تحولات المشهد الإسرائيلي لخدمة المشروع الصهيوني

السنة الحادية عشر ـ العدد133 ـ ( محرم ـ صفر 1433  هـ ) كانون أول ـ 2012 م)

بقلم: عدنان.. ع

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

يتضح من قراءة محاضر المؤتمرات الصهيونية ومقرراتها وخططها ومن نشاط قادة الحركة الصهيونية وأفكارهم ومذكراتهم وأعمالهم من "هرتزل" و"وايزمان" و"بن جوريون" و"ليفي اشكول" و"موشي ديان" وغيرهم... أن العوامل الأمنية كانت تتحكم في تفكيرهم فيما يتعلق بإستراتيجية المشروع الصهيوني القائمة على مزاعم وحجج باطلة تقول:

أن إقامة "إسرائيل" هي الحل المنشود للمشاكل اليهودية في العالم. ولما كان كل يهودي ينتمي إليها بحكم يهوديته فلا بدّ لها أن تكون بالقدر الذي يستوعب جميع أبناء "الأمة اليهودية". وأن فلسطين هي أرض "دولة إسرائيل" التاريخية الدينية، وهي ملك لليهود بحكم النشأة التاريخية لـ"لأمة اليهودية" هناك وبحكم ارتباط الدين اليهودي بالأرض المقدسة. وهي أرض اليهود الموعودة والتي يجب أن تشمل جميع الأماكن التي تحرك فيها اليهود والأماكن التي أقامت فيها القبائل العبرية في الماضي. وإن "دولة إسرائيل" في فلسطين يجب أن تتمتع بمقومات الدولة القادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي الاقتصادي والقوة العسكرية. ويجب أن تمتد بحيث تشمل مصادر القوة والأرض الواسعة والمياه الضرورية للزراعة والصناعة، والمراكز الإستراتيجية التي تضمن السيطرة الدفاعية والهجومية على الأراضي المجاورة. كما أن إن "دولة إسرائيل" يجب أن تكون قادرة على إسداء خدمات للدولة الإمبريالية التي ترعى قيامها كنوع من المكافأة مقابل الخدمات المبذولة لتمكين اليهود من إقامة دولتهم. وقد تم ذلك بالنسبة لبريطانيا في أعقاب الحرب العالمية الأولى حتى اشتراكها في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. ثم تبدل الوضع بعد ذلك لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية خدمة للمصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

فإذا كانت كل هذه المزاعم والأوهام هي التي شكلت البنية الأساسية لإستراتيجية المشروع الصهيوني. فكيف استطاع النظام الحزبي السياسي في الكيان الإسرائيلي توظيف إمكانياته المتاحة لخدمة هذا المشروع ولمواجهة التحديات البنيوية التي تعصف به منذ اليوم الأول لنشأته على أرض فلسطين التاريخية؟.

كثرة الأحزاب وتواليها

يتسم النظام السياسي الحزبي في الكيان الصهيوني بسمات عامة يساعد الإلمام بها في فهم عدد من الظواهر في الحياة السياسية والحزبية في "إسرائيل". فمن أبرز سمات هذا النظام كثرة الأحزاب وتوالي ظهور أحزاب جديدة وخصوصاً قبيل الانتخابات العامة - وغالباً ما تختفي معظم هذه الأحزاب بعد الانتخابات مباشرة, أو خلال دورة "كنيست" (أربعة أعوام إذا لم تجر انتخابات مبكرة) أو دورتين, فقد خاضت انتخابات الكنيست في العام 1992, على سبيل المثال, ما لا يقل عن 25 قائمة انتخابية, بعضها مركب من ثلاثة أحزاب, ونجح منها في الوصول إلى الكنيست عشر قوائم. بينما خاضت انتخابات الكنيست الـ"19" هذا العام 2013, حوالي 34 قائمة.

وتعكس كثرة الأحزاب الانقسامات الاجتماعية/ الاقتصادية الموجودة في الكيان, وأبرزها الانقسام بين اليهود الشرقيين (السفارديم) واليهود الغربيين (الأشكنازيم), والانقسامات حول هوية الدولة وطابعها العام, وأبرزها الانقسام بين اليهود الدينيين والعلمانيين, والانقسامات حول مصير الأراضي العربية المحتلة وقضايا التسوية مع الفلسطينيين والعرب, والانقسام بين اليهود والعرب في "إسرائيل".

