الإدارة الأمريكية الجديدة والقضية الفلسطينية

السنة الثانية عشر ـ العدد135 ـ ( ربيع ثاني ـ جمادى أولى 1434  هـ ) آذار ـ 2013 م)

بقلم: عدنان أبو ناصر

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

في خطابه السنوي للشعب الأمريكي، المسمى خطاب حالة الاتحاد كرر الرئيس الأمريكي باراك أوباما مرة أخرى أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب "إسرائيل" في سعيها "للأمن والسلام القابل للحياة"... وقال في خطابه إن وقوفه إلى جانب "إسرائيل" هو الرسالة التي سيحملها معه في زيارته إلى الشرق الأوسط في شهر آذار/مارس.

وكان البيت الأبيض أعلن في الخامس من شباط /فبراير أن أوباما سيزور قريباً، وللمرة الأولى بصفته رئيساً للولايات المتحدة، "إسرائيل" والأراضي الفلسطينية المحتلة وكذلك الأردن، من دون تحديد مواعيد.

فما هي أهداف الزيارة؟ هل هناك جديد فيها؟ ما هي التوقعات الفلسطينية من هذه الزيارة؟ كيف ينظر الإسرائيليون إليها؟ وأخيراً عل تختلف إدارة أوباما الجديدة عن سابقاتها من الإدارات الأمريكية المتتابعة؟.

أهداف وآمال!!

جاء الإعلان عن زيارة أوباما في أعقاب المكالمة الهاتفية، التي أجراها مع نتنياهو لتهنئته بالفوز في الانتخابات البرلمانية، وبعد مكالمة وزير الخارجية الجديد جون كيري لرئيس الوزراء الإسرائيلي المكلف بتشكيل الحكومة. والملفت في تحديد موعد الزيارة، كونها:

أولاً: تتعارض مع وجهات نظر العديد من المراقبين، الذين أشاروا إلى أن الدورة الثانية للرئيس الأمريكي، لن تشهد تدخلا أمريكياً مباشراً في ملف التسوية السياسية، وستترك للأوروبيين لعب الدور المباشر

ثانياً: أن الزيارة تعتبر الأولى للرئيس الأمريكي في دورته الجديدة للعالم، ويبدأها بدولة الاحتلال. بعكس ما فعله في دورته الأولى، حيث قام بزيارة كل من تركيا ومصر، ولم يقم بزيارة إسرائيل. وترغب إدارة أوباما الجديدة من وراء هذه الزيارة إلى تحقيق أكثر من هدف, منها: تعزيز التحالف الاستراتيجي مع الكيان الصهيوني، وإيجاد لغة مشتركة مع نتنياهو، للتخفيف من انتقادات الجمهوريين وأنصار إسرائيل في مؤسسات صنع القرار الأمريكية؛ ولتحريك ما يسمى "عملية السلام" على أساس خيار الدولتين على حدود الرابع من حزيران 1967، لاسيما وأن جون كيري في محادثته الهاتفية مع الرئيس محمود عباس، أشار إلى رغبة الإدارة في تحقيق نقلة نوعية في العملية السياسية، وهو ما يشير إلى أن ملف التسوية سيكون أساسياً في المحادثات الأمريكية الإسرائيلية.

ثالثاً: كما أن المحادثات ستتركز على ملفات المنطقة المختلفة: الملف الإيراني، والسوري واللبناني والمصري والخليجي وحتى التركي، لأن ما بين الدولتين من قواسم مشتركة تسمح لهما بفتح كل الملفات ذات الصلة بمكانة الدولتين وتحالفاتهما على المستويات الإقليمية والدولية.

هذا عن الأهداف المعلنة للزيارة, أما الآمال والأوهام التي تحاول الزيارة إشاعتها فكبيرة, كل ذلك في ظل توقعات فلسطينية شديدة التواضع في مكان ومعدومة في مكان آخر. 

وتنعدم توقعات الفلسطينيين الذين شهدوا العملية السياسية التي أطلقتها واشنطن في 1991 تنهار، وشهدوا الإدارات الأمريكية المتعاقبة تتراجع أمام المشروع الإسرائيلي الاستيطاني المتواصل في تحويل الضفة الغربية إلى دولة للمستوطنين، وتهويد القدس الشرقية عبر زرع المستوطنين اليهود في قلبها وأطرافها، وعزلها كلياً عن باقي التجمعات السكانية الفلسطينية، وتجريد أهلها الأصليين من حق الإقامة فيها بشتى الطرق والوسائل، بعدما جردوا من الغالبية العظمى من أرضهم، ومن حقهم في البناء عليها.

