقول المعلق العسكري لصحيفة هآرتس عاموس هرئيل: (إن المصالحة بين الجانبين ستساهم في التنسيق بين تركيا وإسرائيل بالشأن السوري.

قبل الحديث عن مصداقية أي من الجانبين، لا بد من التوقف عند مضمون الاعتذار الإسرائيلي، وهل جاء حقاً وفقاً للشروط التركية؟.. في قراءة بسيطة لما جرى يمكن التوقف عند النقاط التالية:

1- إن الاعتذار الإسرائيلي كان شفهياً من خلال اتصال هاتفي رتبه أوباما بين نتنياهو وأردوغان ولم يكن كتابياً أو موجهاً للشعب التركي كما طالب أردوغان بذلك مراراً، بل إن وزارة الخارجية الإسرائيلية رفضت حتى نشر مضمون الاعتذار الشفهي الذي جاء على لسان نتنياهو على موقعها الالكتروني بعدما طالب الجانب التركي بذلك.

2- إن الاعتذار لم يتضمن شرط رفع الحصار عن قطاع غزة، وعندما حاولت تركيا القول إن الاعتذار تضمن ذلك أنبرى الكيان الإسرائيلي إلى تكذيب الخبر، مؤكداً أنه لا يتضمن رفع الحصار، وهو ما دفع بأردوغان إلى وضع الأمر في خانة تسهيل الإجراءات المتعلقة بغزة أي إدخال المواد عبر المعبر وحركة مرور الأشخاص.

3- إن أردوغان وبمجرد الاعتذار الإسرائيلي الشفهي بادر إلى إلغاء مطلب المحاكمة الدولية ومجمل ما فعله القضاء التركي بهذا الخصوص بعد أن بذلت المنظمات الحقوقية جهوداً كبيرة في هذا المجال أملاً في محاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين، وهو بذلك تجاوز البرلمان التركي وقراراته في هذا المجال، ولعل هذا ما دفع بزعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض كمال كليجدار أوغلو إلى اتهام أردوغان بتحويل المؤسسات التركية إلى مجرد مكاتب تخضع لأوامره، وهذا ما يكشف حقيقة زيف الحديث عن الديمقراطية والمؤسساتية في تركيا وحقيقة دكتاتورية أردوغان الذي يتصرف كسلطان عثماني، فهو نفسه ألغى إبحار أسطول الحرية الثاني من ميناء اسطنبول بعد أن كان مقرراً ذلك، ولعل الأخطر في هذا الموضوع هو أن إلغاء أردوغان للجانب القضائي من القضية حول الاعتداء الإسرائيلي على سفينة مافي مرمرة إلى مجرد خطأ تقني من قبل السلطات الإسرائيلية وليست جريمة اعتداء واضحة تستوجب المحاسبة، كما شكل ذلك ضربة للقضاء التركي الذي عقد عدة جلسات محاكمة غيابية ضد الجنرالات الإسرائيليين الذين تورطوا في الاعتداء على سفينة مرمرة وطلب محاكمة دولية لهم، فجاء قرار أردوغان ليلغى كل هذا الجهد القضائي.

4- فيما يتعلق بقضية تعويض أهالي الضحايا الذين كانوا على متن سفينة مافي مرمرة كانت أنقرة اشترطت مليون دولار عن كل ضحية ولكن الكيان الإسرائيلي رفض ذلك واقترح التعامل في هذا الموضوع وفقاً للقانون التركي الذي ينص على تعويض أي ضحية خلال الحرب بمبلغ سبعين ألف دولار مع الإشارة  إلى أن الجانب الإسرائيلي اقترح دفع مبلغ مئة ألف دولار عن كل ضحية.

