المصالحة الفلسطينية وأهمية المراجعة النقدية

السنة الثانية عشر ـ العدد 134 ـ (  ربيع أول ـ ربيع ثاني 1434  هـ ) شباط ـ 2013 م)

بقلم: عدنان أبو ناصر

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

كما هو معروف فإن الحكومة الإسرائيلية تتابع بكثير من الريبة والشك المساعي المصرية لتحقيق المصالحة الفلسطينية التي طال انتظارها. ومن نافل القول إن أي تقدم يمكن أن يتم إحرازه في هذا المجال يشكل ضربة قاسية لكل المخططات الإسرائيلية للاستفادة أطول وقت ممكن من استمرار الانقسام الذي أصاب القضية بأضرار جسيمة.

فلدى مقارنة الأضرار السياسية والمادية التي لحقت بالفلسطينيين وبقضيتهم منذ بدء هذا الانقسام حتى اليوم، قد نجدها لا تقل أهمية وتأثيراً عن الأضرار التي لحقت بهم نتيجة استمرار الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية ومواصلة سياسة الاستيطان اليهودية في القدس الشرقية وتقطيع أوصال الضفة، والخسائر البشرية والمادية التي دفع قطاع غزة نتيجة للحصار اللاإنساني المفروض عليه من سنين.

قد تتعدد القراءات لما تم الاتفاق عليه الفلسطينيون في مصر وتختلف الآراء والمواقف المحلية والعربية والدولية التي جاءت سريعة، وهنا نتساءل مع المتسائلين، ما الذي تغير؟ هل فعلاً الاتفاق الجديد ليس مناورة أو تكتيكاً وهل يمكن أن يؤدي إلى إنهاء حالة الانقسام وآثارها، علماً أن الانقسام بين الفلسطينيين وصل إلى أبعد مدى على المستوى السياسي والتنظيمي والاقتصادي والاجتماعي وحتى النفسي؟ وما ضمانات النجاح لهذا الاتفاق إن كان الجانبان فتح وحماس وقعا قبل ذلك اتفاقات مماثلة لم يستمر أي منها سوى فترة زمنية قصيرة جداً؟ ما مصير الميثاق الوطني الفلسطيني الذي أعدمه اتفاق أوسلو، هل يستمر العمل بالميثاق المعدل أم يعود الجميع إلى الميثاق الأساس، أم يتم الاتفاق على ميثاق جديد؟ ماذا عن منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها التي سلبها أيضاً اتفاق أوسلو ومفرزاته؟ هل ستؤثر الخلافات بين فتح وحماس حول المفاوضات مع الكيان الصهيوني على عمل الحكومة التي ستشكل بموجب الاتفاق المذكور، علما أنه قيل إن مهمة الحكومة ستكون إدارة الشؤون الفلسطينية الداخلية فقط؟ وهل إعادة إعمار غزة لا تحتاج إلى سياسة؟ وكذلك إعادة تصحيح مسار منظمة التحرير ألا تحتاج إلى سياسة؟ وأيضاً الانتخابات والأمن ورغيف الخبز ألا يحتاج إلى سياسة؟....

تساؤلات كثيرة وكلها تمثل استحقاقات ملحة دون أدنى شك، ولهذا فإن تحويل الاتفاق إلى واقع ملموس على الأرض سيواجه بعراقيل ومصالح حزبية وفصائلية وشخصية، هذا عدا عن العراقيل الصهيونية والأمريكية والغربية، وليس أدل على ذلك من تصريحات رئيس الوزراء الصهيوني وأركان حكومته المتمثلة بتخيير محمود عباس بين "إسرائيل" وحماس وتصريحات الإدارة الأمريكية التي أكدت أن أي حكومة فلسطينية مقبلة ينبغي أن توافق على مبادئ اللجنة الرباعية الدولية وأن واشنطن تدعم أي مصالحة بين الفلسطينيين شرط أن يدعم (ذلك) قضية "السلام" والاعتراف بحق "إسرائيل" في الوجود. بمعنى آخر أيها الموقعون لن يرضى عنكم الصهاينة والأمريكان ومن دار ويدور في فلكهم.

لكل ذلك وغيره هناك تخوف مشروع حقيقي من أن يكون ما جرى مجرد موضوع مثير ومشوق يصبح للفضائيات ووسائل الإعلام مادة تلوكها في حين يبقى الرأي العام الفلسطيني والعربي يعيش في حسرة ومرارة على أطلال الاتفاقات والانقسام وهذا ما لا تحمد عقباه راهنا وبما هو قادم من عمر القضية الفلسطينية.

