العجز الإسرائيلي في مواجهة المقاومة الفلسطينية
"فشل العدوان على غزة نموذجاً"

السنة الحادية عشر ـ العدد132 ـ ( محرم ـ صفر 1434  هـ ) كانون أول ـ 2012 م)

بقلم: عدنان أبو ناصر

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

في عام 1982 أطلقت "إسرائيل" اسم "إصبع الجليل" على اجتياح جنوب لبنان الذي كان يستهدف ضرب البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية المتمثلة بقواعد الثورة الموجودة هناك، وفي عام 2008 أطلقت اسم "الرصاص المصبوب" على عدوانها الهمجي على قطاع غزة. وفي عام 2012 يبدو أن عقدة اليهود التاريخية قد ألهمت نتنياهو وجيش حربه الصهيوني لإطلاق اسم "عامود السحاب" على عدوانه الأخير على قطاع غزة.

لقد دأب الكيان الصهيوني على إطلاق أسماء سينمائية على عملياتها العسكرية وعدوانها على الفلسطينيين فتارة أعطت أسماء جغرافية وتارة أسماء صهيونية ومؤخراً أسماء غامضة ومجازية.

"عامود هاعنان" باللغة العبرية هي عبارة مجازية وليس اصطلاحية وهي مستوحاة من العبارات التوراتية التي تتعلق بضياع اليهود في صحراء سيناء وعلى شواطئ البحر الأحمر لمدة 40 عاماً حين عاقبهم الرب. والمعنى المجازي لهذه العملية "العقاب السماوي" وهي إحدى العقوبات السبع التي أنزلها الله على بني "إسرائيل" لأنهم لم ينفذوا أوامره ولم يستجيبوا لدعوات النبي موسى عليه السلام.

العدوان والأهداف

على الرغم من أن توقيت هذا العدوان يأتي بالتزامن مع الانتخابات المرتقبة في إسرائيل، إلا أن الكيان تحدث عنه باستمرار وكانت التصريحات المتعاقبة تتحدث أنها مسألة وقت فقط، وخاصة في ظل الحديث عن ترسانة تتضخم لدى فصائل المقاومة واستمرار تخزين الأسلحة الإستراتيجية التي يمكن أن تصل إلى وسط "إسرائيل".

لذلك اعتبر الكثير من المحللين أن ما يجري في القطاع من عدوان إسرائيلي ما هو إلا "حرب" منظمة سعت إليها إسرائيل وحددت أهدافها منذ نهاية الحرب السابقة 2008- 2009.

ويؤكد المحللون أن إسرائيل سعت منذ البداية وباستخدام أسلوب الخديعة والمباغتة إلى تحقيق إنجاز كبير في بداية العدوان، وكان ذلك من خلال اغتيال الشهيد القائد احمد الجعبري، لتعطي انطباعا أنها حرب مهمة للإسرائيليين. وأن بنك الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها في هذه الحرب تم تجميعها منذ بداية الحرب السابقة والتي تتلخص في القضاء على الأسلحة التي تعتبرها إسرائيل إستراتيجية وتشكل تهديدا رئيسيا لها.

والهدف الثاني هو توجيه ضربة موجعة لحركة المقاومة الفلسطينية، واستعادة قوة الردع لديها من خلال إيصال رسالة بأنها قادرة على حماية حدودها الجنوبية، والأهم من ذلك هو تقليص حجم إطلاق الصواريخ على أراضيها انطلاقا من غزة.

وقالت المصادر العبرية أن الجيش الإسرائيلي حدد ثلاثة أهداف مركزية لعمليته العسكرية في غزة "عامود السحاب" تبدأ في القضاء على مخازن الأسلحة، خاصة الطويلة المدى بما يضمن تهدئة لفترة طويلة، واستمرار الاغتيالات وخلق قوة ردع، تعتبر إسرائيل أنها فقدتها تجاه حماس.