وتضيق التوقعات أكثر من إدارة أوباما الذي حاول في إدارته الأولى حمل إسرائيل على تجميد الاستيطان، ولو جزئياً، لكنه ليس فقط لم ينجح، وإنما تعرض لضغوط إسرائيلية في عقر داره أدت إلى تقييد المحافظين، أصحاب الغالبية في مجلس النواب، له واشتراطهم التوقف عن الضغط على إسرائيل للمصادقة على مشاريعه المركزية.

لذلك، يتوقع الفلسطينيون من أوباما محاولات أخرى لإدارة الصراع وليس العمل جدياً على حله، بسبب ضعف موقفه داخل المؤسسة الأمريكية، وقوة نتنياهو واليمين في إسرائيل.

لذلك يضع المحللون السياسيون أمام الرئيس أوباما ثلاثة سيناريوهات للعمل: الأول، هو أن يعمل مرة ثانية ما عمله في فترته الرئاسية الأولى، وهو تعيين مبعوث خاص للسلام، وهذا لن يخلق أي تقدم. الثاني، أن يدعو إلى تجمع دولي لإعادة إطلاق العملية السياسية، كما فعل سلفه جورج بوش الابن في أنابوليس، وهو سيناريو لن يكون له مردود. والثالث، هو إتباع النموذج الذي اتبعه كل من الرئيسين كارتر وكلينتون، وهو الانخراط الشخصي المباشر في الموضوع، وهذا هو السيناريو الوحيد الممكن اليوم.

أما عن الشروط التي يضعها الفلسطينيون لإنجاح مسعى الرئيس أوباما فيحددها عضو الوفد الفلسطيني المفاوض محمد اشتية بأربعة هي:

أولاً: تحديد مرجعية عملية السلام، وهي قرارات الأمم المتحدة.

ثانياً: خلق مناخ إيجابي يتمثل في وقف الاستيطان والإفراج عن الأسرى الفلسطينيين.

ثالثاً: وضع جدول زمني لإنهاء المفاوضات، ذلك أنه مضى على هذه العملية 22 عاماً ولم تنته بعد. والرابع، هو أن يحدد دور أمريكا في هذه المفاوضات: هل هو دور ميسر؟ أم راع، أم وسيط، أم لاعب مؤثر؟.

ويرى كثيرون أن زيارة أوباما لن تسفر عن أي نتيجة عملية للفلسطينيين، بل ستؤدي، على الأرجح، إلى شراء المزيد من الوقت عبر مواصلة إدارة الأزمة.

ويتوقع مراقبون آخرون أن يمارس أوباما ضغوطاً على الطرف الأضعف في المعادلة، وهو الطرف الفلسطيني بسبب عدم قدرته على ممارسة ضغط على الطرف القوي، وهو نتنياهو وحكومته المتطرفة.

وفي هذا السياق قال الدكتور جورج جقمان رئيس مؤسسة الدراسات "مواطن": "سيتحرك أوباما من دون شك لأنه يدرك أن استمرار الوضع الحالي سيقود إلى حدوث صدام يؤدي إلى إشعال المنطقة. لكن السؤال هو: أي مسار سياسي يريد؟". وأضاف: "أخشى أن يطرح على الفلسطينيين حلولاً جزئية مثل الدولة ذات الحدود المؤقتة".

والدولة ذات الحدود المؤقتة على نصف أو 55% من مساحة الضفة الغربية، من دون القدس، هو الحل الوحيد المقبول لدى نتنياهو. لكن الفلسطينيين رفضوا بشدة عروضاً من هذا النوع في السنوات الأخيرة إدراكاً منهم أن الحل المؤقت سيتحول إلى حل نهائي أمام الاستيطان الذي لا يتوقف عن فرض حقائق دولة المستوطنين في قلب الضفة الغربية.

بالمقابل ذكرت تقارير إخبارية أن زيارة أوباما سوف تشمل أيضاً مصر والعربية السعودية وتركيا، لكن البيت الأبيض لم يؤكد إلا زيارته للكيان الصهيوني و"محطتين" له مع الرئاسة الفلسطينية في رام الله وفي العاصمة الأردنية عمان.