وثمة سمة بارزة ثانية للنظام الحزبي السياسي هي كثرة الانشقاقات والاندماجات, وتوالي نشوء تكتلات انتخابية برلمانية من المألوف عادة أن تحتفظ الأحزاب المتكتلة فيها بأطرها ومؤسساتها الحزبية المستقلة بينما تنشط انتخابياً وبرلمانياً في إطار التكتل العام ومن خلال هيئات مشتركة متفق عليها, مع ملاحظة أن التكتلات تتم عادة بين أحزاب متشابهة في النظرة العامة والأهداف البعيدة المدى أو الأهداف الحيوية. وقد تنتهي هذه التكتلات بمرور الوقت إما باندماج الأحزاب المكونة لها, كلها أو بعضها, وإما بانفراط عقدها, كلياً أو جزئياً.

وهناك سمة بارزة ثالثة للنظام الحزبي هي الأدوار المتعددة التي يلعبها بعض الأحزاب, والتي يخرج قسم منها على النطاق السياسي المحض أو الدور المألوف للأحزاب في الديمقراطيات الغربية. وهي أدوار متحدرة من فترة "الييشوف", عندما كانت هذه الأحزاب تتولى مباشرة جلب المهاجرين اليهود من أعضائها وأنصارها وتوطينهم, وتوفير أماكن سكن وعمل لهم,  ورعايتهم صحياً واجتماعياً, وتثقيفهم سياسياً, ودمجهم في الشرائح الاجتماعية التي تتشكل قواعدها الحزبية والشعبية منها.

وتكفي نظرة خاطفة إلى تواريخ الأحزاب السياسية الإسرائيلية, كبيرها وصغيرها, لإصابة المرء بالدوار من جراء التغيرات المتلاحقة في الخريطة الحزبية السياسية التي تعصف بالكيان.

هذا وقد أظهرت نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، ظاهرتين هما أولاً أن المجتمع الإسرائيلي ديناميكي متحرك يميل للتغيير والتبديل، وثانياً أن الرأي العام فيه هو الذي يتحكم بنتائج صناديق الاقتراع وإفرازاتها، وبالتالي فهو الذي يصنع السياسة الإسرائيلية ويتحكم بمسارها ويفرز قياداتها ويقوي أحزابها أو يضعفها أو حتى يزيلها.

يبدو للوهلة الأولى أن نتائج الانتخابات للكنيست الصهيوني تحمل مؤشراً أو أكثر لتغيير معين في المشهدين الحزبي والسياسي في "إسرائيل". تلخصت نتائج الانتخابات في فوز تحالف الليكود - بيتنا بـ31 مقعداً، وحزب يش عتيد (يوجد مستقبل) بـ19 مقعداً، وحزب العمل بـ15 مقعداً، والبيت اليهودي بـ12 مقعداً، وشاس بـ11 مقعداً، ويهدوت هتوراة بسبعة مقاعد، وحزب الحركة بستة مقاعد، وحركة ميرتس بستة مقاعد، وحزب كديما بمقعدين، والقائمة الموحدة - العربية للتغيير بأربعة مقاعد، والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة بأربعة مقاعد، والتجمع الوطني الديمقراطي بثلاثة مقاعد.

وبدت النتائج مخيبة لتوقعات التيارات اليمينية والدينية التي حصلت على 61 مقعداً، مقابل 48 مقعداً لأحزاب الوسط واليسار، و11 مقعداً للأحزاب العربية. لكن حقيقة الأمر أن شيئاً جوهرياً لم يتغير، وأن سياسات الحكومات القادمة ستكون مشابهة لما هو قائم، مع بعض التحولات الشكلية.

لقد كان واضحاً أن محددات اقتصادية واجتماعية هي التي أثرت على اتجاهات التصويت لدى الناخب الإسرائيلي في الانتخابات الأخيرة, فحزب "ييش عتيد" برئاسة الإعلامي السابق يائير لبيد حقق مفاجأته المدوية, وحل في المرتبة الثانية بعد تحالف الليكود- إسرائيل بيتنا لأنه رفع بقوة راية الدفاع عن حقوق ومطالب الطبقة الوسطى, التي تمثل العمود الفقري للمجتمع في الكيان الصهيوني.