في الواقع، من الواضح أن مضمون الاعتذار الإسرائيلي لم يكن وفقاً لشروط الحكومة التركية، بل إن جل ما جاء فيه عرضه الكيان الإسرائيلي سابقاً على أنقرة التي رفضته في حينه، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما الذي دفع بأنقرة إلى قبول الاعتذار الإسرائيلي على هذا النحو بعدما رفضته في السابق؟ وما دلالات عودة العلاقات بين الجانبين في هذا التوقيت؟

دلالات عودة العلاقات التركية الإسرائيلية

لا شك أن الإعلان عن عودة العلاقات التركية الإسرائيلية برعاية أمريكية مباشرة لم يكن سببه الاعتذار الإسرائيلي، بقدر ما كان  لأسباب سياسية بالدرجة الأولى لها علاقة أولاً، بكون الدولتين  حليفتين إستراتيجيتين للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط ولهما دور وظيفي في الإستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة، وعليهما القيام بهذا الدور حينما تقرر واشنطن ذلك. وثانياً، بسبب الحاجة التركية الإسرائيلية إلى كيفية التعامل مع الأزمة السورية وتداعياتها الإقليمية خصوصاً بعد أن أخفقت الإستراتيجية التركية في تحقيق أهدافها بخصوص هذه الأزمة ووصول هذه الإستراتيجية إلى ما يشبه التآكل والخوف من ارتداد التداعيات على داخل تركيا بسبب التورط التركي عسكرياً وسياسياً في الأزمة السورية على الأرض. وثالثاً، فإن عودة العلاقة بين الجانبين يعني عودة التحالف العسكري التركي - الإسرائيلي بما يعني ذلك التوطئة لحروب محتملة في المنطقة، خصوصاً بعد نشر تركيا للدروع الصاروخية الأمريكية ومن ثم صواريخ باتريوت على أراضيها.

بمعنى أخر، فإن من يدقق في توقيت الاعتذار الإسرائيلي وعودة الدفق السياسي للعلاقات بين أنقرة وتل أبيب لا بد أن يرى أن المسألة أقرب إلى صفقة سياسية من مجرد اعتذار، فالدلالات الإقليمية واضحة من خلال المعطيات التالية:

1- إحساس الجانبين التركي - الإسرائيلي بالحاجة الماسة إلى بعضهما البعض بشأن كيفية التعامل مع تداعيات الأزمة السورية ولاسيما في ظل التخوف المشترك من صعود الجماعات الإسلامية المتشددة في سوريا، ولعل هذا هو السبب الأساسي للقبول التركي بالاعتذار الشفهي بعد ان كانت تشترطه مكتوباً.

2- إن حصول الإعلان خلال زيارة أوباما يؤكد أهمية الدولتين ودورهما التكاملي في الإستراتيجية الأمريكية إزاء الشرق الأوسط، والدور الوظيفي المعهود لهما في هذه الإستراتيجية لرسم المعالم الإقليمية في الشرق الأوسط في ظل التطورات المرتقبة في سوريا واحتمال سقوط  النظام السوري وتداعيات هذا السقوط على أمن الجانبين والمنطقة.

3- إن الانعطاف التركي الجديد نحو الكيان الإسرائيلي له علاقة بما وصلت إليه السياسة التركية إزاء الأزمة السورية والاصطدام بالبعد الإقليمي وتحديداً دور كل من إيران وروسيا والعراق وحزب الله، حيث كان لهذا البعد الدور الأكبر حتى الآن في صمود النظام السوري، إذ بدا الدور التركي بعد سنتين من عمر الأزمة السورية وكأنه محدود وفقد الكثير من أوراقه وعناصر قوته لاسيما في ظل قدرة النظام السوري على تحريك أوراقه القادرة على إزعاج تركيا ودبلوماسيتها، بل إن تركيا بدت وكأنها في صدام إقليمي مباشر ومتعدد المستويات والدوائر مع إيران في ساحات سوريا والعراق ولبنان وفلسطين وصولاً إلى أرمينيا وأذربيجان.

4 لعل ما يشير أيضاً إلى البعد الإقليمي لإعلان عودة العلاقات التركية الإسرائيلية، هو تزامنه مع تطورات إقليمية مهمة، كاستقالة حكومة نجيب ميقاتي في لبنان والإعلان عن انطلاق قطار السلام الكردي التركي في عيد النوروز الذي أعلنه زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، فعلى الرغم من أن هذه الأحداث بدت منفصلة، وكل حدث يحمل مؤشراته الخاصة لجهة الإعداد لها، ولكنها في المحصلة تصب في بوتقة التطورات الإقليمية في الشرق الأوسط والتي لها علاقة بالأزمة السورية.