ويبدد قرار أوباما بأن تكون "إسرائيل" أول بلد يزوره في مستهل ولايته الثانية كل الأوهام العربية التي بنيت على الأنباء التي راجت سابقا عن خلافات بينه وبين رئيس وزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ليتحول لقاء الرجلين المرتقب عملياً، في حال صحت تلك الأنباء، إلى اجتماع "مصالحة" سوف يعززها ما سوف يتفق عليه الرجلان حيال "القضايا العاجلة" في إيران وسورية بشكل خاص وفي المنطقة بشكل عام.

وقالت مصادر فلسطينية لصحيفة الإندبندنت البريطانية إن "اجتماعات أسبوعية" تجري بين كبير مفاوضي منظمة التحرير صائب عريقات ونظيره الإسرائيلي اسحق مولخو، ربما تمهيدا لقمة ثلاثية يستضيفها أوباما أثناء زيارته مع نتنياهو وعباس، كما ذكر نائب وزير خارجية الكيان داني أيالون الذي أضاف لإذاعة جيش الاحتلال أنه "متأكد" من أن "جهودا تبذل الآن لترتيب اجتماع كهذا".

وقالت القناة العاشرة الإسرائيلية إن الولايات المتحدة كانت "تضغط" من أجل استئناف المحادثات الثنائية "من دون شروط". وقال سيلفان شالوم نائب رئيس الوزراء الصهيوني إن زيارة أوباما سوف تركز على أولويتين "الأولى" منهما "استئناف عملية السلام" والثانية "بناء "ائتلاف إقليمي ضد إيران وشركائها".

وتبدو هذه التوقعات الإسرائيلية متناقضة في الظاهر مع الموقف الأمريكي المعلن بخصوص الزيارة، فالمتحدث باسم البيت الأبيض جي كارني قال إن زيارة أوباما "لن تركز على مقترحات محددة لعملية السلام في الشرق الأوسط"، لأن "ذلك ليس هدف هذه الزيارة"، ونفى أن يكون أوباما يحمل معه "خطة سلام جديدة"، بينما خفض السفير الأمريكي لدى الكيان دان شابيرو من سقف أي توقعات فلسطينية بهذا الشأن بقوله: "لا يوجد أي شك في أن تجديد المفاوضات لا يزال هدفا، لكن ليس من المحتمل أن يحدث أثناء زيارة واحدة"، وأضاف أن أوباما "لن يتقدم بأي طلبات محددة خلال زيارته المقبلة"، مضيفاً أن أوباما "يأتي للتشاور" مع نتنياهو وعباس "ولم تقدم لا شروط ولا مطالب".

وإذا صدقت التوقعات الإسرائيلية بانعقاد قمة ثلاثية، فإن انعقادها لن يعدو كونه مناورة علاقات عامة تحسن صورة أوباما أمام الرأي العام الأمريكي وغير الأمريكي الذي سجل عليه فشله الذريع في الوفاء بوعوده التي أعلنها بشأن "عملية السلام" في مستهل ولايته الأولى، ولن يتمخض عنها على الأرجح ما "تأمله" قيادة منظمة التحرير الفلسطينية منها، ربما باستثناء رشوتها بمساهمة أمريكية في حل أزمة ميزانية السلطة للسنة المالية 2013 كثمن للقاء عباس نتنياهو برعاية أوباما.

وعلى الرغم من الموقف الأمريكي المعلن بشأن مكانة "عملية السلام" على جدول أعمال زيارة أوباما، أعرب المتحدث باسم الرئاسة الفلسطينية عن "الأمل" في أن تكون زيارته للمنطقة "بداية سياسة أمريكية جديدة" تقود إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وأعربت عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حنان عشراوي عن "أمل" مماثل في أن تكون الزيارة "مؤشرا إلى جدية النية" الأمريكية في "الانخراط" بطريقة "ايجابية وبناءة" من أجل "إنهاء الاحتلال الإسرائيلي"، وهو ما يرقى إلى بيع الشعب الفلسطيني آمالا خادعة توهمه بوجود ما يدعو إلى التفاؤل بـ"توقف" أوباما للقاء عباس، ويرقى إلى التضليل الإعلامي بغض النظر عن حسن النوايا وما تقتضيه اللغة الدبلوماسية.