شروط المصالحة

لا شك في أهمية اللقاء الذي تم في الشهر الماضي بين الرئيس عباس والسيد خالد مشعل للخروج بحل أو تصورات سياسية للعديد من المعضلات التي تواجه إنجاز ملف المصالحة، وبداية العمل في طريق طويل من المصالحة الذي يحتاج إلى عمل جماعي من قبل جميع قوى الشعب الفلسطيني لتوفير القاعدة المجتمعية اللازمة والضرورية لضمان قوة الدفع الذاتية القادرة على إطلاق مسيرة المصالحة في مسارها الطبيعى وصولاً إلى تحقيق الأهداف الممكنة.

ولا شك أيضاً قبل ذلك في أهمية الإعلان عن إنهاء الانقسام السياسي الفلسطيني، بالتوقيع على ورقة المصالحة المصرية في كليتها، وأن هذا الإعلان يضع الأساس لطريق من المصالحة يحتاج من الجميع إلى توفر إرادات صادقة، ومعالجة شامله لكل التناقضات التي أفرزتها حالة انقسام مركبة.

وعلى الرغم من أن خيار الانقسام الفلسطيني قد أصبح حالة معقدة ومركبة، وتحول الى نوع من الخلافات البنيوية، وذلك بالتناقض في البنى الوظيفية للمؤسسات التي أقيمت في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، وكأننا أمام نموذجان متناقضان متباعدان من المنظور الوظيفي، إلا أنه ليس من الصعب تجاوز كل المعوقات الوظيفية واستبدالها وإحلالها بمنظومة مؤسساتية وظيفية وإدارية وفنية جديدة وصولاً إلى مرحلة التوحد السياسي. ووفقا لهذا المنظور الوظيفي في الإصلاح، فلا بد من اعتماد المرحلية في إنهاء الانقسام حتى يبنى على أسس ومقومات مؤسساتية ثابتة، وعليه فالمصالحة أبعد بكثير من التوقيع على ورقة المصالحة المصرية الفلسطينية، وأبعد من المصالحة السياسية، ولا تتوقف على مجرد منهاج الانتخابات الذي قد يعيد قدرا من التوازن السياسي للنظام السياسي الفلسطيني بمشاركة كل القوى وتمثيلها بما يبعد النظام السياسي الفلسطيني عن الأحادية السياسية، أو عن الاستقطاب السياسي بين القوتين الرئيسيتين..

إلا أن الوصول إلى هذه المرحلة المتقدمة من المصالحة يحتاج الى التمهيد لها بالعديد من المراحل، والمرحلة الأولى مرحلة التوحد والتنسيق الإداري والفني والقانوني والتنسيق الإعلامي، وهي مرحلة ليست سهلة وليست صعبة في الوقت ذاته، وميزة هذه المرحلة أنها تستوجب وتتطلب تطبيق المعايير الموضوعية والمهنية والعلمية، ومعايير الكفاءة والقدرة، وهي كلها معايير لا يختلف عليها أحد، لأنها لا تخضع للمعايير الذاتية، والسؤال هنا وبشكل ما محدد ماذا نريد؟ هل نريد بنية مؤسساتية وبناءاً إدارياً على درجة عالية من التمايز والكفاءة؟ أم جهازاً إدارياً تنظيمياً ذاتياً؟ فحالة الانقسام خلقت جهازين إداريين متعارضين، واقتصرت التعيينات فيهما على معيار الانتماء التنظيمي، وباتت هناك حالة من التضخم الوظيفي، والبطالة المقنعة، وأضف إلى ذلك الكتلة الوظيفية الكبيرة التي تتلقى رواتبها دون عمل، وقد أدى استبعادها إلى فقدانها قدراً كبيراً من الكفاءة والقدرة والتواصل مع التطورات الإدارية الحديثة، وعودتها بشكل تلقائي قد يزيد ويفاقم من المشاكل الإدارية القائمة، وسوف يحول هذا الجهاز إلى غول كبير يلتهم كل الموازنة المالية التي تعتمد على المنح والقروض الدولية، ولن يبقى أي موارد مالية للمشاريع التنموية.

من هنا تأتي أهمية تشكيل لجنة مهنية موضوعية تستعين بالخبرات الخارجية، لمعالجة هذه التناقض الإداري والوظيفي، وتوحيد التشريعات الإدارية، وتضع المعايير الموضوعية في التعيين وتوزيع الوظائف. وتتطلب هذه المرحلة مراجعة قانونية لكل القرارات واستبعاد ما صدر منها لدعم خيار الانقسام. ولإنجاح هذه المرحلة يتطلب الأمر أيضا تنسيقا إعلاميا بعيدا عن مفردات الانقسام والتخوين والتكفير، والتركيز على مفردات إعلامية تركز على عناصر التوحد التي يمتلكها الشعب الفلسطيني وعلى قضايا الاحتلال، والقضايا التي تهم المواطن الفلسطيني من خلال مجلس أعلى للإعلام يشكل على المهنية والوطنية.