وأعلنت الجبهة الداخلية الإسرائيلية حالة طوارئ حربية في محيط قطاع غزة، بطول 40 كيلومترا، فيما اصدر الجيش أوامر لاستدعاء احتياط الجيش، وهي أوامر تصدر في حال الحرب، تمهيدا لعملية اجتياح برية للقوات البرية. وبحسب الجيش فان اغتيال الجعبري بداية لاغتيالات سياسيين وعسكريين من حماس والجهاد الإسلامي. وأشرف رئيس أركان الجيش، بيني غانتس، على العملية العسكرية التي بدأ تنفيذ مرحلتها الأولى باستهداف مخازن الأسلحة وأعلن عن تفجير مخزن صواريخ بعيدة المدى من نوع "فجر". وقال النائب السابق لقائد الجبهة الداخلية، ايال بن رؤوفين، إن الجيش سيعمل على توجيه ضربة موجعة لحماس مضيفاً: "لا يمكن الحديث عن القضاء على حماس، فهذا ليس بالأمر السهل أو المقبول ولكن هناك حاجة لخلق قوة ردع وتحسين نشاط الجيش على طول الحدود، والاهم من ذلك هو القضاء على مخازن الصواريخ التي باتت تهدد امن إسرائيل وسكانها بشكل خطير".

وكانت إسرائيل اتخذت قرار العملية في اجتماع المنتدى التساعي لحكومة نتنياهو. وفي الجلسة عرض قائد أركان الجيش أمام الوزراء عدة سيناريوهات للعملية، تدرب عليها الجيش، وفي صلبها اغتيال عدد كبير من القادة الفلسطينيين من مختلف فصائل المقاومة والقضاء على البنى التحتية للتنظيمات المسلحة.

وخلا القرار الذي تبنته لجنة الوزراء الإسرائيليين لشؤون الأمن الوطني من أي إشارة لعملية اجتياح لقطاع غزة وان كان منح الجيش الإسرائيلي صلاحيات واسعة لتنفيذ عمليات. وتبنى الاجتماع ٤ قرارات هي:

أولاً، تم الإيعاز للجيش الإسرائيلي والشاباك بمواصلة العمل بحزم ضد البنى التحتية للمنظمات في قطاع غزة التي تعمل ضد المواطنين في "إسرائيل" وذلك من أجل تحسين الأوضاع الأمنية وتمكين الإسرائيليين من العيش حياة عادية.

ثانياً، تم الإيعاز لكل من الجيش ووزارة الحرب عن الجبهة الداخلية والشرطة وجميع الجهات المهنية بالقيام بجميع الخطوات المطلوبة وفقاً لبيان وزير الحرب حول الإعلان عن حالة خاصة في الجبهة الداخلية.

ثالثاً، تم السماح للجيش وفق الحاجة وموافقة وزير الحرب بتجنيد قوات الاحتياط.

رابعاً، تم تخويل كل من رئيس الوزراء ووزير الحرب ووزير الخارجية، ووفق الحاجة بالتشاور مع وزراء آخرين، باتخاذ قرار بناءً على موقف لجنة الوزراء لشؤون الأمن الوطني, حول الخطوات المطلوبة لمواصلة عملية عامود الغيمة كما تقتضي الحاجة وطرح قرارات أخرى على الطرف المخول في الحكومة.

وفي الوقت الذي حظيت فيه العملية العسكرية الإسرائيلية ضد غزة بالإجماع في حكومة بنيامين نتنياهو، وبتأييد كل الأحزاب الرئيسية داخل الائتلاف الحكومي وخارجه، وبمديح المعلقين السياسيين والعسكريين ورجال السياسة في الصحف الإسرائيلية، لكن هذا لم يمنع بعض المحللين البارزين من التحليق خارج السرب.

ناحوم برناع، كبير المحللين السياسيين في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، حذّر في مقالة له من أن "العملية العسكرية تنطوي على ربح فوري ومجازفة لاحقاً"، حيث أن على إسرائيل أن تتحسب لرد فعل حركة "حماس" والتنظيمات الفلسطينية الأخرى على الهجمات الإسرائيلية، وكذلك لردود الفعل الرسمية المصرية وردود الشارع العربي والإسلامي. وبالتالي فإن تمكن الجيش الإسرائيلي من تحقيق بعض الأهداف على المستوى العملياتي لا ينفي لاحقاً أن تكون لدى إسرائيل أسباب للندم على اغتيال رئيس أركان كتائب "عز الدين القسام" أحمد الجعبري.