فهل يجهل هؤلاء القادة أن كلمات "إنهاء الاحتلال الإسرائيلي" لا وجود لها في القاموس الأمريكي، ولم ترد في قاموس إدارة أوباما الأولى والثانية، ولم ترد كذلك أبداً في تصريحات كبار مسؤولي إدارة أوباما عن زيارته المرتقبة وزيارة وزير خارجيته الجديد جون كيري، للإعداد لزيارة رئيسه.

ومع ذلك تستعد السلطة الفلسطينية لاستقبال أوباما في إصرار مستهجن على الاستمرار في زراعة الوهم والسراب، متناسية عدم دعوة ممثل الرئيس عباس لحفل تنصيب أوباما الشهر بحجة "خطأ بروتوكولي"، ومتجاهلة معارضته لاعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطين، ورفضه الاعتراف بهذه الدولة، والعقوبات التي فرضتها إدارته على السلطة الفلسطينية لأنها طلبت ذلك الاعتراف، ناهيك عن تجاهل حقيقة أن الدعم الأمريكي للاحتلال وكيانه في المقابل قد حول الولايات المتحدة عمليا إلى شريك كامل للاحتلال الإسرائيلي.

ومن الواضح أنه ليس في جعبة أوباما ولا في جعبة مضيفيه في الكيان الصهيوني ما يلبي الحد الأدنى من "الآمال" السلمية للسلطة الفلسطينية، وبالتالي فإنه لا جدوى لا في استقبال أوباما ولا في قمة ثلاثية تنعقد برعايته مع نتنياهو.

تعطيل المصالحة

وبتاريخ 10/2/2013 أكد مصدر مصري مطلع على حوارات القاهرة بين الفصائل الفلسطينية، أن الرئيس محمود عباس تلقى مساء يوم 9/2/2013 اتصالاً هاتفياً من قبل السفارة الأمريكية في رام الله أبلغته بوجود فيتو أمريكي على إتمام المصالحة الفلسطينية، وأنه يجب إعطاء فرصة لمهمة وزير الخارجية الأمريكي الجديد جون كيري لإحياء عملية التسوية.

وأوضح رئيس مركز الدراسات الفلسطينية في القاهرة إبراهيم الدراوي: "أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس غادر القاهرة قبل حسم أي من الملفات الخمس وتحديداً ملف المنظمة والحكومة والانتخابات". وأكد الدراوي، بعدم وجود مصالحة فلسطينية قبل زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما للمنطقة.

ولفت إلى أن المستقلين الذين ضُموا مؤخراً للإطار المؤقت لمنظمة التحرير دعموا باتجاه عدم تشكيل حكومة فلسطينية في الوقت الراهن والتروي في الموضوع.

وفي نفس السياق أكد النائب الثاني في المجلس التشريعي الفلسطيني د.حسن خريشة، أن أمريكا تمارس ضغوط على القيادة الفلسطينية لتأجيل مشاورات والاتفاق على تشكيلة الحكومة الانتقالية المقبلة لما بعد زيارة الرئيس الأمريكية باراك أوباما للمنطقة المقررة الشهر المقبل. وقال خريشة في تصريح له يوم السبت 9/2/2013: "هناك ضغوطات أمريكية تمارس على الأطراف الفلسطينية لعرقلة الاتفاق على تشكيلة الحكومة، لما بعد النظر في النتائج المترتبة على زيارة الرئيس الأمريكية للمنطقة". وشدد على أن أمريكا تسعى وبكل جهد متاح ومتوفر لها لإفشال أي توافق فلسطيني داخلي، لحماية حليفتها "إسرائيل"، متوقعاً ن تسفر تلك الضغوطات عن نتائج وتقرر الفصائل تأجيل تشيل الحكومة لما بعد زيارة الرئيس الأمريكي.

ووصف النائب الثاني في المجلس التشريعي، الخطوات التي تسير فيها المصالحة بـ"البطيئة والمترددة"، مؤكداً أن المطلوب من حركتي فتح وحماس وباقي الفصائل سرعة إتمام المصالحة وتشكيل الحكومة ورفض أي ضغوطات أمريكية أو خارجية من شانها أن تفشل جهود المصالحة وتعيدها لنقطة الصفر من جديد.

