الزواج المدني في التصور الإسلامي

السنة الثانية عشر ـ العدد135 ـ ( ربيع ثاني ـ جمادى أولى 1434  هـ ) آذار ـ 2013 م)

بقلم: الشيخ الدكتور محمد شقير

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

ما أريده في هذا البحث تقديم مقاربة ذات بُعد فكري لموضوع الزواج المدني في محاولة قد تسهم في الإضاءة على بعض الجوانب الهامة في هذا الطرح، ولربما تفضي إلى ضرورة أخذ هذا النقاش إلى أطره المنهجية الصحيحة والمفيدة.

هنا لا بد أن أشير بداية إلى أن البحث في إشكالية الزواج المدني والزواج الديني يمكن أن تتم من خلال أكثر من منهج، والتي منها:

1- المنهج المقارن: حيث يعمد إلى المقاربة بين الزواج المدني والزواج الديني في المقدمات والأحكام وسوى ذلك.

2- المنهج الاجتماعي: وأعني به دراسة منظومة الزواج الديني أو المدني كظاهرة اجتماعية، أي من حيث تموضعه الاجتماعي والنتائج والآثار الاجتماعية التي تترتب على كلٍ منهما.

3- المنهج النقدي: ويتضمن ممارسة النقد الموضعي لأي من المفردات التشريعية وغيرها التي يتضمنها الزواج ( مدني أو ديني)، بناءً على مقدمات ما تظهر وجود خلل أو تهافت... فيما يحتويه هذا الزواج أو ذاك.

4- المنهج القانوني (مع التسامح بإطلاق لفظ المنهج): والمقصود به ملاحظة مدى مواءمة هذا الزواج أو غيره للدستور النافذ أو القوانين السارية المفعول، أو عدم مواءمته، أو غيرها من الدراسات القانونية.

5- المنهج الفلسفي (الفكري): والمقصود به تناول منظومة الزواج (مدني أو ديني) كوحدة واحدة وإعمال النظر فيها بحثاً وتحليلاً على المستوى الفكري وغيره... وإذا ما تطرق البحث إلى بعض المفردات فبلحاظ انضمامها إلى هذه المنظومة أو تلك، حيث يبقى البحث مشدوداً إلى تناولها ككل واحد.

كما يمكن أن تكون هناك مناهج أخرى تتناول تلك الإشكالية، لكن نكتفي بما ذكرنا، منبهين على اعتمادنا إلى حد بعيد على المنهج الأخير( المنهج الفلسفي) محاولين أخذ النقاش إلى مواضيع أكثر جدوائية، حيث سنعرض بداية إلى تعريف الزواج الديني والمدني.

أ- تعريف الزواج الديني والمدني:

يمكن القول في تعريف الزواج الديني بأنه الزواج الذي يحمل مشروعيته الدينية، بغض النظر عن مجمل ما يتصل بهذا الزواج من شروط وغير ذلك، حيث إنه يوجد فرق في الزواج وأحكامه بين الطوائف الدينية، كما المذاهب الإسلامية نفسها.

الزواج في الإسلام ليس سراً كما هو في المسيحية- ولا يحتاج إلى أن يجريه رجل دين، أو أن يحصل في بيت العبادة، بل هو عقد يحتاج إلى طرفين وإلى توفر شروطه، ويمكن أن يقع من طرفيه مباشرة (زوج وزوجة) من دون توسط وكيل عنهما أو عن أحدهما، وما لجوء الزوجين عادة إلى عالِم دين في الإسلام(1) إلا من باب أنه- غالباً- الأعلم بأحكام الزواج في الإسلام، فيرجعون إليه حتى يكون مجمل ما يتصل بعقد زواجهما متطابقاً مع الأحكام الإسلامية.

أما الزواج المدني فهو الزواج الذي لا يحمل مشروعيته الدينية (ويفضل تعريفه بهذه الطريقة)، لأن ما نقصده بالزواج المدني ليس مجرد العقد، بل جميع المنظومة التي يحملها ذلك الزواج من أحكام وغيرها، ومن الواضح أن هذه الأحكام في مجملها أحكام مخالفة للقرآن الكريم وسنة النبي(ص)، وعليه لا يمكن لهذا الزواج أن يكون له مشروعيته الدينية والإسلامية في الحدّ الأدنى، بغض النظر عن النقاش في بعض التفاصيل أو بعض القضايا ذات العلاقة.