ويؤكد المعلق العسكري للصحيفة، رون بن يشاي، أن ردود الفعل الفلسطينية على الهجمات الإسرائيلية بيّنت أن الفلسطينيين في قطاع غزة قد استفادوا جيداً من تجربة الحرب الإسرائيلية على القطاع، كانون الأول/ديسمبر 2008- كانون الثاني/يناير 2009، والحرب الإسرائيلية على لبنان، تموز/يوليو 2006، إذ استطاعت المنظمات الفلسطينية في غزة "إقامة مركز رقابة وسيطرة إلكترونية من الصعب على إسرائيل تشويشها" ما يفسر نجاح الأجنحة العسكرية لتلك المنظمات في إطلاق صواريخ بعيدة المدى على إسرائيل، وصل عدد منها إلى ضواحي تل أبيب.

وفي مقال افتتاحي في الصحيفة نفسها كتب زئيف تساحور: "بدأ إطلاق الصواريخ على بلدات غلاف غزة قبل 11 سنة. ومنذ ذلك الحين تبدل أربعة رؤساء حكومات، وأربعة وزراء دفاع وثمانية وزراء أمن داخلي. وقد التقيت معهم جميعاً، واستطيع أن أشهد بأن التحولات الشخصية والسياسية تفقد معناها حينما نبلغ إلى غلاف غزة. إن ما قاله أحد رؤساء الوزارة قاله على التوالي من جاءوا بعده، وكذلك أيضاً وزراء الدفاع والأمن الداخلي، وكأنهم جميعاً سحبوا عن الرف درساً مُعداً يخدم أجيال أصحاب المناصب". ويضيف تساحور: "إن أحداثاً حادة كعملية "الرصاص المصبوب" تندمج في هذه المتوالية التي منطقها بسيط وهو أن ما لا يمر بقوة سيمر بقوة أكبر. ولهذا، إن متوالية الإطلاق فالرد فالإطلاق فالرد تعوج مثل قوس إلى أن تُغلق وتصبح حلقة مفرغة لقاتلين ومقتولين". ويتابع تساحور "إن الحل الوحيد الذي يستطيع أن يفصم متوالية دم القاتلين والمقتولين يتلخص بشعار "لن ينتهي هذا إلى أن نتحادث". إن الرد الثابت عند الساسة أمام عدسات التصوير هو: لا يوجد من نُحادث. قالوا ذلك في أيام م.ت.ف ويقولونه الآن بالطبع. من نُحادث، هل نُحادث حماس؟.. سنُحادث حماس في نهاية الأمر، وإذا قضينا على قادتها فسنُحادث أكثر منهم تشدداً يحلون محلهم. ويشهد على ذلك تاريخ عصرنا، وتشهد حركات التحرير القومي في عشرات الدول الجديدة التي نشأت في القرن العشرين.. ويظهر في شأن التفاوض أيضاً سؤالان صعبان وهما: كم سنحتاج من الوقت إلى أن نتحادث؟ وكم من الدم سيُسفك حتى ذلك الحين؟..".