وتأتي في سياق هذه المرحلة مرحلة التوحد والتنسيق الأمني، وهي من القضايا الشائكة والمعقدة، والتي عمقتها حالة الانقسام لحرص كل حكومة في الضفة وغزة على المؤسسة الأمنية لدعم وجودها وضمان سيطرتها وحكمها، وعلى الرغم من صعوبة هذه القضية، لكن في الوقت ذاته يمكن تحقيق درجة عالية من التوحد، والتنسيق فيها من خلال تحديد أهدافها ووظائفها، ومن ثم عددها ومؤسساتها، فنحن لسنا أمام نموذج دولة متكاملة وتحتاج إلى مؤسسات أمنية كثيرة.. المطلوب مؤسسة أمنية تحقق السلم الاجتماعي وتوفر البيئة السياسية الداعمة للاستثمار، وفي إطار هذه المرحلة ينبغي التمييز بين المؤسسة الأمنية والتي من حقها وحدها امتلاك وتطبيق الوسائل والأدوات الشرعية، فلا يجوز لأي تنظيم ممارسة السلاح داخلياً، وهذه جريمة يعاقب عليها القانون، وبين حق المقاومة في الحفاظ على سلاحها طالما الاحتلال قائم.

ثم تأتي بعد ذلك مرحلة التوحد والتوافق السياسي، وهي بمثابة التتويج للمصالحة السياسية الحقيقية، ولا يقصد بهذه المرحلة معانقة ومصافحة السياسيين، وتبادل كلمات العتب، والتي تنتهي عادة بوليمة سياسية فاخرة، بل يقصد بها مصالحة النظام السياسي مع نفسه، وهذا يعني التوافق حول ماهية وشكل النظام السياسي الذي نريد. فلقد ثبت فشل النظام السياسي بمؤسساته والذي قام منذ قيام السلطة لأنه ارتكز على الشخصانية والفردانية والتنظيمية الضيقة، وبعيدا عن ثقافة التعايش السياسي، وبالتالي المطلوب في ظل المصالحة تحديد شكل النظام السياسي برلماني رئاسي، أم رئاسي بنظام كوابح وجوامح قوي يحكم العلاقة بين السلطات الثلاث.. وتحتاج هذه المرحلة إلى استكمال بنية النظام السياسي، وإعادة صياغة الدستور الفلسطيني، بما يعكس حالة الخصوصية الفلسطينية في كل أبعادها الداخلية والإقليمية والدولية والدينية والحضارية.

وقد يتساءل البعض كيف يمكن تحقيق هذه المرحلة؟ المطلوب في هذه المرحلة فقط الاتفاق على المبادئ العامة، حيث يتم إجراء انتخابات على مستوى المجلس التشريعي والمجلس الوطني، ويتم اختيار لجنة مشتركة تقدم تصوراتها ورؤاها السياسية لكل النقاط المتعلقة ببناء النظام السياسي الفلسطيني، وهذه المصالحة تحتاج إلى تأصيل للثقافة المدنية التي لا تتعارض مع الإطار الديني العام الذي يحكم السلوك السياسي العام. وفي هذا السياق يمكن فهم أهمية التوقيع على ورقة المصالحة المصرية الفلسطينية.

والسؤال ما هي العلاقة بين هذه المراحل؟ لا ينبغي أن يفهم من هذا المنهج الفصل بين كل مرحلة والأخرى، فالعلاقة علاقة تكاملية ترابطية، ويمكن أن تتم بالتوازي بين كل المراحل، وفي إطار منهاج الرزمة المتكاملة في الإصلاح، وأخيراً الأساس في نجاح هذه المراحل هو توفر ثقافة الإصلاح والتكامل والمشاركة والتوافق والنوايا الصادقة، وفي سياق مدركات سياسية عامة تحكم أي محاولة لإنهاء الانقسام، مدركات تتعلق بطبيعة الصراع والقضية الفلسطينية، وبطبيعة الاحتلال، وبالبعد الإقليمي والدولي الذي يفرض نفسه على النموذج السياسي الفلسطيني، وإذا ما تم الاتفاق على الأسس العامة عندها لا خوف ولا قلق من وصول "حماس" أو "فتح" أو أي تنظيم سياسي للحكم والسلطة.