5- إن توقيت إخراج سيناريو الاعتذار إلى العلن لم يكن بعيداً عن تلك التقديرات الصادرة عن مراكز الأبحاث والدراسات الغربية والتي تشير إلى أن الأزمة السورية باتت تشكل المدخل المناسب لبعث التحالف القديم الجديد بين أنقرة وتل أبيب. والجميع يتذكر أن هذه العلاقات وصلت إلى مستوى التحالف العسكري عقب توقيع الجانبين على عشرات الاتفاقيات العسكرية غير المسبوقة عام 1996 منها اتفاقية السماح للطائرات الإسرائيلية باستخدام الأجواء التركية والتي كانت تستغل لأغراض التجسس على دول المنطقة وتحديداً سوريا والعراق وإيران.

ماذا تعني عودة العلاقات التركية الإسرائيلية؟

لا يمكن النظر إلى عودة العلاقات التركية الإسرائيلية في هذا التوقيت على أنها مجرد عودة علاقات عادية بين دولتين تحدث بينهما مشكلات وخلافات لهذا السبب أو ذاك، إنما يجب النظر إلى هذه العودة على أنها مسار للتحالفات الإقليمية واستجابة للسياسة الأمريكية التي تقف وراء مثل هذا التحالف.

على المستوى الثنائي، يمكن القول إن عودة العلاقات التركية الإسرائيلية تعني العودة التدريجية القوية إلى الصفقات العسكرية والتنسيق الأمني بين الجانبين في ظل التعاون التاريخي بينهما في هذه المجالات، فالكيان الإسرائيلي وقع صفقات عسكرية ضخمة مع تركيا خلال السنوات الماضية تقدر بمئات ملايين الدولارات، تتضمن شراء طائرات إسرائيلية من دون طيار وتحديث الدبابات التركية والطائرات الحربية من نوع (أف 16) وأجهزة ومعدات حربية متطورة و غيرها من أوجه التعاون العسكري والأمني، فضلاً عن إجراء مناورات عسكرية مشتركة. وعلى المستوى الإقليمي فإن لهذه العودة ستكون تداعيات كبيرة انطلاقاً من تطور المسار العسكري والأمني للعلاقة بين الجانبين، سواء على مستوى التعاون الإقليمي في الملف السوري، ليس على مستوى كيفية مواجهة التداعيات الأمنية الحدودية فحسب بل على مستوى محاولة إيصال قوى محددة إلى السلطة وصوغ سياسة جديدة لسورية، وفي العمق فإن هذه سياسة أمريكية بالدرجة الأولى، والدوران التركي والإسرائيلي هنا يأخذان منحى تنفيذ هذه السياسة.

وفي التداعيات الإقليمية أيضا فإن عودة التحالف التركي الإسرائيلي القديم الجديد، هي تشبه التوطئة لاحتمال الحرب ضد إيران خصوصاً إذا عادت الطائرات الإسرائيلية تحلق في الأجواء التركية في ظل وجود الدرع الصاروخية الأمريكية وصواريخ باتريوت على الأراضي التركية، والموافقة التركية على استفادة  الكيان الإسرائيلي من المعلومات الأمنية التي توفرها هذه الدروع والصواريخ على الأراضي التركية بعد أن رفضت أنقرة ذلك طويلاً.

في الواقع، يمكن القول إن التقدير العام الأمريكي والتركي والإسرائيلي هو أن النظام السوري لن يصمد طويلاً، وأن عودة العلاقة بين أنقرة وتل أبيب ستكون لها التأثير الأكبر في كيفية التعامل مع تداعيات الأزمة السورية، سواء فيما يتعلق بالأسلحة الكيميائية أو المجموعات الدينية المتشددة المسلحة أو مواقف حلفاء النظام السوري. كما أن مثل التعاون سيوثق من الخطوات التركية الإسرائيلية وبرعاية أمريكية في كيفية التعامل مع الملف الإيراني ولاسيما الجانب النووي منه خصوصاً بعد حديث أوباما خلال زيارته للمنطقة أن الكيان الإسرائيلي ليس بحاجة إلى إبلاغ واشنطن في حال قرر الهجوم على المفاعلات النووية الإيرانية، وهو ما دفع بطهران إلى الرد بحزم على تصريحات أوباما هذه.