ويوجه د. تشيلو روزنبرغ، في مقالة له نشرتها صحيفة "معاريف"، نقداً لاذعاً لسياسات القوة الإسرائيلية والحصار الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة، ويقول روزنبرغ: "كل الخطابية الزائفة في التعبيرات الفارغة من كل مضمون والتي يستخدمها قادة الدولة هي غطاء على الضعف، الفشل وعدم الجهوزية للاعتراف بالفم المليء: يوجد حل بالنسبة لغزة. زعماء الدولة يعرفون ما الذي ينبغي عمله، ولكنهم يمتنعون عن أن يقولوا للجمهور بالفم المليء: إسرائيل ملزمة بأن تفك ارتباطها عن غزة بالمطلق والسماح للفلسطينيين بأن يديروا حياتهم دون أي تدخل إسرائيلي. فك الارتباط الذي نفذ هو نصف حمل، ولما كان لا يوجد نصف حمل، فإن فك الارتباط إياه لا يساوي شيئاً.. الردع الذي تحقق في "الرصاص المصبوب" تآكل جداً. كل التهديدات التي أطلقها زعماء إسرائيل فارغة من المحتوى. فزعماء غزة يضحكون من رد إسرائيل. رئيس الوزراء يقف أمام الكاميرات ويعد بالأمور العظيمة واللامعة، وسكان الجنوب يختبئون في أعماق الأرض أو في الغرف المحصنة. الثمن المعنوي هائل. الثمن الاقتصادي لا يقل عن ذلك. ليس واضحاً لماذا يكرر رئيس الوزراء ووزير الدفاع أقوالهما كالشعارات، والأنابيب البدائية تواصل السقوط على رؤوس الإسرائيليين. فمن منعهما على مدى أربع سنوات أن ينفذا كل ما في رأيهما كي يوقفا هذا الجنون؟..". وينتهي روزنبرغ إلى القول: إن من يعتقد أن حملة عسكرية ستصفي "حماس" وستقضي عليها مخطئ ومضلل.

وتحت عنوان "كفى للتظاهر بالسذاجة" يسخف الكاتب ميخال أهروني دعوات القادة العسكريين والسياسيين الإسرائيليين لاستعادة "الردع"، مؤكداً أنه "لا مفر من إدارة مفاوضات علنية مع "حماس"، ويزيد: "أبو مازن لطيف، رام الله أكثر لطفاً ورقة من غزة، ولكن في القطاع تسيطر جهة أخرى وهي شريكنا. يمكن أن نقول عنه كل شيء، ويجب أن نحمي أنفسنا منه. فلا يدور الحديث عن منظمة سلام أو منظمة حقوق إنسان، وهم ليسوا لطيفين. ولكن لا يمكن مواصلة الاحتفاظ بالمعايير المزدوجة عندما يكون هناك اتفاق طبق بنجاح.. حان الوقت لوقف لعبة تبادل الكرة العنيفة، وليس بحملة عسكرية واسعة النطاق، فقد سبق أن جربنا هذا الخيار، ويتبين أنه باستثناء الدم الكثير الذي سفك، لم يتغير شيء. أدرنا مفاوضات طويلة ودفعنا ثمناً باهظا لقاء حياة جندي واحد، من سكان الشمال. أما الآن فقد حان الوقت لكي ندير مفاوضات جدية وأليمة على حياة مئات الآلاف من سكان الجنوب. مع ذات الجهة".

ويتساءل الكاتب في صحيفة "يديعوت أحرونوت" إيتان هابر ماذا لو وسعت إسرائيل العملية العسكرية لاجتياح قطاع غزة وإعادة احتلاله؟ وكيف ستكون النتيجة؟ ويجيب على السؤالين "أن نحتل غزة من جديد. وأن نضربهم سريعاً وبقوة، كما تم الاقتراح. هذا كلام غوغائي سيحظى بهتاف عاصف من رجل الشارع. حسناً، سنحتل غزة، وماذا سيكون آنذاك؟ هل نُطعم مليون ونصف مليون إنسان مرة أخرى؟ هل نهتم بمجاريهم؟ وبالفصول الدراسية؟ وبأرغفة طازجة كل يوم؟ لقد شاهدنا هذا الفيلم من قبل عشرات السنين وكلفنا مليارات وكلفنا مستوى حياتنا المنخفض. فهل نريد العودة إلى هذا المشهد.. وهناك شيء آخر وهو أن احتلال غزة من المؤكد أنه يجدد شيئاً ما لكنه يجدد أيضاً العمليات العسكرية في داخلها، التي قد تحث رئيس مصر محمد مرسي على ما يحلم به منذ زمن كما يبدو، وهو إلغاء اتفاق السلام مع إسرائيل المتعلق حتى في هذه الحال بشعرة.. هذا السلام ضروري لنا ولا حاجة للتفسير.. ماذا إذن، ربما نقصف أحياءً وشوارع وبيوتاً؟ في الجو الدولي الذي هو سلب دولة إسرائيل شرعيتها هذا فقط ما ينقصنا الآن، مع أوروبا التي تنتظر في الركن ومع رئيس الولايات المتحدة الذي فتح الحساب معنا.. لا يوجد حل عسكري للمشكلة في الجنوب..".

