أصدقاء المنفعة:
ماذا التحالف الأمريكي- الإسرائيلي مهم لأمريكا

السنة الحادية عشر ـ العدد132 ـ ( محرم ـ صفر 1434  هـ ) كانون أول ـ 2012 م)

بقلم: ترجمة: محمد عودة

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.. مايكل إيزنشتود وديفيد بولوك

في النقاش الرئاسي الأخير لحملة الـ2012، ذكر الرئيس باراك أوباما والحاكم ميت رومني كلمة إسرائيل حوالي 30 مرة، أي أكثر من أي بلد آخر باستثناء إيران. لكن المرشحَيْن أطلقا على الدولة اليهودية صفة "الصديق الحقيقي"، وأخذا على عاتقهما الوقوف إلى جانبها في السراء والضراء، وذلك يوحي أن المرشحين كانا ببساطة يسعيان خلف الأصوات اليهودية وتلك المؤيدة لإسرائيل.

لكن إذا كان دعم إسرائيل بالفعل بهذا الثقل السياسي، لذا يكون في جزءٍ منه لأنّ الناخبين يعرفون الأفضل. إن التحالف الأمريكي الإسرائيلي الآن أهم من أي وقت مضى بالنسبة للأمن الأمريكي، حيث ازداد التعاون الثنائي للتعامل مع التحديات العسكرية وغير العسكرية في الأعوام الأخيرة. وقد لا تكون العلاقة متناظرة. فالولايات المتحدة منحت إسرائيل دعماً دبلوماسياً واقتصادياً وعسكرياً غير مسبوق وصل بمجمله إلى ما يزيد عن 115 مليار دولار منذ العام 1949. لكنها شراكة باتجاهين والمنافع التي تحظى بها الولايات المتحدة هامة جداً. أمّا الأثمان الأخرى للتحالف الأمريكي- الإسرائيلي، وبشكل أساسي إلحاق الضرر بسمعة واشنطن في البلدان العربية والإسلامية والمعضلة التي أوجدتها التدخلات الأمريكية وعقود من الدعم الأمريكي للحكام الطُغاة في الشرق الأوسط، فتُعد تافهة بالمقارنة مع المكاسب الاقتصادية والعسكرية والسياسية التي يؤمنها التحالف لواشنطن.

يعود التعاون الأمني الأمريكي الإسرائيلي إلى أيام الحرب الباردة، عندما نُظر إلى الدولة اليهودية في واشنطن على أنها سدّ أمام النفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط وفي وجه القومية العربية. ورغم أن العالم قد تغير من ذلك الحين، إلا أن المنطق الإستراتيجي للتحالف الأمريكي- الإسرائيلي لم يفعل. فتبقى إسرائيل الثقل الوازن مقابل القوى المتطرفة في الشرق الأوسط، ومن ضمنهم الإسلام السياسي والتطرف العنفي. كما أنها منعت توسّع انتشار أسلحة الدمار الشامل في المنطقة من خلال تدمير البرنامجين النوويين في العراق وسوريا.

وتستمر إسرائيل في مساعدة الولايات المتحدة للتعامل مع التهديدات الأمنية التقليدية. فيتشارك البلدان في المعلومات الإستخبارية بشأن الإرهاب والانتشار النووي والسياسات الشرق الأوسطية. كما أن الخبرات العسكرية لإسرائيل شكلت مقاربة الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب والأمن الداخلي. وتعمل الحكومتان سويةً في التكنولوجيا العسكرية المتطورة مثل أنظمة الدفاع الصاروخي كرمح داوود وحيتس، اللذين قد يُصبحان قريباً جاهزين للتصدير إلى حلفاء آخرين للولايات المتحدة. وتُعد إسرائيل أيضاً مُزوداً عسكرياً هاماً للجيش الأمريكي، مع مبيعات وصلت إلى 300 مليون دولار في العام الواحد، قبل 11 أيلول، لتصبح 1.1 مليار دولار في العام 2006 جراء حربي أفغانستان والعراق. وأصبحت الأبحاث وعمليات التطوير العسكري الإسرائيلية ريادية في الكثير من التقنيات التي بدّلت وجه الحرب المعاصرة، من ضمنها أسلحة السايبر والطائرات غير المأهولة وأجهزة التحسس وأنظمة الحرب الالكترونية والدفاعات المتطورة للعربات العسكرية.