ولا نفضل تعريف الزواج المدني بأنه الزواج الذي لا يجريه (رجل دين)، لأنه بهذا التعريف يكون الزواج في الإسلام مدنياً، إذ لا يشترط فيه أن يجريه (رجل الدين) في حين نريد أن نميز بين الزواج الديني عامة، وبين الزواج المدني عامة، وأفضل مائز بينهما هو أن تكون المشروعية الدينية، الفيصل بين الزواج الديني والمدني، فما كان من زواج يحمل مشروعيته الدينية فهو ديني وما كان من زواج لا يحمل مشروعيته الدينية فهو مدني.

ب- العوامل التي تدفع للزواج المدني:

يمكن القول إن جملة من العوامل التي تدفع إلى طرح الزواج المدني وتبنيه، أما أهم تلك العوامل ( الأسباب) فهي ما يلي:

1- القراءات الخاطئة للدين: بمعزل عمن يقدم هذه القراءة أو تلك، سواء كان متديناً أم غير متدين، فإن القراءات الخاطئة التي تقدم للدين وقضاياه، بما فيها ما يتصل بالحياة الزوجية والأسرية، تؤدي إلى تكوين فهم خاطئ للدين وتصوراته حول الحياة الزوجية والأسرية، وهذا ما يسهم في دفع هذه الفئة أو تلك- كالتي تتبنى طرح الزواج المدني- للجوء إلى خيارات لا دينية في محاولة منها لعلاج مشاكل جادة تعاني منها مجتمعاتنا على المستوى الأسري والزوجي وغيرها من المجالات.

2- التطبيق الخاطئ للدين: حيث أن الكثير من الزيجات أو المجتمعات قد لا تكون مشكلتها الوحيدة مشكلة فهم بمقدار ما هي مشكلة تطبيق، إذ حتى لو قلنا بوجود قراءات دينية تمتلك القدرة على المستوى النظري على حل جميع المشكلات القائمة، لكن إن لم يؤخذ بتلك القراءات ومفاهيمها ولم تكن هناك آليات لإعمال أحكامها، فإن تلك القراءات لن تصل إلى أهدافها، طالما لم تتحول إلى ثقافة مجتمعية وإلى آليات قانونية تسمح بعلاج تلك المشكلات بشكل جدي وفاعل.

3- عدم الفصل بين الديني والمجتمعي: وهو ما يترتب على المسألة السابقة - وإن أمكن دمجها منهجياً في مسألة واحدة- حيث إن البعض لا يفصل بين الديني والمجتمعي، فعندما يلاحظ مثلاً أن مجتمعاً إسلامياً ما ينطوي على العديد من المشكلات الأسرية أو الزوجية... فإنه ينسب هذه المشكلات إلى الدين نفسه لا إلى المتدينين، ويعزو السبب في ذلك إلى الإسلام لا إلى المسلمين، محاولاً أخذ الخلل إلى غير مكانه الصحيح، ولذلك تراه يحاول أن يلتمس حلولاً لتلك المشكلات خارج إطار الدين فيذهب إلى طروحات لا دينية (زواج مدني) لعلاج تلك المشكلات، مع أن الدين أساساً الدين لا يتحمل مسؤولية تلك المشكلات، بل هو يرفض أسبابها ويعمل على مواجهتها، ولكن البعض يصر على توظيف تلك المشكلات لخدمة طروحاته في الزواج المدني وغيره ومحاولة تبريرها.