دون شك، الدلالات السياسية الإقليمية للعلاقة التركية الإسرائيلية حاضرة بقوة في صفقة الاعتذار الإسرائيلي، وإذا كان الأمر بالنسبة للكيان الإسرائيلي طبيعياً وبمثابة سياسة مدروسة لها أهداف واضحة تتعلق باستخدام الدور التركي في المنطقة لصالح المخططات الإسرائيلية، فإنه بالنسبة للجانب التركي كشف لأزمة السياسة التركية وازدواجية هذه السياسة، فمن جهة تنتهج هذه السياسة خطاباً إسلامياً موجهاً للشارع العربي والإسلامي بغية كسب المزيد من الشعبية في هذا الشارع والمساهمة في دعم حركات إسلامية من لون محدد وتحديداً حركات الأخوان المسلمين بغية إيصالها إلى سدة المشهد السياسي أملاً في رسم ملامح سياسية محددة للمنطقة. ومن جهة ثانية تكشف عن حقيقة الدور الوظيفي لتركيا في منظومة الإستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط وممارسات هذه السياسة على الأرض.

شواهد سبقت الاعتذار

قد يبدو للبعض أن العلاقات التركية الإسرائيلية كانت في قطيعة تامة قبل الاعتذار الإسرائيلي والإعلان الرسمي عن عودة العلاقات بين الجانبين، ولعل مفاد هذا الاعتقاد تلك الحملات الإعلامية والمواقف التي كان بطلها بامتياز رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، بدءاً من حادثة دافوس الشهيرة ومروراً بأحاديثه الكثيرة عن غزة والقدس وفلسطين وليس انتهاءً بتصريحاته الأخيرة عن أن الصهيونية معادية للسلام ومقارنتها بالنازية والتي أضطر إلى تقديم الاعتذار عنها، عندما قال أن تصريحاته عن الصهيونية فهمت بطريقة خاطئة. إلا أن الحقيقة أنه في زحمة هذه الحملات والمواقف الإعلامية ظلت العلاقات بين الجانبين جيدة، وفي جوانب محددة كانت أفضل من ما سبق، بل في أحيان كثيرة برزت مواقف غريبة ومثيرة من الجانب التركي، ففي شواهد هذه العلاقة يمكن التوقف عند ما يلي:

1- اضطرار تركيا قبل نحو شهر من الاعتذار الإسرائيلي إلى الإعلان عن التوقيع على صفقة أسلحة ومعدات عسكرية مع الكيان الإسرائيلي بقيمة مئة مليون دولار وذلك بعد يوم من تسريب الصحافة الإسرائيلية للخبر، وقد كان هذا الإعلان الرسمي بمثابة بداية جديدة لعودة العلاقات العسكرية التركية الإسرائيلية على الرغم من أن الاعتذار الإسرائيلي لم يكن صدر بعد، وقد كان الدور الأمريكي لافتاً في عقد هذه الصفقة حيث أن شركة بوينع الأمريكية هي التي نظمت الصفقة بين شركة آلتا الإسرائيلية والجانب التركي على أساس تطوير المنظومة الجوية التركية بطائرات أواكس.

2- على المستوى الاقتصادي تقول التقارير إن حجم  التبادل التجاري بين الجانبين كان في عام 2011 مليار وثمانمائة مليون دولار فيما بلغ عام 2012 مليارين وسبعة عشر مليون دولار، أي بزيادة قدرها نحو 15٪. وكان لافتاً ازدياد نسبة شراء الكيان الإسرائيلي للسيارات التركية خلال السنتين الماضيتين.