أهمية المصالحة

على الرغم من كل ما حدث في واقعنا الفلسطيني من تناحرات ملفقة وجرائم حرب مصطنعة واستقطابات خارجية متقنة وعلى الرغم من الاعتداءات الصهيونية اليومية على شعبنا سواء كان الأمر بالشكل العسكري المباشر كما حصل بالهجوم الغادر على قطاع غزة أو بشكل ممنهج آخر كما يحدث بالضفة الغربية من الاعتقالات وحواجز الموت والمضايقات اليومية التي يكاد تأثيرها التدميري يفوق بكثير تأثير الحروب المباشرة ورغم الصلابة الفلسطينية والأزمات التي توحد الصفوف والصبر والقوة الفلسطينية والعقلية المتجذرة في مجتمعنا ولغة العناد التي يمتاز بها شعبنا نجد ان متطلبات الواقع تفرض علينا وفي ظل المتغيرات العربية والمتغيرات الشعبية الفلسطينية الوحدة والتماسك والتلاحم في مواجهة القادم....

الجميع يعي جيداً أن القادم أكثر سوءاً وأيضاً يعرف جيدا مدى صعوبة الواقع الفلسطيني ومدى اتساع ثغرة التناقضات وتعدد أشكال المصالح والأهداف المتغيرة لدي العالم وعلى رأسهم أمريكا وإسرائيل والتحالفات العربية الجديدة والتي تلعب بأوراقها دول عربية أو ربما تحت غطاء العروبة والزعامة المتجذرة في عقلية أصحاب النفوس الضعيفة فقط لأنهم يمتلكون الكثير من المال وأيضاً يمتلكون علاقات متوازنة وغريبة التوافق بين النقيضين هذا أن جاز التعبير ولكن في الحقيقة هما وجهان لعملة واحدة الصهيونية والسياسات العربية المتأصلة في عمق الوجدان الصهيوني ولكن وللأسف تستعمل من خلالها اللغة العربية والعواطف الإسلامية في التأثير على الأحداث والشعوب منها من يجهل ما حدث وما يحدث ومنها من يعلم ما يدور...

يبدو أن أفكار الواقع الفلسطيني الجديد بدأت تتبلور تجاه ذاك المتغير القابع في عقل النظام الرسمي العربي وتحت عيون وأنظار الأساطيل الأمريكية ومنابع البشائر الإسرائيلية ومن خلال إعلام اقل ما يقال عنه سوى أنه من إتباع نظام متصهين لا فرق بينه وبين متصفحات بني صهيون الإعلامية سوى اللغة العربية وربما تتحول يوماً لغتها إلى العبرية بأسلوب عربي متطور حسب التطور الجذري في العقلية العربية...

وفلسطينياً فلا يخفى على احد مدى الضرر الذي أصاب قضيتنا ومشروعها الوطني جرّاء الانقسام، الأمر الذي أدّى إلى ضغوطات شعبية وعربية ودولية صديقة على الطرفين المعنيين مباشرة بالانقسام وهما: حركتي فتح وحماس، من أجل تجاوز الانقسام, والوصول إلى المصالحة, والعودة بالوحدة الوطنية الفلسطينية إلى سابق عهدها. من ناحية ثانية فإن الحركتين باتتا تشعران بحرج كبير أمام كل تلك الأطراف الضاغطة, وهو ما حدا بهما إلى عقد اجتماعات عديدة متتالية على أكثر من مستوى, وتشكيل لجان فرعية متخصصة, لبحث الكثير من القضايا. ففي اجتماع القاهرة الأخير بين عباس ومشعل تم الاتفاق: على الكثير من القضايا: إن بالنسبة لموضوع المنظمة والاتفاق على دخول حركتي حماس والجهاد والمبادرة الوطنية إلى إطاراتها, وما يعنيه ذلك من تفعيل للمنظمة، وتم تشكيل لجان(بمشاركة كافة الفصائل) للانتخابات، وللمصالحة المجتمعية، قضايا الحريات العامة وبناء الثقة. وبالنسبة للحكومة تم الاتفاق: على تشكيل حكومة من الكفاءات الوطنية من ذوي الاختصاصات (حكومة تكنوكراط) في فترة زمنية لا تتجاوز الشهر, والاتفاق على دعوة المجلس التشريعي للانعقاد, لإقرار القضايا المتفق عليها بين كافة الأطراف.

مما لا شك فيه: أن ما جرى الاتفاق عليه يمّثل قضايا مهمة، تجعل من شعبنا وأصدقائه على مستوى من التفاؤل بقرب تحقيق المصالحة، ولكن من الناحية الأخرى، جرى في اجتماعات سابقة للحركتين (بحضور وعدم حضور الفصائل لبعضها) الاتفاق على قضايا أخرى شبيهة، وقضايا مختلفة أخرى أيضاً, بما في ذلك الإسراع في إخراج المعتقلين (على سبيل المثال وليس الحصر)، ولم يتم ذلك حتى اللحظة، وكانت قضايا اللجان المشكّلة تذهب في الأدراج ويتم أرشفتها كشيء جرى, ليس إلاّ!.