4- التوسل إلى أهداف بعيدة بوسائل غير مناسبة: بمعنى أن البعض يطمح إلى الوصول إلى الدولة المدنية، وهو يرى أن المدخل إلى ذلك يتم من خلال الزواج المدني- أو هو من أهم القنوات للوصول إلى الدولة المدنية- ولذلك هو يسعى إلى تشريع الزواج المدني لإتاحة المجال أكثر أمام الزواج المختلط طائفياً ومذهبياً توصلاً إلى الدولة المدنية. وهنا لا بد من القول إن الزواج المدني ليس مدخلاًً ضرورياً للوصول إلى الدولة المدنية، ولنا في ذلك أكثر من نقاش:

أولاً: توجد تجارب معاصرة حيث كان الزواج المدني معمولاً به في بعض الدول المعاصرة (يوغسلافيا السابقة مثلاً) ولعقود طويلة من الزمن، ولكن هذا الزواج لم يمنع من حصول انقسامات حادة اجتماعياً وسياسياً اتخذت طابعاً عنفياً على شاكلة حروب طائفية مدمرة.

ثانياً: تاريخياً كان هناك زواج مختلط في الدائرة الدينية، نفسها، لكن عندما كانت تحصل نزاعات بين المذاهب (مثلاً) في تلك الدائرة الدينية لم يكن الزواج المختلط يشكل مانعاً يحول دون تلك النزاعات، وهو ما ينطبق على الانقسامات الأخرى- كالقبلية وغيرها- في الدائرة الدينية نفسها.

ثالثاً: في لحظة ما، قد يتحول الزواج المختلط إلى جزء من المشكلة، بعد أن كان يرجى أن يكون سبباً للحل، إذ قد تتحول النزاعات المجتمعية إلى تهديد جدي للزيجات المختلطة لتكون سبباً لانفراط عقدها وتفككها.

رابعاً: إن البعض يتصور عن طريق الخطأ أن المشكلة في الدين وليست في الطائفية، أو هو غير قادر على التمييز بين الدين والطائفة، فيتصورهما أمراً واحداً، في حين إن الذي يقف حجر عثرة أمام الدولة المدنية ليس هو الدين بل الطائفية، فالذي يجب أن يعمل عليه هو استعداء الطائفية وليس الدين.

خامساً: إن الدين يمكن أن يكون نعم المعين على الدولة المدنية، بما يمتلكه من طاقة خلاقة ورؤى معاصرة ومن قدرة على اجتراح نموذجه الخاص في المدنية، فلن يكون من الصحيح إقصاء الدين واستعداؤه في سبيل الوصول إلى الدولة المدنية، لأنه عندها سنفتعل معركة مع غير أهلها، وسنخسر رصيداً كبيراً يمكن أن تكون في خدمة العمل على الوصول إلى الدولة المدنية، لكن بنموذجها الخاص (الدولة المدنية المؤمنة).

5- رفض الدين: حيث أن البعض ولموقف فكري من الدين ومفاهيمه وأحكامه يريد إقصاء الدين من جميع الميادين الاجتماعية بما فيها (الأحوال الشخصية) من زواج وإرث وطلاق حيث يرى أن الدين في أفضل الأحوال مجاله بين جدران أربعة، في المسجد أو الكنيسة... وهو ما شاهدناه في مجتمعات عديدة.

قد لا يكونون كثراً من ينظِّرون للزواج المدني في مجتمعاتنا ينطلقون من هذه الخلفية، ولكن في نهاية المطاف يوجد موقف يريد إقصاء الدين عن ذلك الميدان الاجتماعي، حتى لو نادى باختيارية الزواج المدني.

وهنا لا بد من القول باختصار إن العديد من الأطروحات التي دخلت في مواجهة مع الدين انتهت إلى الفشل، باعتبار أن الدين هو حالة متجذرة في الطبيعة البشرية بل في المجتمعات عامة، وإن كان الذي ساعد بالدرجة الأولى بعضاً من تلك الأطروحات اللادينية على النجاح في هذا الميدان الاجتماعي أو ذاك هو التجارب والتطبيقات الخاطئة للجماعات الدينية (وليس الدين) أو التي اعتمدت قراءات خاطئة للدين والنص الديني.