وصوتت الطبقة الوسطى للبيد, لأنه تبنى مطالبها الاقتصادية والاجتماعية من ناحية, وأعلن أنه لن يشذ عن موقف اليمين الإسرائيلي في كل ما يتعلق بعملية التسوية من ناحية أخرى.

تحديات ومهام

أوصى اثنان وثمانون عضواً من أعضاء الكنيست الإسرائيلي بتكليف بنيامين نتنياهو لتشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة للمرة الثالثة على التوالي.

حيث كانت المرة الأولى التي تكلف فيها نتنياهو لتشكيل الحكومة في العام 1996 وجاءت بعد اغتيال رئيس الوزراء السابق اسحق رابين حيث كان منافسه في ذلك الحين شمعون بيريز. كانت مهمة نتنياهو في حينه هي القضاء نهائيا على ما سمي بعملية السلام. لم يصمد سوى ثلاث سنوات وعلى الرغم انه نفذ جزء من استحقاقات أوسلو، حيث وقع اتفاق الخليل وواي ريفر الذي لم يبق منهم الاستيطان وإجراءات الاحتلال على الأرض أي شيء يذكر. نتنياهو ورغم خسارته انتخابات 1999 أمام باراك إلا أنه أنجز المهمة التي أوكلها له حزبه وهو التخلص من تبعات أوسلو إلا ما يخدم المصلحة الإسرائيلية.

الحكومة الثانية التي شكلها نتنياهو كانت عام 2009 على الرغم من حصول الليكود على سبعة وعشرين مقعداً فقط في حين حصلت كاديما بزعامة تسيفي ليفني على ثمانية وعشرين مقعداً، ولكن تحالف نتنياهو مع شاس وليبرمان ضمن له تشكيل الحكومة والتي كان أهم أهدافها ضمان عدم إعادة إحياء عملية السلام من جديد على أساس حل الدولتين وتعزيز الاستيطان بشكل يجعل من المستحيل تنفيذ هذا الحل على ارض الواقع. خلال السنوات الثلاث الماضية يمكن القول أن نتنياهو وحكومة اليمين التي تزعمها نجحت إلى حدٍ كبير في تحقيق هذه الهدف.

الحكومة الحالية الثالثة ستكون مهماتها مختلفة كثيراً، على الأقل فيما يتعلق بالموضوع الفلسطيني أو الموضوع السياسي حيث ليس هو الموضوع الرئيسي كما كان في السنوات الماضية بل سيكون واحد من أربعة أو خمسة مواضيع ستكون على سلم أولويات الحكومة الإسرائيلية القادمة.

 التحدي الأول الذي ستواجهه حكومة نتنياهو الثالثة هي كيفية التوفيق بين أقطابها المتناقضة في كل ما يتعلق بعلاقة الدين بالدولة والموقف من خدمة المتدينين في الجيش، أو ما يعرف بإعادة توزيع الأعباء. نتنياهو يدرك أن الظروف تغيرت وأن نتائج الانتخابات أعطت مؤشراً قوياً بأن الشارع الإسرائيلي يريد أن يرى تغييراً في الوضع القائم.

حركة شاس تدرك أن الزمن تغير وعليهم أن يُبدوا قليلاً من المرونة في كل ما يتعلق بخدمة المتدينين في الجيش, في حين حزب يهودوت هتوراة ليس لديهم استعداد لإبداء أي مرونة في تغيير الوضع القائم.

التحدي الثاني والذي لا يقل أهمية هو الموضوع الاقتصادي، أو بكلمات أخرى تمرير موازنة الدولة للعامين القادمين، آخذين بعين الاعتبار أن السبب الرئيسي والمباشر الذي اجبر نتنياهو على تقديم موعد الانتخابات هو شعوره بالعجز في تمرير الموازنة. الوضع لم يتغير بالنسبة له بل أصبح أكثر تعقيداً حيث تراجعت قوة الليكود ودخل لاعب جديد على الساحة اسمه يائير لبيد كل معركته الانتخابية كان عنوانها إعادة توزيع الأعباء حيث يعني ذلك إعادة النظر في كل سياسة نتنياهو الاقتصادية. إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار أن خزينة الدولة تعاني من عجز يزيد عن أربعين مليون شيقل فهذا يعني أن قرارات اقتصادية صارمة سيتم اتخاذها وستنعكس بشكل كبير على جيوب قطاعات واسعة من الإسرائيليين. السؤال هل ستنعكس أكثر على جيوب المستوطنين والحريديم وجيوب الأغنياء الذي خفف عنهم نتنياهو الضرائب أم سيواصل سياسته الاقتصادية في تحميل العبء الأكبر على الطبقة الوسطى كما فعل في السنوات الماضية؟.