وتزكي الكاتبة أريئيلا رينغل هوفمان عبثية المراهنة على حل عسكري، وتنصح القيادة الإسرائيلية بأن عليها "قبل القفز في الوحل الغزي،، يجب أن نحاول المرة تلو الأخرى إيجاد السبيل للحوار مع المسؤول هناك، مباشرة أو بشكل غير مباشر، وذلك لأن الحديث دوماً يوفر الدم. وإذا كان هذا يعني أن نتحدث مع قادة حماس، فلنتحدث إذن مع قادة حماس". 

الانتخابات والعدوان

كما هو معروف فإن إسرائيل تعيش حمى انتخابات عامة للكنيست ستجري في شهر يناير/كانون الثاني 2013. ويرى محللون أن ذلك يضاعف احتمالات الحرب أو العمليات العسكرية الواسعة النطاق، كي تدرأ الحكومة الإسرائيلية عن نفسها أي شبهة بعدم الحزم أو الحسم ضد عمليات المقاومة الفلسطينية خصوصا في ضوء ما اعتبر تراجعا من طرفها بشأن ما يتعلق بالموضوع الإيراني، وفي ضوء عجز تل أبيب عن التدخل في سيناء المصرية.

ورجح الباحث بالشأن الإسرائيلي أنطوان شلحت احتمال شن عملية عسكرية على القطاع نظرا لسعي نتنياهو واليمين الإسرائيلي عموما إلى تركيز الحملة الانتخابية حول القضية الأمنية وصرف الأنظار عن سائر القضايا وخصوصا الأزمة الاقتصادية الاجتماعية التي فشلت الحكومة في معالجتها.

وقال شلحت "لا بد من أن نأخذ في الاعتبار أن شن عملية عسكرية على غزة سيحظى بتأييد الإدارة الأمريكية بحجة أنها "دفاع عن النفس"، وبالتالي من شأنها أن تعيد العلاقات الخاصة بين الدولتين إلى أصولها الإستراتيجية الحقيقية وتقضي على أوهام راجت في الآونة الأخيرة وفحواها أن الخلافات الأخيرة بين الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما وبين نتنياهو ستتسبب بتدخل الإدارة الأمريكية في الانتخابات الإسرائيلية لمصلحة منافسي نتنياهو، وهو أمر لا ينطوي على تشخيص دقيق لجوهر تلك العلاقات".

واستبعد الباحث شلحت أن يقوم أوباما بالانتقام من نتنياهو الذي أيد المرشح الجمهوري مت رومني صراحة. وقال إن الخصومة الشخصية لا تحدد اتجاهات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وأضاف "كما أن تحالف المصالح بين أمريكا وإسرائيل أكبر وأهم من علاقات أوباما ونتنياهو".

أما بشأن استئناف العملية السياسية مع الفلسطينيين، فقال شلحت إن موضوعات مثل إيران والحرب في سوريا والعلاقات الشائكة بين الولايات المتحدة وبين روسيا والصين تبدو الآن ملحة أكثر وستكون في صدارة جدول أعمال الرئيس الأمريكي.

بدوره استبعد الصحفي الإسرائيلي يواف شطيرن قيام الإدارة الأمريكية بالتدخل بالانتخابات الإسرائيلية على الرغم من الموقف العلني الذي اتخذه نتنياهو بدعمه رومني، وذلك على الرغم من تحفظات أوباما على سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي ومواقفه حيال المفاوضات مع الفلسطينيين وتفضيله قيادات مثل وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني ورئيس الوزراء الأسبق أيهود أولمرت، وعليه -حسب شطيرن- سيسعى البيت الأبيض جاهداً لإيجاد السبل للتعاون مع حكومة نتنياهو.