6- النموذج الغربي والتأثر به: بمعنى أن البعض ونتيجة تأثره بهذا النموذج أو ذاك من النماذج المعمول بها في الغرب بما فيها الزواج المدني، فإنه يسعى إلى إسقاط ذلك النموذج الغربي على مجتمعاتنا من دون الالتفات إلى أمرين:

الأول: هو أن أي حصيلة قانونية أو غير قانونية في المجتمع الغربي هي نتيجة تفاعلات تاريخية اجتماعية ثقافية تفضي إلى هذه الحصيلة أو تلك، في حين إن مجتمعاتنا لا تمتلك التفاعلات ذاتها ولا الخصائص التاريخية أو المجتمعية أو الثقافية نفسها، بل لديها طبيعتها وميزاتها الخاصة التي تختلف بها عن أية تفاعلات مماثلة، أو أي نموذج غربي، أو مجتمع متجانس معه.

الثاني: إن بعض الأفكار التي تطرح هي خلاصات مستوردة من الغرب لعلاج تلك المشاكل التي يعاني منها المجتمع الغربي، وبالتالي كان لا بد من إيجاد حل لها يتمثل بنظرهم- في طرح الزواج المدني، لكن قد تكون المشاكل التي تعاني منها مجتمعاتنا تختلف في طبيعتها وخصوصياتها عن تلك المشاكل في المجتمع الغربي، وبالتالي هي تحتاج إلى علاج آخر يختلف عن ذاك العلاج الذي اعتمد في المجتمعات الغربية، فليس من الصحيح منهجياً استجرار علاجات لمشاكل (هي بالأساس وفي مجملها وليدة خصوصية المجتمعات الغربية) إلى مشاكل في مجتمعاتنا أخرى، تختلف في طبيعتها المجتمعية وخصوصياتها الثقافية، ما يؤدي إلى اختلاف طبيعة مشاكلها وأسبابها؛ حتى لا تعالج (مثلاً) بدواء الزكام مريضاً يعاني تقرحاً في المعدة.

7- مشكلات موضعية: بمعنى أنه توجد في المجتمعات المختلطة دينياً حالات تسعى للزواج المختلط دينياً، وهذه الحالات قد لا تلقى قبولاً من التشريعات الدينية، فتسعى إلى تجاوز هذا الرفض بالمناداة بالزواج المدني واللجوء إليه.

ولربما نجد حالات مختلطة مذهبياً تسعى إلى اعتماد نوع من التسوية، حتى لا تقوم بتثبيت زواجها في هذه المحكمة أو تلك، فتلجأ إلى الزواج المدني وبهذا تتجاوز تثبيت الزواج بناء على مذهب الزوج أو الزوجة. وهنا لا بد من القول:

أولاً: للأديان خصوصياتها فيما يرتبط بدائرة الأحوال الشخصية و غيرها، ويجب العمل على احترام تلك الخصوصيات.

ثانياً: إن الأديان- على اختلاف موقفها من الزواج المختلط دينياً- لديها فهمها ومبرراتها فيما يرتبط بذلك الزواج، وإنه لمن الأهمية بمكان الوقوف عند تلك المبررات بغض النظر عن مدى القناعة بها أو لا.

ثالثاً: إن جملة من تلك القضايا الاجتماعية التي يُسعى إلى تجاوزها من خلال الزواج المدني، أما إنها تمتلك إجاباتها المبررة دينياً بل حتى عقلانياً، أو إنها لا تستلزم اللجوء إلى الزواج المدني أساساً(2)(وليس هنا موضع الخوض في التفاصيل).

ج-الموقف من الزواج المدني:  وأعني به الموقف الديني من ذلك الزواج، حيث ينبغي الإلفات إلى ما يلي:

أولاً: إن الزواج المدني ليس مجرد عقد بل هو منظومة متكاملة من التشريعات التي تشمل مختلف قضايا الحياة الأسرية.

ثانياً: إن المنهج الأجدى هو الذي يتناول الزواج المدني كمنظومة واحدة، فهل يمكن القبول بهذه المنظومة باعتبار كونها معطى بشرياً وضعياً مقابل المعطى الإلهي؟ أو لا يمكن ذلك؟

ثالثاً: وبشكل أوضح نجد اختلافاً كبيراً بين مجمل ما جاء في التشريع الديني، وما جاء في التشريع المدني، في قضايا الطلاق والنفقة والقوامية والإرث والمهر وجميع ما يتصل بالأحوال الشخصية.