التحدي الثالث هو الموضوع الأمني, صحيح أن حكومات إسرائيل المتعاقبة بشكل عام والحكومات اليمينية بشكل خاص كانت تغذي دوما نظرية العدو الخارجي الذي يتربص لهم في كل مكان ولكن التحديات الأمنية التي ستكون على جدول أعمال الحكومة القادمة هي كثيرة وملموسة. ما حدث من هجوم إسرائيلي على سوريا سيكون البداية لوضع امني جديد. هناك خطر حقيقي لحدوث تغيير جذري في المعادلة الأمنية والعسكرية القائمة منذ سنوات. التحدي الأكبر بالنسبة لإسرائيل هو حزب الله الذي يمتلك على الأقل خمسين ألف صاروخ تغطي كل شبر في "إسرائيل". إسرائيل تعاني من صواريخ الكاتيوشا وصواريخ فجر بأنواعها أكثر من صواريخ سكود التي يمكن إسقاطها بسهولة.

المشكلة الحقيقية لإسرائيل إذن هي حزب الله الذي ستكون المواجهة معه هي مسألة وقت فقط لأن إسرائيل لم تبتلع حتى الآن ما حدث لها في حرب تموز 2007. إسرائيل لديها الضوء الأخضر الأمريكي والغطاء الدولي والرأي العام الداخلي بالإقدام على أي خطوة من شأنها منع وصول أسلحة متطورة إلى حزب الله.

التحدي الرابع أمام حكومة نتنياهو القادمة هو الموضوع الفلسطيني. نتنياهو لا يؤمن بالسلام مع الفلسطينيين على أساس حل الدولتين بالمفهوم الدولي وليس فقط بالمفهوم الفلسطيني والعربي، وهو على غرار شامير يريد مفاوضات سلام وليس اتفاق سلام، يريد مفاوضات إلى الأبد دون آن يضطر إلى اتخاذ قرارات، والهدف من هذه المفاوضات هو إرضاء بعض الإسرائيليين الذين ما زالوا يؤمنون بالحل مع الفلسطينيين والاهم من ذلك إرضاء المجتمع الدولي. لو كان الأمر يتعلق بنتياهو لما فعل أي شيء سوى تعزيز الاستيطان ومواصلة تهويد القدس بشكل محموم، لكنه يدرك أن الوضع يتغير دولياً وإقليمياً وأن المزاج العام في إسرائيل والذي ترجمته نتائج الانتخابات غير راضي عن هذا الجمود السياسي الذي يبديه نتنياهو.

أما عن المهام المركزية التي ستحاول الحكومة الجديدة مواجهتها فهي:

1- محاولة الحفاظ على الطبقة الوسطى الآخذة بالتآكل والانحسار، من خلال تمسك حزب يوجد مستقبل بأجندته الاجتماعية التي خاض على أساسها الانتخابات وحقق انجازاته. ومطالب يوجد مستقبل توفير أماكن عمل، وتحسين ظروف السكن، وتسهيل امتلاك مساكن للأزواج الشابة، ورفع مستوى المعيشة. فحكومة نتنياهو التي وفرت هدوءاً نسبياً خلال دورتها الأخيرة لم تضمن لنفسها حصاداً موفقاً في المقاعد البرلمانية، لذا على يائير لبيد تعلم الدروس جيداً من هذا الواقع.