وعبّد التحالف الأمريكي-الإسرائيلي الطريق أمام البلدان من أجل التعاون في الأمور التي تتخطى القضايا الأمنية التقليدية. في جزء منه بسبب العلاقة السياسية والأمنية بعيدة الأمد بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فمعظم الإسرائيليين يعرفون الولايات المتحدة ويكنون المشاعر الإيجابية اتجاهها. وتتطلع الشركات الإسرائيلية إلى سوق عالمي من أجل منتجاتها وغالباً ما ينظرون إلى نظرائهم الأمريكيين كشركاء في الاختيار. لذا اليوم، تساعد الاختراعات التقنية المدنية الإسرائيلية الولايات المتحدة في الحفاظ على قدرتها التنافسية الاقتصادية وتعزيز التنمية المُستدامة ومعالجة مروحة من التحديات الأمنية غير العسكرية. وقد أسست عشرات الشركات الأمريكية الريادية فروعاً لها في إسرائيل للاستفادة من ميل البلاد للأفكار الجديدة. وتلجأ الشركات الإسرائيلية عالية التقنية أيضاً إلى الشركات الأمريكية حيث تعتبرها شريكة في الإنتاج المشترك وفرص التسويق في الولايات المتحدة وأمكنة أخرى، مما يؤدي إلى إيجاد عشرات الآلاف من الوظائف الأمريكية. وعلى الرغم من أن الإسرائيليين يُشكلون فقط 3% من سكان الشرق الأوسط، أصبحت إسرائيل في العام 2011 وجهة 25% من مجمل الصادرات الأمريكية إلى المنطقة، وتخطت السعودية مؤخراً التي كانت على رأس أسواق استيراد المنتجات الأمريكية.

وقد كان التعاون الهام للشركات الأمريكية مع إسرائيل بشأن التكنولوجيا المعلوماتية حاسماً في نجاح شركة سيليكون فالي. ففي مراكز الأبحاث والتطوير في إسرائيل، صمم المهندسون كثيراً من المُعالجات الصُغرية الأكثر نجاحاً للشركة، حيث حققت حوالي 40% من عائدات الشركة في العام الماضي. فإن أنت أقدمت على القيام بتحويل مالي آمن عبر الإنترنت أو أرسلت رسالة فورية أو اشتريت شيئاً باستخدام البايبال، فالفضل يعود إلى الباحثين الإسرائيليين في شركة سيليكون فالي.

كما أن المخترعين الإسرائيليين أوجدوا حلولاً جديدة لتحديات المياه والأمن الغذائي التي يعود سببها إلى النمو السكاني وتغيير المناخ والتطور الاقتصادي. ونظراً لجغرافيا الشرق الأوسط، تُعد إسرائيل ريادية في حفظ المياه والإدارة والزراعة عالية التقنية. فتقوم إسرائيل بمعالجة أكثر من 80% من مياه الصرف، وهي أعلى نسبة في العالم، واستخدمت على نحو واسع تقنيات الحفاظ على المياه وتنقيته، من ضمنها السقاية بالتقطير.

لكن بالتأكيد، لم يكن التحالف مع إسرائيل دون مخاطر أو أثمان بالنسبة لواشنطن. فقد أدت حرب الـ1973 بين إسرائيل وجيرانها إلى وقوف أمريكا على حافة النزاع مع الإتحاد السوفييتي ودفعت إلى حظر عربي لتصدير النفط إلى الولايات المتحدة. وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، أرسلت إدارة ريغن قوات المارينز الأمريكية للمساعدة في بسط الاستقرار في البلاد، فانتهى الأمر بتعرض الدبلوماسيين والقوات العسكرية الأمريكية إلى هجمات مُكلفة هناك. كما عزز الدعم الدبلوماسي والعسكري الأمريكيَّيْن لإسرائيل من اتخاذ مواقف سلبية اتجاه الولايات المتحدة في كثير من البلدان العربية والإسلامية.

لكن لا تجدر المبالغة بتلك الأثمان. فبغض النظر عن التصويت الرمزي إلى حد كبير في الأمم المتحدة ضد المواقف الأمريكية، ألحق دعم واشنطن لإسرائيل الضرر بشكل كبير بعلاقات الولايات المتحدة مع حلفائها العرب والمسلمين. والوقوف إلى جانب إسرائيل بالتأكيد لم يضر السياسة الأمريكية في المنطقة بقدر ما فعلت الحرب في العراق أو دعم واشنطن للأنظمة العربية الاستبدادية. في هذه الأثناء، وكنتيجة لموقفها الداعم لإسرائيل، لم يقم أي حليف عربي للولايات المتحدة أبداً برفض التعاون مع واشنطن في مسألة مكافحة الإرهاب أو رفض مطالبها بشأن المرور في أراضيها أو إقامة القواعد أو العبور جواً.