رابعاً: إن معنى القبول بمنظومة الزواج المدني هو التنكر لمجمل ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه، حيث إن الموقف يفضي إلى التخيير بين الأخذ بما قاله الله تعالى ورسوله الكريم، أو الأخذ بما قاله فلان أو فلان من البشر.

بناءً على ما تقدم، فإن حقيقة الزواج المدني في مشروعه هي الدعوة إلى الإعراض عن كتاب الله تعالى وسنة نبيه وأهل بيته، وهي في حقيقتها استبدال ما جاء في التشريع الوضعي بما جاء في القرآن الكريم والسنة الشريفة، هي ترك ما قاله الله تعالى، والأخذ بما قاله القانون الروماني مثلاً، هي التنكر لما قاله رسول الله(ص) والعمل بما قاله المشرع الأميركي مثلاً، هي الأعراض عما قاله الإمام علي أو الإمام الحسين أو الصادق(عليهم السلام)، والالتزام بما قاله هذا المشرع الغربي أو ذاك الوضعي.

وعليه، مهما حاول الدعاة إلى الزواج المدني تغليفه بتعابير برّاقة (مدني) أو بأساليب ناعمة (اختياري)... فإن هذا المشروع في جوهره ليس إلا دعوة تناقض ما جاء به رسول الإسلام محمد(ص)، وتعمل على إبعاد التشريع الديني الذي جاء من عند الله تعالى، وتسعى إلى إحلال التشريع الوضعي اللاديني مكان ذلك التشريع الذي أنزله الله تعالى وحياً على نبيه محمد (ص)، كي يلتزم به ويعمل بأحكامه.

ولذلك يجب أن يلتفت من يدعو إلى هذا الزواج أو يتمسك به إلى حقيقته، وإلى اللوازم التي تترتب عليه، فهل يمكن لأحد من المسلمين أن يهجر كتاب الله تعالى، وأن يعرض عن نبيه الكريم وأهل بيته الأطهار، بحجج واهية أو ذرائع لا تثبت أمام أي نقاش موضوعي وعلمي؟.

إن أي عالم دين إسلامي أو ملتزم بالإسلام، إذا أراد أن يكون منسجماً مع نفسه، لا يمكن إلا أن يكون رافضاً للزواج المدني لأنه شريعة وضعية بشرية تخالف شريعة الله تعالى وما جاء في كتابه وسنة نبيه؛ ولأن معنى القبول بأية شريعة مخالفة لشريعة الله تعالى هو التنكر لشريعة الله تعالى، ومن يعتقد أن شريعة الله حق (وأن دين الله تعالى هو الدين الحق)، لا يمكن له أن يقبل بأية شريعة، بشرية، رومانية، أو أميركية، أو فرنسية، أو محلية، تريد أن تضاهي شرع الله تعالى ورسوله وأهل بيته الأطهار!. وهنا أريد أن ألفت النظر إلى أمور:

1- إن بعض الردود الدينية تفتقد إلى المنهج، حيث إنها تنتقص من جوهر القضية عندما تركز على بعض المفردات الجزئية (العقد مثلاً)، ولا تمحور البحث في منظومة الزواج المدني ومخالفتها لشرع الله تعالى.

2- إن بعض الردود تعبر عن رفض ناعم، أو موقف فيه الكثير من الحيادية ولربما الالتباس أحياناً، وبغض النظر عن الدوافع التي تدفع هذا البعض إلى هذا الأسلوب، فإن الموقف يجب أن يكون علمياً وموضوعياً ومستدلاً، وفي الوقت نفسه واضحاً وحاسماً ومنبهاً إلى اللوازم والنتائج التي قد تترتب على تلك القضية.