2- أمن "إسرائيل": هناك توافق وإجماع في هذا الجانب، وهو توفير حماية لـ"إسرائيل" وسط براكين ثائرة في منطقة الشرق الأوسط بما في ذلك: عدم الاستقرار في مصر بعد ثورة 25 يناير، واتساع رقعة المواجهات في سوريا، وذريعة الخوف من وقوع السلاح الكيماوي بأيدي منظمات "إرهابية" (كما تدّعي)، وبرميل انفجار في العراق، والأهم بين كلّ الملفات هو النووي الإيراني. ومعنى ذلك استمرار توجيه ميزانيات للتسلح، وترشيد أذرع الجيش الصهيوني، وترقب مستمر وحذر للحالة السائدة في الشرق الأوسط، والتلويح الدائم بالخطر الإيراني.

3- ملف الاستيطان: أظهرت الانتخابات جنوح معظم الأحزاب اليمينية والمركز وحتى ما يسمى "باليسار/ المركز" إلى النظر للاستيطان والمستوطنات على أنه من حقوق "إسرائيل" المشروعة، وأن أي تسوية مع الفلسطينيين لن تكون مشروطة بوقف الاستيطان. وطبيعي أن يكون هذا الملف ساخناً أمام الاتحاد الأوروبي، وأيضاً أمام الإدارة الأمريكية، لكون الاستمرار في الاستيطان يُضعف فرص إقامة دولتين. وستكون عملية إعادة مسار التفاوض مع الفلسطينيين ليست بالسهلة إزاء تبني الأحزاب المكونة للائتلاف هذا الملف أي دعمها له.

4- فلسطينيو الــ "48": من المرجح أن تستمر الحكومة الجديدة في مواقفها كسابقتها تجاه الفلسطينيين في فلسطين المحتلة العام 1948م؛ وذلك من منطلق تبني أسس الإقصاء عن المشاركة الفعلية في إدارة وتصريف شؤون الدولة، وفقاً لمبدأ المواطنة الكاملة. ترفض "إسرائيل" الاعتراف بالمواطنة الكاملة لكل مواطنيها بمن فيهم الفلسطينيين، وتشترط ذلك بالاعتراف بيهودية الدولة. إضافة إلى تبنيها أسس التهميش والتجاهل والإهمال وتضييق الخناق، ومن خلال مسلسل من التشريعات العنصرية، ومن خلال تبني مشاريع اقتلاع لشرائح واسعة من المجتمع الفلسطيني في "إسرائيل"، وفي مقدمتها العرب البدو في منطقة النقب. وبالتالي ستزداد الهوة وتتسع بين الشعبين اليهودي والعربي، ما يؤكد ويثبت سعي سياسيي "إسرائيل" إلى تطبيق الفصل العنصري في كافة المجالات.

5- إدارة ملف التفاوض مع الفلسطينيين: سيسعى نتنياهو لإدارة العملية السياسية دون إحراز أي تقدم فيها, لذا ليس من المتوقع أن نرى في المنظور القريب أي تطور سريع في مسار التفاوض. وقد تزداد اللقاءات المكوكية، وقد تتكثف محاولات إرضاء الإدارة الأمريكية والدول الأوروبية. ومن خلال إلقاء نتنياهو عبء مسؤولية العلاقات الخارجية على الحزب الجديد "يوجد مستقبل"، وتوجيه سياسته من بعيد، فقد يتمكن من امتصاص غضب الشارع الصهيوني عليه، وقد يحجّم من شعبية الحزب وزعيمه لبيد الذي خطف الأنظار.

إنكار كامل للحقوق الفلسطينية

كما هو معروف فقد احتل الموضوع الفلسطيني حيزاً واسعاً في مساحة الدعاية الانتخابية للأحزاب والكتل التي تصارعت على مقاعد الكنيست الإسرائيلي التاسع عشر؛ على الرغم من محاولة هذه الأحزاب (سواء المحسوبة على اليمين، أو الوسط، أو اليسار، في إطار الخارطة السياسية الإسرائيلية) تجاهل الموضوع الفلسطيني في شعاراتها الرئيسة التي اعتمدتها أمام لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية. تركزت هذه الدعاية المتخمة بالملفات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية على المواقف من القضايا  الرئيسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على النحو التالي:

الاستيطان

تسابقت معظم الأحزاب الإسرائيلية في دعايتها الانتخابية لإرضاء المستوطنين؛ من خلال الإعلان عن مواقف داعمة للاستيطان بشكل لم نشهده في الدعايات الحزبية الانتخابية السابقة: 