لقد سبق للفصائل الفلسطينية (وبحضور حماس وفتح) أن وصلت إلى اتفاق في ورقة أُطلق عليها مصطلح "ورقة اتفاق القاهرة"، والتي أسست فعلياً لإمكانية الخروج من حالة الانقسام.

لذلك لا بد، أولاً: من إجراء مراجعة نقدية شاملة, بمشاركة كافة الفصائل الوطنية الفلسطينية للمرحلة السابقة, منذ توقيع اتفاقيات أوسلو وحتى هذه اللحظة، فمفاوضات عشرين عاماً لم تُنتج سوى المزيد من إيغال العدو الصهيوني في الاستيطان, وتهويد الأرض, وارتكاب العدوان والمجازر, وهدم البيوت, والاعتقال, والاغتيال، والمزيد من الإصرار على التنكر للحقوق الوطنية الفلسطينية, والإبقاء على السلطة كحكم ذاتي مهمته الأساسية تسيير الشؤون الحياتية للفلسطينيين. ودون إجراء هذه المراجعة الشاملة فإن أية خطوات يجري الاتفاق عليها بين حركتي فتح وحماس, تظل منقوصة.

وثانياً: لا بد من الاتفاق على برنامج سياسي للمرحلة المقبلة، يحدد ما هو المطلوب بدقة خلال المرحلة الراهنة، ويعيد التأكيد على إستراتيجية النضال الوطني الفلسطيني، شريطة أن تكون الحركة التكتيكية السياسية الفلسطينية منطلقة من خدمة الهدف الاستراتيجي, وليست بديلاً له, مثلما يجري التطبيق حالياً.

وثالثاً: فإن بعض الألغام ستواجه الحكومة القادمة من نمط: الأجهزة الأمنية في كل من رام الله وغزة، فالأولى تابعة للسلطة والثانية تعتمد عليها حماس في تثبيت حكومتها، بالتالي فإن أسئلة كثيرة ستواجه إعادة دمج هذه الأجهزة بعضها مع بعض.

صحيح أن ما جرى في القاهرة مؤخراً هو خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكنه أقرب إلى إدارة الانقسام منه إلى مصالحة حقيقية فعلية فحتى تتحقق المصالحة واقعاً على الأرض, يتوجب إجراء الكثير من الخطوات.

الموقف الإسرائيلي

يشكل الموقف الإسرائيلي عاملاً مهما في الضغط على الأطراف، نظراً لامتلاكه الكثير من أوراق القوة في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث يستطيع ممارسة المزيد من التصعيد العسكري في القطاع ورفع وتيرة الحصار عليه، كما أنه يمتلك معظم أوراق اللعب في الضفة الغربية بسبب سيطرته الأمنية على الأرض، وقدرته على التحكم بالوضع الاقتصادي في الضفة بشكل كامل.

لقد كان الموقف الإسرائيلي واضحا منذ الإعلان عن قرب التوصل للاتفاق، حين قالت الحكومة الإسرائيلية إن على الرئيس عباس أن يختار بين حماس وبين السلام، واستبقت توقيع الاتفاق بإجراءات عملية تمثلت بوقف تحويل أموال الضرائب المستحقة للسلطة الفلسطينية بحجة أن إسرائيل تريد التأكد من أن الأموال لن تصل إلى حماس، فيما اعتبر رئيس الوزراء توقيع اتفاق المصالحة ضربة كبيرة للسلام وانتصاراً "للإرهاب".

إن الموقف الإسرائيلي الرافض لتوقيع اتفاق المصالحة، سيشكل ضغطاً كبيراً على الرئيس عباس بشكل خاص، سواء كان ذلك بشكل مباشر من خلال الإجراءات الأمنية والعقوبات الاقتصادية على الحكومة الفلسطينية القادمة، أو بشكل غير مباشر من خلال التأثير على موقف الرباعية الدولية والدول الغربية ومحاولة فرضها رفض التعامل مع الحكومة التي سيفرزها الاتفاق.

وما أن أعلن عن التوصل إلى اتفاق بين حركتي فتح وحماس بشأن المصالحة وإنهاء الانقسام في الساحة الفلسطينية حتى جن جنون حكام الكيان الإسرائيلي, الذين بدؤوا بإطلاق التصريحات النارية والتهديدات بمعاقبة الشعب الفلسطيني.