جون كيري وفلسطين

في نهاية شهر كانون الثاني/يناير الماضي تم تعيين جون كيري وزيراً للخارجية الأمريكية خلفا لـ(هيلاري كلينتون) التي غادرت الحكومة بعد أن قضت فيها بضع سنوات شهد خلالها الوطن العربي تغييرات وتحولات عديدة على المسار السياسي، وكان أوباما قد أشاد بجون كيري عقب إعلان تعيينه، حيث قال: "قلة من الأشخاص يعرفون مثل كيري كل هذا العدد من الرؤساء أو رؤساء الوزراء ولديهم ما لديه من دراية بالسياسة الخارجية وهذا يجعل منه مرشحاً مناسباً لقيادة الدبلوماسية الأمريكية في السنوات القادمة".

وكان انزعاج إسرائيل وقلقها عقب الإعلان عن جون كيري في هذا المنصب الشديد الأهمية والذي يطلق عليه بعض المحللين منصب رئيس الوزراء الأمريكي - واضحاً لا يخفى على أحد، باعتبار أن كيري لديه مواقف تتعارض مع السياسة الإسرائيلية بشأن القضية الفلسطينية، خاصة قضية الاستيطان في القدس والضفة الغربية، فجون كيري له علاقات جيدة مع الدول العربية من خلال زياراته المتكررة خلال العامين الماضيين، حيث نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" تصريحات لبعض المسؤولين الإسرائيليين حول كيري، جاء من بينها: "صحيح أن كيري يعتبر صديقاً لإسرائيل، لكنه ليس كغيره من الأمريكيين الذين يظهرون مواقفهم الداعمة والمتضامنة مع إسرائيل في مجلس الشيوخ، إذ أن مواقفه حيال القضية الفلسطينية واضحة ضد السياسة الإسرائيلية فيما انتقاداته للاستيطان حادة".

ولعل مرد القلق الإسرائيلي نابع من خشية الإسرائيليين من أن تسير أولى خطوات كيري في المنطقة في اتجاه دعمه للقضية الفلسطينية وعملية السلام، وربما الضغط على إسرائيل بهدف تحريكها. وتفيد التوقعات من زيارة وزير الخارجية الأمريكي الجديد للمنطقة بعد أن قام بإجراء اتصالات مع كل من الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للتنسيق من أجل استئناف المفاوضات المتعثرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وكانت حركة حماس قد رحبت بالزيارة التي قام بها جون كيري إلى غزة في العام 2009 لتفقد بعض المناطق التي تعرضت للدمار جراء الحرب الإسرائيلية على القطاع، كذلك فإن موقف كيري تجاه الإخوان المسلمين في مصر ولقائه مع الجماعة أكثر من مرة في القاهرة، قد أثار حفيظة الإسرائيليين مما دعا موقع (جويش برس) الإسرائيلي لوصف جون كيري بأنه "مبعوث أوباما لحماس والإخوان المسلمين". وحينما تم عقد اتفاق التهدئة بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وإسرائيل لوقف الحرب على قطاع غزة في شهر نوفمبر 2012، عملت كل من مصر بقيادة الدكتور محمد مرسي وأمريكا جهودهما المكثفة من أجل الوصول إلى الهدنة، لذلك فإن تقديرات المراقبين تشير إلى أنه من المتوقع أن يقوم كيري في الفترة القادمة بالضغط على حماس من خلال حكومة الدكتور مرسي في مصر، لتغيير سياستها ودعم استئناف المفاوضات مع إسرائيل، وليس من المستبعد أن نسمع وقع خطوات مسرعة وحثيثة في الفترة القليلة القادمة لرأب الصدع الفلسطيني الفلسطيني، ليس فقط من أجل الفلسطينيين بالطبع بل الهدف في النهاية هو أمن إسرائيل.

على الرغم من كل ما قيل ويقال عن كيري علينا ألا نكثر من التفاؤل حيال الدور الذي سوف يلعبه جون كيري بشأن القضية الفلسطينية، وذلك لسبب وجيه هو أن الخارجية الأمريكية لا تستطيع أن تكون متحررة من تأثير اللوبي الصهيوني الكاتم على أنفاس السياسة الخارجية الأمريكية، كما علينا أن نتذكر دائماً أن موقف المسؤولين الأمريكان وهم خارج الإدارة يختلف كثيراً عن موقفهم المنحاز بشكل كامل للكيان الصهيوني وهم داخل الإدارة.