كتلة "الليكود بيتنا" استبق زعيمها "بنيامين نتنياهو" ورئيس الوزراء الحالي انطلاق الموعد الرسمي  للدعاية الانتخابية؛ فأعلنت حكومته بناء مشاريع استيطانية في القدس والضفة الغربية، تضم آلاف الوحدات السكنية، وأعلن عدد من قادة "الليكود" أن هذه المشاريع تأتي في إطار الخطة الإستراتيجية لقائمة "الليكود بيتنا" في الانتخابات؛ وأنها ليست خطوة عقابية ضد السلطة الفلسطينية فقط؛ بسبب توجهها للأمم المتحدة، واقترابها من حركة حماس؛ كما تعهد نتنياهو أمام الجمهور في خطابه بمناسبة انطلاق الدعاية الانتخابية لكتلة "الليكود بيتنا"، في 25 كانون الثاني 2012، بمواصلة الاستيطان؛ حيث قال: إن حكومته "ستواصل البناء في القدس، التي ستبقى موحدة تحت سيادة إسرائيل"، مشيراً إلى أن حكومته عززت البناء في المستوطنات في السنوات الأربع الماضية، وأنها ستواصل السير على هذا النهج؛ معتبراً الاعتراف الرسمي بـ"كلية أريئيل" الاستيطانية كجامعة عادية، فخرًا كبيرًا وبشرى سارة للتعليم العالي في إسرائيل، وهو أيضا "بشرى لمستوطنة أريئيل، التي ستظل دائماً جزءاً من دولة إسرائيل" (على حد تعبيره)؛ وقال: "سنواصل العيش والبناء في القدس، التي ستبقى دوما غير قابلة للتقسيم، وتحت السيادة الإسرائيلية".

زعيمة حزب العمل "شلي يحيموفتش" شددت على ضرورة عدم المس بالموازنات المخصصة للاستيطان في التجمعات الاستيطانية، بقولها: "إنني ضد أي مس بموازنة الاستيطان، حتى فيما يتعلق بتلك المنعزلة خارج التجمعات الاستيطانية". وأكدت أنه لا يمكن تجريم المستوطنين الذين أقاموا مستوطناتهم بناء على قرارات حكومية. ويدعم الحزب، حسب برنامجه الانتخابي، إخلاء المستوطنات التي خارج الكتل الاستيطانية.

"يائير لبيد", زعيم حزب "يوجد مستقبل" بدأ حملته الانتخابية بالإعلان عن تأسيس حزبه في شهر كانون الثاني 2012، من قلب مستوطنة أريئيل، وقال: إنه لن يوافق على الانضمام إلى حكومة برئاسة نتنياهو، إلا في حال عودة حكومة إسرائيل إلى طاولة المفاوضات مع الفلسطينيين؛ لكن لبيد شدد في المقابل على معارضته الانسحاب من القدس الشرقية وعودة اللاجئين.

حزب البيت اليهودي برئاسة "نفتالي بينت"  (وهو مدير عام مجلس المستوطنات سابقاً، ورئيس طاقم نتنياهو السياسي بين عامي 2006-2008)، استقال من الطاقم آنف الذكر، ومن حزب "الليكود"، على خلفية تجميد البناء الاستيطاني لمدة عشرة أشهر، الذي جرى بالاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية، قال: إنه "على استعداد للدخول إلى السجن، على أن يقوم بإخلاء يهودي من بيته".، وأضاف: "إن ضميري لا يسمح بذلك، وسأطلب من قائدي بفصلي من الخدمة أو إيداعي السجن، على أن أقوم بذلك".

حق العودة

أجمعت الأحزاب والكتل الإسرائيلية على رفض حق العودة للاجئين الفلسطينيين؛ وتباينت مواقفها بين الرفض لهذا الحق جملة وتفصيلاً، وبين القبول بعودة محدودة إلى أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، في إطار "لم الشمل".

تحالف حزبي "الليكود" و "إسرائيل بيتنا": يرفض حق العودة، ويرى فيه خطراً على دولة إسرائيل؛ حيث قال نتنياهو في دعايته الانتخابية: إن "حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، يعني إلغاء دولة إسرائيل".