3- على المستوى الأمني كان لافتاً وغريباً في وقت واحد الموافقة التركية على استفادة الكيان الإسرائيلي من المعلومات الأمنية للحلف الأطلسي على الأراضي التركية، حيث اشترط الحلف مسبقاً نشر بطاريات صواريخ باتريوت على الأراضي التركية بمثل هذه الموافقة، وهذا أمر خطير نظراً لأنه يعطي كل البيانات الأمنية التي يوفرها الحلف الأطلسي للكيان الإسرائيلي، وهي بيانات تتعلق بالتجسس على إيران والعراق وروسيا وسوريا والأمن الإستراتيجي لهذه الدول.

4- إلى جانب التعاون الأمني والاقتصادي لم تنقطع الزيارات واللقاءات السرية العالية المستوى بين الجانبين، ولعل من أهم هذه اللقاءات ذلك الذي جرى بين رئيس الاستخبارات التركية هاكان فيدان ونظيره الإسرائيلي تايمر باردو في القاهرة خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها أردوغان إلى مصر، وكذلك اللقاء الذي جرى قبل أيام من عقد الصفقة العسكرية بين الجانبين في أنقرة بين عضو الكنيست الإسرائيلي نيسين شتريت الذي كان مبعوثاً من نتنياهو ووزير الخارجية التركية الأسبق ياشار ياقيش بوصفه مبعوثا شخصيا لأردوغان، وقد كان الهدف من هذا اللقاء إعادة الدفء إلى العلاقات بين الجانبين خصوصاً بعد استقالة وزير الخارجية الإسرائيلية أفيغدور ليبرمان الذي رفض تقديم أي اعتذار للجانب التركي عن ما جرى لسفينة ما في مرمرة، بل أنه كان يطالب تركيا بمثل هذا الاعتذار..

5- وفي سياق المواقف برزت مواقف غريبة من أردوغان تجاه الكيان الإسرائيلي، ولاسيما عند قرر على وجه السرعة إرسال طائرات وفرق تركية للمشاركة في الحرائق الضخمة التي اندلعت في جبال الكرمل في شمال فلسطين المحتلة، حيث كادت هذه الحرائق أن تسقط حكومة نتنياهو بسبب عجزها عن الحد منها، والغريب أن هذا الموقف من أردوغان جاء في ذورة الخلاف الإعلامي بين الجانبين بشأن الاعتداء الإسرائيلي على سفن أسطول الحرية، واستدعاء الخارجية الإسرائيلية السفير التركي في تل أبيب وتوجيه إهانة مباشرة له عندما تم إجلاسه على كرسي منخفض.

في الواقع، من مجمل ما سبق، من شواهد التعاون واللقاءات وصولاً إلى الاعتذار الإسرائيلي لتركيا والإعلان عن عودة العلاقات بينهما، تبدو هذه العلاقة وكأنها دخلت إلى مرحلة جديدة، مرحلة تستند إلى مسألتين أساسيتين:

الأولى: تلك التقديرات الغربية والإسرائيلية والتركية المشتركة والتي تشير إلى أن الأزمة السورية باتت تشكل مدخلاً مناسباً لبعث التحالف القديم - الجديد بين الجانبين، وأن النظام في سوريا لن يصمد طويلاً، وبالتالي ضرورة التنسيق والتعاون بين هذه الأطراف في كيفية مواجهات التداعيات حيث يطمح كل طرف إلى توزيع الأدوار من أجل إقامة نظام إقليمي جديد في المنطقة على وقع تطورات الأزمة السورية.

الثانية: عودة تركيا إلى القيام بالدور الوظيفي الكامل في المنظومة الأمريكية الإسرائيلية تجاه دول المنطقة خلافاً لشعاراتها الإسلامية وذلك بعد أن نجحت في جعل نفسها راعية لحركات الإسلام السياسي ولاسيما الإخوان المسلمين في العالم العربي.