مواقف ثابتة

لقد أثبتت المواقف السياسية للإدارات الأمريكية المتعاقبة أن هناك موقفاً ثابتاً للولايات المتحدة تجاه القضية الفلسطينية حيث لم تتغير السياسة الأمريكية في ضوء تغير الإدارة الأمريكية سواء الذي يسيطر على البيت الأبيض الحزب الجمهوري أو الديمقراطي لذلك فليس هناك ما يدعو للقول في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة التي تمخضت عن إعادة انتخاب أوباما رئيساً للولايات المتحدة لفترة رئاسية ثانية بأن الولايات المتحدة يمكن أن تغير من سياستها المنحازة للجانب الإسرائيلي وأن تتحمل مسئولياتها الدولية التي يمنحها النظام العربي الرسمي الذي يراهن على دورها في تحقيق تسوية عادلة للقضية الفلسطينية.

إن أمريكا بحكم طبيعتها الامبريالية ونظامها الرأسمالي الاستغلالي غير مؤهلة لاتخاذ موقف الحياد تجاه قضايا المنقطة ومن الطبيعي أن تكون ساحتنا الفلسطينية هي أكثر الساحات السياسية العربية التي تحظى على توافق وتحالف استراتيجي أمريكي إسرائيلي كامل يتم التعبير عنه في أشكال متعددة ابتداءً من الإمدادات العسكرية التي لا تقتصر على الأسلحة والمعدات فقط بل أيضاً تشمل التدريب وإجراء المناورات بين الفينة والأخرى وآخرها المناورات التي جرت مؤخراً وما يعنيه ذلك من حرص أمريكي دائم على استمرار التفوق العسكري للكيان الصهيوني بحيث يبقى مفهوم التوازن في المنطقة لصالح هذا الكيان وفي الحقيقة إن هذا الحرص موجود عملياً في وعي السياسة الأمريكية وفي مختلف تحركاتها الدبلوماسية.

ولقد أبرزت حملة الانتخابات الأمريكية على مدى التعاطف والتأييد للكيان الإسرائيلي وذلك من قبل مرشحي الرئاسة الأمريكية الجمهوري رومني والديمقراطي الرئيس أوباما حيث تنافس المرشحان في تصريحاتهما ودعايتهما الانتخابية وذلك في محاولة لكسب الأصوات اليهودية حتى وصلت الأمور في تلك الدعاية الانتخابية إلى حد لا يمكن القبول به في الاقتراب من المنطق الإسرائيلي الذي يقترب في هذه المرحلة من الصراع أكثر وأكثر من الأصولية اليهودية الصهيونية المستندة إلى قاعدة كبيرة في المجتمع الاستيطاني الإسرائيلي التي لم تستوعب حتى الآن أطروحات السلام مع العرب ولعله من الطبيعي أن نتساءل الآن بعد انتهاء عملية الانتخابات الأمريكية ما هي مكونات السياسة الأمريكية الثابتة في ظل الإدارات الأمريكية المتعاقبة؟.

بعد حرب أكتوبر 73 برز التصور الأمريكي للسلام في الشرق الأوسط وبشكل واضح في معاهدة كامب ديفيد التي تم التوصل إليها في عهد الرئيس كارتر الذي ينتمي للحزب الديمقراطي وعلى أثر الغزو الإسرائيلي للبنان ظهرت عام 82 مبادرة ريغان الذي ينتمي للحزب الجمهوري كتصور استراتيجي أمريكي لطبيعة السلام لا يتعارض مع مشروع إيجال ألون الذي يعتمده نتنياهو الآن بعد إضفاء بعض التعديلات عليه ليكون إطاراً لتسوية نهائية مع الفلسطينيين تلبي متطلبات الأمن الإسرائيلي ومبادرة ريغان تنص على عدم إعطاء الشعب الفلسطيني حق تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة ودون إزالة المستوطنات في الضفة الغربية مع التأكيد على الرؤية الإسرائيلية بشأن القدس حيث ترى هذه الرؤية الصهيونية في المدينة المقدسة عاصمة أبدية موحدة للكيان الإسرائيلي وإنهاء مشكلة اللاجئين عن طريق توطينهم في الدول العربية أما في عهد كلينتون الديمقراطي وبوش وابنه الجمهوريين فقد ظلت السياسة الأمريكية ثابتة في موقفها المنحاز دائماً للجانب الإسرائيلي أما في عهد أوباما الديمقراطي فقد خيب آمال العرب حين لم يحقق ما وعد به في الخطابين الشهيرين الذين ألقاهما في كل من القاهرة واسطنبول في رغبته في اتخاذ موقف موضوعي لتحقيق تسوية عادلة في المنطقة تقوم على مبدأ حل الدولتين..