3- إن مجمل المقاربات التي تقدم للزواج المدني إما هي ذات بعد إيديولوجي أو قانوني، وقلما نجد مقاربات ذات بعد اجتماعي، مع إن أي قانون ذي مضمون اجتماعي، لا يمكن النظر إليه بمعزل عن مجمل التداعيات والنتائج الاجتماعية التي يمكن أن تترتب عليه، وخصوصاً إذا  كان ذلك القانون محلاً للتجربة في المجتمع الغربي لعقود طويلة من الزمن، فما الذي أنتجه في تلك المجتمعات الغربية؟ وهل يمكن أن نقبل بتلك النتائج والسلوكيات والعادات والتقاليد في مجتمعاتنا؟ (وهذا ما سوف نجيب عليه إجمالاً في العناوين اللاحقة).

د-الزواج المدني في تداعياته الاجتماعية:

بمعنى أن هذا المشروع ليس بكراً على الاختبار، بل هو مشروع قد تم اختباره في مجمل المجتمعات الغربية منذ عقود متطاولة من الزمن، ونحن لا نحتاج إلى اختباره في مجتمعاتنا حتى نرى النتائج التي يمكن أن تترتب عليه ولا يمكن لدعاة الزواج المدني أن يتناولوا هذا المشروع بكثير من التبسيط الذي يعزله عن تداعياته الاجتماعية الكثيرة المترتبة عليه، ولا يصح التعامل معه بشيء من السذاجة المنهجية التي تُغفل مجمل النتائج السلبية التي تصيب الاجتماع الأسري وغير الأسري.

هل يمكن أن يبين لنا دعاة الزواج المدني ما الذي فعله ذلك القانون بالأسرة في الغرب؟ وهل يمكن لهم أن يذكروا لنا أثره على العلاقات الأسرية والعلاقات بين الأرحام؟ وهل يمكن أن يحدثونا عن مجمل تلك القيم الدينية والاجتماعية التي تحصن الأسرة وتحافظ على علاقات التواصل والمودة بينهما، أين أصبحت في الغرب، وكيف يساهم الزواج المدني في تذويبها؟ هل بحثوا في العلاقة بين قوانين الزواج المدني المعمول بها في الغرب وبين الانفلات الأخلاقي الموجود لديهم، من الزواج المثلي إلى الحريات الجنسية الكاملة لمن أصبح في السن القانوني، سواء كانوا شباناً أم شابات؟ وهل وقفوا عند مجمل التداعيات التي أحدثها الزواج المدني على مختلف مجالات الحياة الاجتماعية لديهم؟.

إن الكثير من الدراسات الاجتماعية الجادة التي أجريت في الغرب تبين العلاقة بين منظومة الزواج المدني وقيمه، من جهة وبين الكثير من المشاكل التي يعاني منها الغرب على المستوى الاجتماعي، وخصوصاً على مستوى الاجتماع الأسري.

لقد عُمل على إفراغ المؤسسة الأسرية من قيمها التي تهب العلاقات الأسرية بُعداً دينياً- أخلاقياً عميقاً يسهم في توطيد تلك العلاقات والمحافظة على استمرارها، فهل يُراد حرماننا من تلك القيم الدينية- الأخلاقية التي هي من أهم ما نملك من عناصر القوة في المحافظة على نسيج علاقاتنا الاجتماعية والأسرية السليمة؟ هل يراد لنا أن نخسر قيم الإلفة والمودة والغيرة والحشمة والعفة وغيرها من تلك القيم، التي هي رديف التشريع الإسلامي، والتي تهب علاقاتنا الاجتماعية روحاً خاصة وحياة بلون الغيب، والتي تعد من أهم ما لدينا لحماية مجتمعاتنا وصونها من التحلل الأخلاقي والفساد والانحراف؟ هل يُراد لنا أن نصل إلى ما وصل إليه الغرب من أعراف وسلوكيات ومشاكل سواء على المستوى الأخلاقي أو الاجتماعي، وخصوصاً بالمستوى الذي وصل إليه انحدار الأسرة فيه،  وتراجعت العلاقات الأسرية لديه؟.