"بينيت" زعيم حركة "البيت اليهودي"  يرفض حق عودة اللاجئين الفلسطينيين،  حتى الى مناطق"أ" و"ب".

أرييه ألداد أطلق حملة حزبه لانتخابات الكنيست المقبلة، تحت عنوان "الأردن هي فلسطين". وقال خلال كلمته أمام طلاب أكاديمية "ماعوز": "الأردن هي فلسطين، ستكون أفضل سياسة إسرائيلية في هذا الوقت؛ من أجل التعامل مع الفلسطينيين، خاصة فيما يتعلق بملف اللاجئين منهم".

حزب العمل: كرر في برنامجه الانتخابي لاءاته المعروفة بمعارضة عودة اللاجئين إلى ديارهم، وتنكره لحق العودة، بموازاة رفض الخطوات أحادية الجانب في إطار أي عملية سياسية.

البيت اليهودي: جاء في برنامجه الانتخابي: "لن يدخل أي لاجئ فلسطيني من الدول العربية إلى "يهودا والسامرة"؛ وذلك خلافا لمفهوم "الدولة الفلسطينية" الذي يسمح باستيعاب ملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين سيدخلونها من جميع الدول العربية".

وجاء في البرنامج أيضاً: "الأمر المؤسف هو أن نتنياهو أيضا وافق في خطاب بار إيلان على فكرة استيعاب لاجئين فلسطينيين في مناطق الدولة الفلسطينية، هذا خطأ فادح، سيؤدي إلى كارثة ديموغرافية، لا يمكن تصحيحه"

الدولة الفلسطينية

حزب "ميرتس" يتضمن برنامجه الجديد أن تؤيد "إسرائيل" فكرة الاعتراف بفلسطين في الأمم المتحدة سوية مع الولايات المتحدة؛ بهدف تقليل احتمالات سيطرة حركة حماس على الضفة الغربية، وخلق مكانة متساوية للطرفين في المفاوضات؛ بمعنى دولة مقابل دولة.  وجاء في بيان لحزب "ميرتس"، حول منح فلسطين صفة "دولة مراقب"، أن: "الاعتراف بفلسطين كدولة على حدود 1967 بصفة "مراقب" في المنظمة الدولية، يعتبر ضرورة ملحة باعتبارها مخرجًا عمليًا من المأزق الراهن التي تمر به عملية السلام، وصفعة قوية لتحالف ليبرمان ونتنياهو، اللذين يسعيان إلى القضاء على خيار الدولتين بتقديمهما الدعم غير المحدود لعملية الاستيطان بكافة أشكاله وتكريس الاحتلال".  وجاء فيه أيضا: "إن موقفنا في حزب "مريتس" المؤيد لإقامة دولة فلسطينية مستقلة بجانب دولة إسرائيل وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، سيكون الضمان الوحيد لأمن الشعبين؛ وهذا سيعود بالفائدة الكبرى على الشعبين العربي والإسرائيلي".

حزب البيت اليهودي يعارض قيام أي دولة فلسطينية؛ وصرح رئيسه (نفتالي بينت) إنه سيعارض بنيامين نتنياهو إذا انتهج الأخير سياسة تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية، أو إلى عملية ترحيل أخرى لمستوطنين.  واتهم بنيت نتنياهو بالمسؤولية عما يحدث، وأن حكومته تعاني من الفصام؛ فهي من جهة، تعلن أنها تؤيد إقامة دولة فلسطينية؛ ومن جهة ثانية؛ تقوم بمعاقبة الفلسطينيين عندما يتوجهون للأمم المتحدة للحصول على مكانة دولة. ويقول أن الحل يكمن بالحديث بلسان واضح بالتراجع عن الموافقة عن إقامة الدولة الفلسطينية، التي يدرك الجميع أنها لن تقوم.  ويضيف: يجب أن نعمل أكثر، ونتحدث أقل.

وتضمن البرنامج الانتخابي  للبيت اليهودي معارضته  قيام دولة فلسطينية، من أي نوع، غربي نهر الأردن، ويدعو إلى إعطاء الفلسطينيين حكماً ذاتياً كاملاً، مع التواصل بواسطة المواصلات في المناطق التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية، مع "تثبيت الفصل بين غزة و"يهودا والسامرة".