وهكذا فإننا لا نكاد نرى أي فروقات هامة بين الإدارات الأمريكية المتعاقبة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وبما يوحي بموقف جديد وحاسم والحق يقال أن كل الأطراف الدولية المؤثرة في عملية الصراع في المنطقة قد زحزحت مواقفها ولو بشكل تدريجي بطيء تجاه الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة ذات سيادة باستثناء الطرف الأمريكي الذي يقر نظرياً منذ عهد جورج بوش الابن بحل الدولتين على المستوى النظري ولكن يستمر بشكل عملي في انتهاج سياسة منحازة بشكل كامل للجانب الإسرائيلي بشكل تعطل هذه الدبلوماسية الأمريكية الوصول إلى هذا الحل!.

إن المتتبع للسياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية بشكل خاص وقضايا المنطقة بشكل عام يدرك بوضوح ثبات هذه السياسة في مواقفها المنحازة بشكل كامل للكيان الإسرائيلي والنظر إلى هذا الكيان العدواني باعتباره امتداد طبيعي للحضارة الغربية وجزء لا يتجزأ من المصالح الحيوية القومية للولايات المتحدة وللغرب بشكل عام وهكذا تصبح المنطقة بأسرها منطقة (أمن قومي) ليس للولايات المتحدة الأمريكية فحسب بل لدولة الكيان الصهيوني أيضاً حيث تدمج اتفاقية التعاون الاستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي ما يسمى بالأمن القومي الأمريكي بأمن الكيان الصهيوني المزعوم.

وهكذا فإن الولايات المتحدة وهي تستمر في سياستها الثابتة المنحازة للجانب الإسرائيلي على الرغم من برنامج الحزب السياسي الحاكم فهي تهدف في الحقيقة ما يلي:

1- فك الارتباط بين القضية الفلسطينية والمسائل التي تشكل جوهر الصراع في المنطقة كحق العودة للاجئين الفلسطينيين وقضية القدس في أن تكون عاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة والعمل على تقزيم الأهداف الفلسطينية من عملية السلام حيث لا تهتم السياسة الأمريكية إلا بقضايا غير رئيسية كنبذ العنف ومحاربة الإرهاب والتنسيق الأمني والتطبيع وفي وقت تصر به إسرائيل على التمسك بسياسة الاستيطان والخروج عن المبادئ التي قامت عليها اتفاقية أوسلو التي وقعت في عهد الرئيس الديمقراطي كلينتون.

2- تغيير وجه الصراعات في المنطقة العربية بتحويل الصراع الأساسي بين الدولة العبرية والبلدان العربية إلى صراع مذهبي وطائفي وعرقي في نسيج المجتمعات العربية كالصراع بين السنة والشيعة وتحريض الأقليات العرقية على الحكومات المركزية والعمل على ترتيب أوضاع المنطقة بما يكفل للمصالح القطرية الضيقة عن الانتعاش على حساب المصلحة القومية.

3- إحداث موقف انقسامي في الخطاب السياسي العربي الرسمي وذلك بتجزئة هذا الخطاب من حيث تعامله مع القضية الفلسطينية بحيث يختلف البعد الديني مع البعد الوطني والقومي ومعهما مع البعد الطائفي والمذهبي وذلك تكريساً أكثر للتجزئة السياسية القائمة وهو أمر سبق أن حدث في المشرق العربي في أوائل القرن الماضي حيث عجزت النخب السياسية العربية آنذاك عن الرد على المشروع الاستعماري في المنطقة والذي عبرت عن هذا المشروع اتفاقية سايكس بيكو التي أصبحت الآن أمراً واقعاً الآن يتم التعامل معه.