إن مشروع قانون الأحوال الشخصية المدني يأتي حاملاً معه قيمه ومفاهيمه الهجينة أو المستوردة، وهو لن يكون مجرد قانون، بل يُراد له أن يصنع نموذجه الاجتماعي في العلاقات القانونية والقيم والمفاهيم الثقافية والسلوكيات ذلك النموذج الذي سوف يؤدي إلى تدمير نموذجنا الاجتماعي الذي نسعى إليه، ونحرص على بنائه على أساس من أصالتنا وقيمنا ومفاهيمنا، ونعمل على تطويره ومعالجة شوائبه، لكن من خلال مفاهيمنا الأصيلة وآلياتنا للتطور والاجتهاد، لا من خلال مفاهيم وآليات غريبة يُراد إسقاطها على مجتمعاتنا وقضايانا. ولذا فإن الذي سيرفض ذلك المشروع هو أحد ثلاث:

الأول: الملتزم دينياً، وذلك انسجاماً مع قيمه ومبادئه الدينية.

الثاني: المحافظ اجتماعياً، الذي يدرك أهمية القيم الأخلاقية والاجتماعية في مفاهيمنا الدينية، ومدى ما تساهم به من سلامة العلاقات الاجتماعية والأسرية.

الثالث: الباحث الاجتماعي الذي أعمل  مناهجه العلمية في دراسة النموذج الغربي (مثلاً)، والذي أدرك ما الذي أنتجته منظومة الزواج المدني في الغرب من نتائج وتداعيات على المستوى الاجتماعي.

ز- لماذا لا تقبلون بكونه اختيارياً؟

قد يقول قائل: فليكن هذا الزواج اختيارياً، وبالتالي فليختر كل إنسان بحسب قناعته، فمن أراد الديني فهذا خياره، ومن أراد المدني فهذا أيضاً خياره. قد يكون هذا الكلام معقولاً للوهلة الأولى، وقد يسعى البعض إلى تبريره من خلال ذكر نصوص دينية من الواضح أنها لا تفيده في هذا المقام، والجواب على ما تقدم:

أولاً: إن أي ملتزم دينياً، إذا أراد أن يكون منسجماً مع قناعاته، فسوف يرفض أصل الزواج المدني، بمعزل عن كونه اختيارياً أم غير اختياري، وذلك لمخالفتها لمعتقداته الدينية، وقناعاته ذات الصلة.

ثانياً: إن بعض المبررات التي تُطرح للزواج المدني تنتقص من الدين في تشريعه ومفاهيمه وطروحاته، أي إن دعاة الزواج المدني يسعون إلى بناء مجده على أنقاض الزواج الديني وحطامه؛ وعليه عندما تكون العلاقة بين الديني والمدني علاقة تناقضية(ولو على مستوى مبرراتها المعرفية) فمن الطبيعي أن يكون الموقف من الزواج المدني هو الرفض بكليته، بمعزل عن اختياريته وعدمها.

ثالثاً: إن المقاربة القانونية لإشكالية الزواج المدني هي مقاربة غير كافية، والذي ينبغي التأكيد عليه في معالجة تلك الإشكالية هو بعدها الاجتماعي-كما ذكرنا-، فهل عندما تحصل التداعيات الاجتماعية لمنظومة قانونية ما (مشروع قانون الأحوال الشخصية المدني) سوف تطال فقط أولئك الذين التزموا به، أم كل الذين هم في الدائرة الاجتماعية نفسها؟ وإذا كان الاعتقاد بأن التداعيات الاجتماعية التي سوف يحدثها الزواج المدني هي تداعيات سلبية وخطيرة،  ألن يكون من حقنا أن ندافع عن سلامة مجتمعاتنا وقوتها، والعلاقات المجتمعية السوية فيها، وأن نعمل على تحصينها وحمايتها من خلال رفضنا لمشروع قانون الأحوال الشخصية المدني؟

ي خاتمة، وفيها نقاط:

أولاً: لا بد من تسجيل دعوة للجماعات المدنية وخصوصاً الداعين إلى الزواج المدني إلى قراءة الإسلام في مصادره الأساسية قراءة علمية وموضوعية وغير مؤدلجة تستبعد القراءات أو التطبيقات الخاطئة للدين.