وخلافاً لفكرة "المعبر الآمن"؛ فإنه لن يتم الربط بين غزة و"يهودا والسامرة"؛ فربط كهذا سينقل جميع مصائب غزة إلى يهودا والسامرة الهادئة. ويتم ضم غزة تدريجيا إلى مصر".

حزب قوة لإسرائيل بزعامة ميخائيل بن آري وأرييه إلداد: يعارض الدولة الفلسطينية ويعمل على أن لا تكون، ويرفع شعارات "لا حقوق بدون واجبات"، و"أرض إسرائيل ملك لشعب إسرائيل" ...؛ وفي هذا الإطار قال "الداد" أمام حشد كبير من أنصاره: بوجوب العمل من أجل التخلص مما سمّاه (الاحتلال الإسلامي للبلاد)؛ وشدّد أيضا على أن الأردن هو الوطن الحقيقي والوحيد للفلسطينيين، مشيرا إلى أن خيار حلّ الدولتيْن غير شرعي، ولن يرى النور أبداً.

مدينة القدس

أجمعت كافة الأحزاب والكتل التي خاضت غمار الانتخابات للكنيست 19 المحسوبة على اليمين واليمين المتطرف وأحزاب الوسط كبيرها وصغيرها عبر دعايتها الانتخابية، على رفضها تقسيم مدينة القدس، واعتبارها بشقيها عاصمة "موحدة" لدولة إسرائيل؛ لتأكد من جديد بأنها لم تغير جلدها تجاه مدينة القدس؛ في محاولة  لكسب أصوات الشارع الإسرائيلي؛ الذي ينزلق نحو التطرف الديني؛ والذي أظهرت استطلاعات الرأي العام رفضه لتقسيم مدينة القدس.

كتلة  "الليكود" و"إسرائيل بيتنا" وعلى لسان رأسها بنيامين نتنياهو، قال: أن مدينة القدس هي العاصمة الأبدية لدولة إسرائيل، وستظل تحت السيادة الإسرائيلية في أي اتفاق مع الفلسطينيين"، وتعهد نتنياهو أمام الجمهور بأن حكومته "ستواصل البناء في القدس، التي ستبقى موحدة تحت سيادة إسرائيل، مدعياً أن "الشعب اليهودي في القدس، منذ آلاف السنين وسيبقى فيها"، وأن الخطر الحقيقي على السلام في العالم ليس اليهود الذين يقومون بالبناء في القدس؛ وإنما السلاح النووي الذي تطوره إيران، والسلاح الكيماوي السوري الذي قد يسقط في أيدي المنظمات التي وصفها "بالإرهابية".

حركة شاس: لم تغير مواقفها تجاه التمسك بالقدس؛ حيث تقول: "القدس ليست موضوعاً للمساومة أو التقسيم".

البيت اليهودي ذهب أبعد من غيره من الأحزاب اليمينية؛ فهو لا يرفض فقط تقسيم مدنية القدس؛ بل يدعو إلى ضم الضفة الغربية بأكملها.  زعيم الحزب (نفتالي بينت) قال: إن "الصهيونية لم تنه دورها، وأنه يعتقد بأنه لا يوجد أي شبر من أرض إسرائيل خاضع للمفاوضات".

حزب العمل وفي إطار برنامجه الانتخابي؛ يدعو إلى "تسوية سياسية في القدس تتضمن نظاماً خاصاً في البلدة القديمة وفي "الحوض المقدس".

خلاصة القول: إن المتتبع لتفاصيل الدعاية الانتخابية والبرامج السياسية لمختلف الأحزاب والكتل الحزبية في الكيان الصهيوني يلمس أن المواقف الإسرائيلية اتجهت نحو المزيد من التطرف تجاه الفلسطينيين، وأن هناك شبه إجماع على حرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم؛ والعمل على ترسيخ الاحتلال والحصار والاستيطان في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها مدينة القدس، وكل ذلك يؤكد أن مختلف التحولات التي طرأت وتطرأ على المشهد السياسي الإسرائيلي تدور في فلك المشروع الصهيوني الذي لا يعترف إطلاقاً بوجود شعب فلسطين, ففلسطين حسب مزاعمه الباطلة هي: "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".

اعلى الصفحة