ففي وقت طالب فيه احد وزراء حكومة نتنياهو بإعادة احتلال الضفة الغربية, أعلن وزير مالية إسرائيل وقف تحويل الضرائب إلى السلطة الفلسطينية ووقف الاتصالات الرسمية معها, ودعا شتاينتس لاتخاذ عقوبات اقتصادية ضد السلطة في أعقاب الحلف مع حماس. أما النائبة ميري ريغف من الليكود فقد توجهت في رسالة عاجلة إلى رئيس لجنة الخارجية والأمن مطالبة بالوقف الفوري لنقل أموال الضرائب. وكتبت ريغف تقول انه "لا يحتمل أن تنقل إسرائيل كل شهر أموالاً إلى السلطة، التي كل انشغالها هو في التحريض والإرهاب ضد إسرائيل".‏

وبعد عدة ساعات من صدور التقارير من القاهرة، سارع نتنياهو بحسب هآرتس إلى الهجوم بشدة على الاتفاق الأولي الذي وقع بين فتح وحماس. وأوضح نتنياهو في بيان صدر عن مكتبه بان "السلطة الفلسطينية يجب أن تختار إما السلام مع إسرائيل أو السلام مع حماس. لا يمكن كلاهما معاً"، وأضاف: لأن حماس تتطلع إلى إبادة إسرائيل وتقول ذلك علناً. وهي تطلق الصواريخ على مدننا واعتقد أن مجرد فكرة المصالحة تدل على ضعف السلطة وتطرح تساؤلات حول سيطرة حماس على الضفة الغربية مثلما سيطرت على قطاع غزة.‏

وأعلن المجلس الوزاري المصغر، أن إسرائيل لن تجري اتصالات سياسية أو مفاوضات مع الحكومة الفلسطينية المقبلة، التي ستشكل في أعقاب المصالحة بين حركتي فتح وحماس. وذكرت يديعوت أحرونوت أن القيادة الإسرائيلية أجرت سلسلة مشاورات سياسية وأمنية بمشاركة رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، تقرر في ختامها متابعة التطورات على الساحة الفلسطينية وعدم إجراء مفاوضات سياسية مع الفلسطينيين.

واتهم بعض الوزراء أجهزة الأمن الإسرائيلية بعدم معرفتها بالجهود المبذولة للمصالحة الفلسطينية، كما أوردت صحيفة يديعوت احرونوت: "على الرغم من أن إسرائيل تابعت في الأشهر الأخيرة اتصالات المصالحة بين الفصائل الفلسطينية، قدرت محافل الاستخبارات بأن حماس لن توافق على منح السلطة الفلسطينية موطئ قدم في غزة، وبالتالي فان احتمالات المصالحة طفيفة. ما عزز التقديرات في أن المصالحة بين الفصيلين لا تلوح في الأفق".‏

بدوره ندد شمعون بيريس، رئيس الكيان الإسرائيلي، باتفاق المصالحة، وقال في بيان إن "الاتفاق بين فتح ومنظمة حماس الإرهابية خطأ قاتل سيحول دون إقامة دولة فلسطينية وسيخرب فرص السلام والاستقرار في المنطقة". بينما صرحت تسيبي ليفني، "إن حماس حركة إرهابية تمثل عقيدة متطرفة لا تعترف بحق إسرائيل في الوجود ولا تعترف بالاتفاقيات مع إسرائيل". وأضافت أن أمام الحكومة الفلسطينية الجديدة اختباراً وهو هل ستقبل بالشروط الدولية التي أعلنتها الرباعية للاعتراف بحكومة حماس.

وهدد العنصري أفيغدور ليبرمان باللجوء إلى "ترسانة كبيرة من الإجراءات" الانتقامية ضد السلطة الفلسطينية اثر إبرام المصالحة بين حركتي فتح وحماس. وقال ليبرمان لإذاعة الجيش الإسرائيلي: "تم مع هذا الاتفاق تخطي خط أحمر.. نملك ترسانة كبيرة من الإجراءات مثل إلغاء وضع الشخصية الهامة لأبي مازن وسلام فياض ما سيمنعهما من التحرك بحرية في الضفة الغربية". وأضاف: "يمكننا أيضا تجميد تحويل الضرائب المقتطعة في إسرائيل لحساب السلطة الفلسطينية". أما وزير الحرب، باراك، فقال إن "الأحداث الأخيرة تقتضي الحاجة إلى الاعتماد حصرا على أنفسنا". وأضاف: "الجيش والأجهزة الأمنية ستتعامل بقبضة حديدية لمواجهة أي تهديد أو تحد".‏