4- أما الهدف الثابت وهو الأهم في السياسة الأمريكية وفي تحركاتها الدبلوماسية وهو الحفاظ على الانفراد الكامل من قبل الولايات المتحدة في احتكار المساعي السياسية خصوصاً بعد تفكك الاتحاد السوفيتي حيث تعتبر الرعاية الروسية لعملية السلام عملية صورية بسبب عزوف النظام السياسي الروسي عن الاهتمام أكثر بالعامل الخارجي كما كان في عهد الدولة السوفيتية وذلك بفعل اهتمام هذا النظام بوضع حلول لأزماته الاقتصادية وأمله الدائم أن يحظى بدعم كبير من الغرب.

وأخيراً نقول: لا يعقل أن تكون رحلة الرئيس الأمريكي لفلسطين التاريخية والأردن، "رحلة سياحية" لزيارة الأماكن المقدسة بها مثلاً أو لالتقاط الصور "التذكارية" داخل كنيسة "القيامة" و"المهد" وبجوار المسجد الأقصى، أو يكرر صورته بجوار حائط "البراق" المسمى يهودياً بـ"حائط المبكى" يوم أن أقدم على اعتمار طاقية المتدينين اليهود ليضع رسالة مرسلة للرب وفقاً لاعتقاد اليهود، ولا نظن أن "أجواء الربيع" في فلسطين التاريخية هي من أجبرته على اختيار رحلة سياسية في بداية عصره الثاني..

زيارة أوباما لن تكون من أجل معرفة تضاريس المنطقة الجغرافية، لكنها ستكون قطعاً محاولة لاستكشاف ما يمكن أن يكون لجسر الهوة بين طرفي الصراع، فيما يمكن بلورة بعض "الأفكار" ومناقشتها فإن وجدت "تجاوباً" من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي سيتم الإعلان عنها باعتبارها "فتحاً أمريكياً"، وفي حال فشله بفرض رؤيته السابقة مجدداً على الطرف الفلسطيني أو الإسرائيلي فعندها لن تحمل رحلته "فشلاً سياسياً" يمكن أن ينال من "الهيبة الأمريكية" ودورها "القيادي" في المنطقة خاصة وأن واقع الحال أن تلك "الهيبة" تترنح في أكثر من منطقة، ما يسمح لروسيا وتحالفها الدولي بإعادة فرض منطق سياسي جديد وإزاحة مفهوم "الغالب والمغلوب" الذي ساد منذ انهيار الاتحاد السوفيتي ومنظومته الاشتراكية..

واشنطن بإعلانها خفض سقف التوقعات من هذه الزيارة، تريد منع تكرار ما حدث بعد خطاب أوباما الشهير في جامعة القاهرة في شهر يونيو 2009 والذي قفز بالتقدير العربي إلى "قمة اللامعقول" فكانت "الخيبة الكبرى" التي لا تزال تلاحقه حتى تاريخه، بل أضيف لها الخيبة الأخرى يوم أن ساهم بتحريض الرئيس عباس بوضع وقف الاستيطان "شرطاً" للعودة التفاوضية ثم تخلى عنه دون أن يرمش له جفن، بل انتقل ليهاجم عباس بسبب ذلك حتى وصل به الأمر أن يصفه بأنه "لا يريد السلام".. ولذا فالإعلان الأمريكي ليس سوى محاولة لمنع "التوقعات الكبرى"، كي لا تتكرر "الخيبة الكبرى"..

ولكن سيُحدث إعلان الزيارة المفاجئ تأثيراً على بعض التحركات السياسية، خاصة في الجانب الفلسطيني، فمن المتوقع أن يتم "فرملة الهجوم السياسي" الفلسطيني وعدم المضي قدما باتخاذ أي خطوة عملية نحو تعزيز قرار الأمم المتحدة الخاص بالاعتراف بـ"دولة فلسطين"، وهي البطيئة أصلاً، لكنها ستتوقف تحت ذريعة "عدم اتخاذ أي خطوة مستفزة" للرئيس الأمريكي قبل الزيارة وكي لا يتم "إحراجه"، كما هي "تقاليد فرقة التضليل السياسي" دوما، ولذا ستبدأ "فوائد" زيارة أوباما لدولة الاحتلال قبل أن يصل، بل قد لا يكون مفاجئا أن تشهد عملية تحقيق المصالحة الوطنية تلكؤاً في مسارها بحجة الزيارة والتوقعات المعقودة عليها!!. 

اعلى الصفحة