الراعي الأمريكي وسياسة المثلث

قامت الولايات المتحدة الأمريكية منذ خمسينيات القرن الماضي بدور الراعي للعلاقات التركية الإسرائيلية وكان لها على الدوام الدور البارز في توثيق هذه العلاقات حتى وصلت إلى مستوى التحالف الإقليمي الذي له وظائف سياسية تجاه دول المنطقة، وإلى جانب دور الرعاية هذه شكلت السياسة الأمريكية بعلاقاتها القوية مع كل من أنقرة وتل أبيب ما يشبه المثلث الذي يتكامل أضلاعه ويقوم كل ضلع بوظيفته، ولو اختلفت طبيعة هذه الوظيفة ، ولكنها تتكامل وتصب في النهاية في الإستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط.

لقد جعلت الولايات المتحدة كلاً من تركيا والكيان الإسرائيلي في حاجة دائمة لبعضهما بحكم الموقع الجغرافي وتكامل الأدوار في الصراع الجاري في منطقة الشرق الأوسط منذ عقود وإلى اليوم، ولعل خير من يترجم هذه السياسة على الأرض هذه الأيام هو وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، فمنذ تسلمه منصبة لا يتوانى عن القيام بجولات مكوكية إلى المنطقة، وفي كل جولة يحرص على زيارة أنقرة قبل أن ينتقل إلى الكيان الإسرائيلي في إشارة إلى الأهمية التي توليها واشنطن للدور التركي في الإستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط في هذه المرحلة. وعليه كلما زار جون كيري أنقرة كان يقول للمسؤولين الأتراك ضرورة إصلاح العلاقة مع الكيان الإسرائيلي، وعندما نجح رئيسه أوباما في إخراج سيناريو الاعتذار الإسرائيلي الشفهي سرعان ما عاد كيري إلى أنقرة ليطلب منها التطبيع الكامل مع الكيان الإسرائيلي، واضعاً القضية في خانة(السلام والاستقرار الإقليمي). ويبدو أن كيري يدرك ضعف أنقرة أردوغان فوعدها بدور في القضية الفلسطينية في المرحلة المقبلة، وهو ما يلهب عواطف أردوغان وتطلعه إلى الظهور بمظهر المدافع عن القضية الفلسطينية والقدس في إطار ثقافة عثمانية قديمة جديدة، يريد أردوغان منها الظهور في الشارع العربي بمظهر البطل الذي يدافع عن القضايا الإسلامية، فيما سقف هذا التحرك لا يخرج عن ما هو مرسوم أمريكياً، والدور التركي هنا مدروس بدقة ويخدم السياسة الأمريكية التي تقول ليلاً نهاراً إن أمن الكيان الإسرائيلي قضية ثابتة وهي فوق كل نقاش وأولوية.

في مقابل الرغبة التركية هذه، ثمة رغبة إسرائيلية حثيثة بالاستفادة من الدور التركي ، سواء لصالح إيجاد تسوية مقبولة للصراع مع الفلسطينيين بشروط إسرائيلية حيث ينصب الجهد في المرحلة الحالية على إشراك قوى المقاومة وتحديداً حركة حماس في عملية التسوية، وعلى المستوى الثنائي تبدو العلاقات الاقتصادية والتجارية والعسكرية والأمنية مغرية للجانبين وسط آمال مشتركة بإقامة مشاريع إقليمية ضخمة في مجال المياه (مشروع أنابيب السلام مشاريع مياه غاب في جنوب شرق تركيا) والنقل والغاز (يجري الإعداد لمشاريع بهذا الخصوص في البحر المتوسط). وعلى المستوى الإقليمي معروفة تلك المساعي الإسرائيلية الرامية إلى وضع دول المشرق العربي وتحديداً سورية بين فكمي الكماشة التركية الإسرائيلية، فيما حلم الكيان الإسرائيلي يبقى في كيفية توظيف هذه العلاقة ضد إيران التي تصاعدت دورها الإقليمي في العقد الأخير.

دون شك، مع الاعتذار الإسرائيلي دخلت العلاقات التركية الإسرائيلية مرحلة جديدة حيث يطمح كل طرف إلى تحقيق التطلعات المتبادلة في السيطرة والهيمنة على المنطقة انطلاقاً من وظيفة كل طرف في الإستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط وصولاً إلى أقصى الشرق.

كاتب وباحث بالشؤون التركية(*)

اعلى الصفحة