وبحسب ما قالت معاريف فإن تقريراً سرياً صادر عن وزارة الخارجية الإسرائيلية حذر من المصالحة واعتبرها خطرا على إسرائيل وقد تؤدي إلى انهيار السياسات الأمريكية في المنطقة: "اتفاق المصالحة بين فتح وحماس قد يؤدي إلى انهيار السياسة الأمريكية في المنطقة ومن شأنه أن يفشل مساعي الولايات المتحدة لاستئناف المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين هكذا يفهم من تقرير سري صادر عن مركز البحوث السياسية في وزارة الخارجية. الخطر الأساس حسب التقرير هو أن دولاً مركزية في أوروبا سترغب في إعطاء فرصة لحماس، فتعترف باتفاق المصالحة وبحكومة وحدة فلسطينية وترى في الاتفاق فرصة لاستئناف الاتصالات مع حماس. هذه الاتصالات تؤدي بالتدريج، ولكن بشكل محتم، إلى إعطاء شرعية دولية لحماس، على الرغم من أن هذه توصف في أوروبا حتى الآن كمنظمة إرهابية".‏

أما تحليلات الصحف الإسرائيلية فلم تختلف كثيراً عن تصريحات الزعماء الإسرائيليين من حيث الخطورة التي يشكلها هذا الاتفاق من وجهة نظرها على المصالح الأمنية الإسرائيلية على المدى القريب والبعيد، هآرتس ترى أن الأوضاع التي تمر بها المنطقة سرعت في توقيع الاتفاق بين حماس وفتح: يخيّل أنه ينبغي لنا أن نرى استعداد حماس للوصول إلى تسوية على خلفية التطورات الأوسع في العالم العربي. فقد تلقت حماس في الأشهر الأخيرة إشارات على أن استمرار سيطرتها في غزة ليس أمرا مسلما به في نظر الجمهور الغزاوي.

أما يديعوت احرونوت فقد اعتبرت الاتفاق على أنه مصيبة للإسرائيليين: اتفاق المصالحة بين حماس والسلطة الفلسطينية، إذا ما خرج إلى حيّز التنفيذ هو حدث سلبي للغاية في تاريخ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، يضع قيد الشك إمكانية أن تتحقق في أي وقت من الأوقات تسوية سلمية بين الشعبين. عندما يصل هؤلاء الأشخاص إلى مواقع التأثير في الحكم الفلسطيني، كل شيء سيتغير سلباً: التطرف سيزداد، التوتر سيتصاعد والكراهية ستنمو.

إسرائيل ستتشدد في وسائل المنع والإحباط، وحياة الفلسطينيين ستُشوّش وتُعرْقَل، الاقتصاد سيتحطم، الأمن والهدوء سيختفيان والإرهاب من شأنه أن يستأنف. في القناة السياسية ، هذا إذا وجدت على الإطلاق، ستطرح على إسرائيل مطالب سياسية غير معقولة، وكل تسوية سياسية ستصبح متعذرة.‏

وكتب المراسل العسكري لهآرتس تقريراً حول المواقف المصرية الأخيرة ودورها المباشر في دفع كل من حماس وفتح إلى التوقيع على الاتفاق، فتحت عنوان: "مصر لإسرائيل: لا تتدخلوا في مسألة فتح معبر رفح" كتب آفي يسخروف يقول: حذر رئيس أركان الجيش المصري إسرائيل من التدخل في قرار القاهرة فتح معبر رفح إلى قطاع غزة. وعلى حد قول سامي عنان، فان "هذا موضوع مصري داخلي وليس لإسرائيل الحق في التدخل فيه". وقال مصدر إسرائيلي كبير لـ "وول ستريت جورنال" أن "فتح المعبر المرتقب والتطورات الأخيرة في مصر يشغل بال إسرائيل وقد يؤثر على أمنها على المستوى الاستراتيجي". في أعقاب التقارب بين مصر وإيران، فان اتفاق المصالحة بين فتح وحماس الذي تحقق بوساطة مصرية، والتصريحات عن الفتح القريب لمعبر رفح، أرسل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مبعوثا خاصا عنه لإجراء محادثات مع كبار رجالات الحكومة المؤقتة في القاهرة هو المستشار الأقرب لنتنياهو المحامي اسحق مولكو.

ويدرك صناع القرار في الكيان الصهيوني أن تطبيق اتفاق المصالحة بنجاح بشكل يؤدي إلى إنهاء حالة الانقسام يؤذن بخسارة "إسرائيل" كل المكتسبات الإستراتيجية التي حققتها خلال الأعوام الخمسة التي تلت الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جاءت بحركة حماس إلى الحكم، وما تلاه ذلك من صدامات أدت إلى الانقسام الفلسطيني.