في الواقع، لقد ساعد التحالف الأمريكي-الإسرائيلي أحياناً في تقريب العلاقات الأمريكية - العربية أكثر، وفقاً لنظرية أن الولايات المتحدة وحدها قادرة على إقناع إسرائيل بتقديم التنازلات في المفاوضات. وهذا كان جزءاً من المنطق الذي اتبعته مصر في ابتعادها عن الإتحاد السوفييتي والتقارب مع الولايات المتحدة في السبعينات. وحتى خلال العقد المنصرم من العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية الوثيقة وعلى الرغم من الطريق المسدود في عملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينية، انتعشت العلاقات العربية مع الولايات المتحدة على نحو واسع: فارتفع منسوب التجارة الثنائية والاستثمارات حيث وصلت الصادرات الأمريكية إلى الشرق الأوسط في العام 2011 إلى أعلى نسبة لها وبلغت 56 مليار دولار. كما أن التعاون الأمني لم يصل سابقاً إلى المستوى الذي وصله، وبدا الأمر جلياً من خلال صفقات الأسلحة التي أُبرمت بمليارات الدولارات مع حلفاء واشنطن في الخليج في السنوات الأخيرة. علاوة على ذلك، تتشارك عدة دول، ومن ضمنها مصر والأردن إلى جانب السلطة الفلسطينية، بنقل المعلومات الإستخبارية مع إسرائيل وفي أوقات مختلفة عملت تلك الأطراف وراء الكواليس لتكون إسرائيل وسيطاً بينها وبين واشنطن. وهذه كانت الحالة حتى مع الحكومة المصرية ما بعد الثورة. كل هذه الأمور تُشير إلى واقعٍ مفاده أن المصلحة الذاتية وليس الإيديولوجية هي العامل الأساسي في علاقات الدول العربية مع واشنطن.

وعلى الرغم من استمرار العلاقات التي تربط الولايات المتحدة مع بعض البلدان العربية، شهد العامان الأخيران الحافلان بالاضطرابات تدهور الأوضاع في كثير من بلدان الدول الحليفة لواشنطن في المنطقة. وفي أكثر الأوقات اضطراباً، خصوصاً في ما يتعلق بالتوترات مع إيران، من المحتمل أن تعتمد الولايات المتحدة حتى أكثر على حلفائها غير الديمقراطيين المتمتعين باستقرار نسبي مثل السعودية وعلى حلفائها الديمقراطيين المستقرين مثل إسرائيل وتركيا من أجل ضمان مصالحها في المنطقة. وواقعاً، أدت الأحداث الأخيرة إلى تعزيز الدعامة المنطقية التي تقف وراء التعاون الإستراتيجي الأمريكي- الإسرائيلي.

إن منافع الولايات المتحدة من علاقتها بإسرائيل تنفي الحجة التي تقول إن التحالف يستند بالتحديد على القيم الديمقراطية المشتركة بين البلدين أو حظوة إسرائيل في السياسات الأمريكية أو المسعى المراوغ للتقدم في عملية السلام. بل هي علاقة مبنية على المصالح المادية وستبقى كذلك في المستقبل المنظور. وليس سهلاً على الدوام الحفاظ على تحالف إسرائيل، فالأفعال الإسرائيلية لا تجعل من التحالف دائماً أمراً يسيراً. إذ أنّ البلاد تواجه تحديات جمّة، من ضمنها الصراع المفتوح مع الفلسطينيين والفجوات الاجتماعية الاقتصادية الداخلية وارتفاع الأصوات حول العالم التي تنكر لها حقها في الوجود وآخرها البرنامج النووي الإيراني.  لقد أحرزت إسرائيل تقدماً متقطعاً في معالجة هذه القضايا وهي تحتاج إلى فعل المزيد من أجل الحفاظ على شريك مُغرٍ للولايات المتحدة. لكن نجاحاتها السابقة في استقدام أعداد هائلة من المُهاجرين ورأب الانقسامات الاجتماعية العميقة وإظهار قدرة ملحوظة في مواجهة الحرب والإرهاب تُعد سبباً للاعتقاد بأن واشنطن يمكنها الاعتماد على شريكها الأول في الشرق الأوسط وستستمر في قطف المنفعة من تحالفها مع الدولة اليهودية.

*مايكل إيزنشتود هو مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن.

*ديفيد بولوك هو باحث في المعهد.

اعلى الصفحة