ثانياً: لماذا لا يقدم من يمتلك طرحه المدني على الحوار العلمي والجاد مع علماء الدين وتحديداً الذين يملكون فهماً منهجياً وأصيلاً للدين، بهدف فهم كل طرف للآخر عن قرب، والسعي إلى الوصول إلى قواسم مشتركة والتعاون في علاج قضايا متفق على عدم صحتها وضرورة علاجها.

ثالثاً: إن الطريق الذي يسلكه الدعاة المدنيون (وخصوصاً فيما يرتبط بالزواج المدني) هو طريق خاطئ، فهم ينتقصون من الدين ويستعدون علماءه والملتزمين به، وهو ما يسهم في فشلهم منذ أكثر من نصف قرن وإلى الآن.

رابعاً: إن جملة من علماء الدين - وهم كُثر- هم من أكثر المنتقدين للقراءات الخاطئة للدين، أو التطبيقات الخاطئة في المجتمع، وهم يعملون بقوة وجهد لعلاج العديد من المشاكل الاجتماعية والسلوكيات الخاطئة التي تنسب إلى الدين زوراً وبهتاناً.

خامساً: يجب أن يعي الدعاة إلى الزواج المدني حجم الاختلاف في المبادئ التي ينطلقون منها عن تلك التي في الفهم الديني، فهم ينطلقون (على سبيل المثال) من المساواة، والفهم الديني من العدالة، والصحيح هو ما لدى الفهم الديني، لأنه ليست كل مساواة عدالة، بل بعض المساواة ظلم، ولذا فإن الإسلام يدعو إلى المساواة فيما لو كانت عدلاً، أما إذا كانت ظلماً فلا.

سادساً: إن الخطاب الذي يستخدمه الدعاة المدنيون فيه الكثير من الإساءة والتجريح لعلماء الدين ومؤسساتهم، ويشتمُّ منه أحياناً بعضٌ من التعالي في التخاطب معهم، ولا يعفي هؤلاء بعض من الاستثناء الذكي الذي يمارسون.

سابعاً: إن الإسلام يمتلك آلياته الأصيلة في تطوير فهمه وممارسة الاجتهاد، فيمكن لهؤلاء أن يشكلوا عامل تحفيز لإعادة الفعل الاجتهادي في أي من المسائل المطروحة، وأيضاً علاج الكثير من المشاكل والسلوكيات الخاطئة في مجتمعاتنا ومؤسساتنا.

ثامناً: إن منظومة الزواج الديني في الإسلام تمتلك رصيداً غنياً من القيم والمفاهيم الأخلاقية، والتي أثبتت التجربة الاجتماعية الطويلة أنها أدت دوراً مهماً وعميقاً في بناء حياة أسرية سعيدة وعلاقات اجتماعية متينة؛ فهل يصح أن نتخلى عن تلك القيم والمفاهيم، وهي تؤدي هذا الدور البنّاء في مجتمعاتنا؟.

تاسعاً: لماذا لا نحاول ومن خلال الحوار والتعاون- اجتراح نموذجنا في المدينة، نموذج يستولد من رحم الخصوصيات الثقافية لمجتمعاتنا، ويتكاتف مع الدين من جهة، ويسعى إلى معالجة مجمل المشاكل التي تعاني منها مجتمعاتنا من جهة أخرى.

عاشراً: نحن نؤمن بالدولة المدنية، ولكن يحق لنا أن نبني نموذجنا الخاص في تلك الدولة، وأن نسلك الطرق الملائمة للوصول إليها، وهنا سوف نجد أن الدين لديه قدرة هائلة على صناعة مدنيته؛ في حين إن الذي يقف عائقاً أمام أي تحول مدني هو الطائفية، عندما تمانع من القبول بأي إصلاح جدي وهام في الاجتماع السياسي وخصوصاً فيما يتصل بآليات صناعة السلطة.

هوامش

1- وقد تحول هذا الأمر إلى عادة اجتماعية

2- لا يستلزم الزواج المختلط مذهبياً اللجوء إلى طرح الزواج المدني 

اعلى الصفحة