وإزاء خسارة "إسرائيل" المتوقعة لمكاسبها التي جنتها من الانقسام، فإنها لن تقف مكتوفة الأيدي، وستعمل على إحباط تطبيق اتفاق المصالحة بكل ما أوتيت من قوة. وستلجأ "إسرائيل" لاستخدام كل الأدوات الممكنة لإفشال الاتفاق عبر الخطوات التالية:

الضغوط السياسية: يتضح من الحملة الدعائية الإسرائيلية المركزة والمكثفة التي أعقبت الإعلان عن اتفاق المصالحة أن تل أبيب ستحرص في المرحلة القادمة على محاول نزع الشرعية عن الحكومة الانتقالية التي سيشكلها الفلسطينيون، كما ينص اتفاق المصالحة، حيث ستثير "إسرائيل" شروط اللجنة الرباعية، المتمثلة في ضرورة اعتراف الحكومة بـ"إسرائيل" والاتفاقيات الموقعة بين "إسرائيل" والسلطة، ونبذ المقاومة بوصفها "إرهاباً". وستدعو "إسرائيل" الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للحكم على الحكومة الجديدة بقدر التزامها بمواصلة التعاون الأمني وتعقب المقاومة.

الضغوط الاقتصادية: ستسعى "إسرائيل" أن تثبت للفلسطينيين لاسيما في الضفة الغربية أن أوضاعهم لن تزداد إلا سوءاً في ظل المصالحة، حيث ستحاول إقناع الدول المانحة بالتوقف عن تقديم الدعم المالي للسلطة، بحيث تصبح السلطة عاجزة عن دفع رواتب الموظفين، ما يؤدي إلى تردي الأوضاع المعيشية في الضفة. وستعمل "إسرائيل" على التأثير بشكل غير مباشر على الأوضاع الاقتصادية عبر فرض قيود على حرية الحركة في الضفة الغربية لضرب عمل المرافق الاقتصادية وتراجع معدلات النمو، إلى جانب المس بالعمل في الكثير من المشاريع الإنشائية ومشاريع البنى التحتية التي شرع فيها في كثير من مناطق الضفة الغربية، وذلك للوصول إلى نفس الهدف.

الضغوط الأمنية: لن تتردد "إسرائيل" في استخدام الحلول العسكرية لإحباط المصالحة، لاسيما عبر توظيف أي عمليات إطلاق صواريخ تتم من قطاع غزة تجاه "إسرائيل"، حيث ستطالب العالم بالتعاطي مع هذه الحوادث كاختبارات للحكومة الفلسطينية الانتقالية وذلك لاستدعاء الضغوط الدولية ولنسف شرعيتها مبكراً.

وخلاصة القول إن مفتاح المصالحة ليس تأليف الحكومة، ولا الانتخابات كما يتردد كثيراً، وليس استرضاء حكام واشنطن وتل أبيب، ولا ربطها بمدى إسهامها بالجهود الرامية إلى استئناف المفاوضات التي أوصلت الفلسطينيين إلى الكارثة، أو ربطها بالتغييرات العربية؛ وإنما وضع المصالحة بعد أن تحسنت الأجواء في ضوء الانتصار الدبلوماسي في الأمم المتحدة والانتصار العسكري في غزة، في سياق إحياء القضيّة الفلسطينيّة مجدداً، وإعادة تعريف المشروع الوطني بما يستجيب للحقائق والتطورات الجديدة فلسطينياً وعربياً ودولياً وإقليمياً، بحيث يكون هناك مسار إستراتيجي جديد بديل من المسارات السابقة التي لم تؤد إلى تحقيق الأهداف الوطنيّة، سواء اعتماد المفاوضات كطريق وحيد والتخلي عن جميع أشكال وأسباب القوة، أو اعتماد المقاومة كطريق وحيد.

مسار ينطلق من تحديد "ركائز المصلحة الوطنيّة العليا" التي تجمع الفلسطينيين جميعًا أينما كانوا، ويتم على أساس إعادة بناء منظمة التحرير، بحيث تضم مختلف ألوان الطيف السياسي الفلسطيني.

يتضمن هذا المسار بلورة برنامج سياسي يجسد القواسم المشتركة الكفيلة بالتعامل مع الوضع الراهن من دون التنازل عن الحقوق الأساسيّة. برنامج يستند إلى الأهداف والحقوق الفلسطينيّة المتمثلة في حق تقرير المصير، وإنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة، وحق العودة، والمساواة، والدفاع عن الفلسطينيين في جميع أماكن تواجدهم وتمثيلهم.

اعلى الصفحة