وبين شطيرن أن نتنياهو يعي تطلع الرئيس الأمريكي إلى تحريك الملف الفلسطيني وتنشيط مفاوضات السلام وإخراجها من دائرة الجمود حتى وإن ألزمه ذلك فرض تسوية سياسية على إسرائيل، وبالتالي فإن نتنياهو وبظل أزمة الثقة مع البيت الأبيض سيتصرف بحذر وسيسعى خلال دعايته الانتخابية لتشديد مواقفه من غزة والفصائل الفلسطينية للتأثير على المجتمع الإسرائيلي عبر اصطفاف سياسي حوله وتعزيز معسكر اليمين، "وذلك رفضاً للخنوع وتجنباً لإملاءات البيت الأبيض".

ويؤكد الصحفي الإسرائيلي أن حكومة نتنياهو - مع تواصل التصعيد على الحدود مع غزة - قد تقوم بعملية عسكرية نوعية بالقطاع، مستعرضاً تاريخ العمليات العسكرية لحكومات إسرائيل على جبهة لبنان وغزة والضفة الغربية خلال فترات الانتخابات بالسابق. ويستذكر شطيرن عملية "الرصاص المصبوب" في نهاية عام 2008 وبداية 2009، حيث أكد أن عدم الرد على أي قصف للجبهة الداخلية بإسرائيل وتحديداً في فترة الدعاية الانتخابية يصور من قبل المجتمع الإسرائيلي على أنه ضعف وعجز وليس ضبطاً للنفس. ويقول الصحفي الإسرائيلي "التاريخ يثبت إنه بعد كل عملية عسكرية جرت خلال فترة الانتخابات فإن المجتمع الإسرائيلي صوت لمعسكر اليمين، وبالتالي فالتصعيد على جبهة غزة مصلحة لنتنياهو الذي سيسوق ذاته بالدعاية الانتخابية كقائد يضرب بيد من حديد الفصائل الفلسطينية المعادية".

وهكذا يجمع المحللون السياسيون الإسرائيليون، على أن العملية العسكرية الإسرائيلية "عامود السحاب" ضد قطاع غزة، ستؤثر على الانتخابات العامة في إسرائيل في 22 كانون الثاني/يناير المقبل وقد يستفيد منها نتنياهو وباراك.

وكتبت محللة الشؤون الحزبية في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، سيما كدمون، أن "نتنياهو غيّر الأجندة، لكن لا يمكن الإدعاء أن العملية في غزة تتم لاعتبارات سياسية، فالوضع في الجنوب لا يحتمل ولا يقبل التأجيل".

وأردفت أن "الفترة الزمنية المتبقية حتى الانتخابات، لا تدل على وجود خدعة غايتها تحويل الأجندة الاجتماعية إلى أجندة أمنية تصب في مصلحة نتنياهو". لكن كدمون أضافت أنه "حتى لو لم يكن للانتخابات تأثير على العملية في غزة، فإنه سيكون للعملية تأثير على الانتخابات، ولا أحد يعرف كيف سنخرج من هذه العملية".

وتابعت المحللة أن نتنياهو بدا خلال مؤتمر صحافي عقده سوية مع باراك أمس "موضوعي، رسمي، متركز" فيما باراك، بحزبه "عتصماؤوت" الذي توقعت الاستطلاعات الأخيرة غيابه عن الساحة السياسية، "سيعبر نسبة الحسم، وهذا هو باراك الذي تريده أغلبية الشعب وزيرا للدفاع".

وفي مقابل نتنياهو وباراك، رأت كدمون أنه لا يوجد بين رؤساء الأحزاب الأخرى شخصيات تملك الخبرة السياسية والأمنية، لا رئيسة حزب العمل شيلي يحيموفيتش ولا رئيس حزب "يوجد مستقبل" يائير لبيد، وأن "المؤسسة السياسية صمتت ووقفت كلها خلف نتنياهو" ولن يجرؤ أحد على مهاجمة نتنياهو أو الاحتجاج على رفع أسعار الكهرباء والاحتجاج ضد غلاء المعيشة.

وأشار رئيس تحرير صحيفة "هآرتس" ألوف بن، من جانبه، إلى أنه "عندما يشعر الحزب الحاكم أنه مهدد في صندوق الاقتراع فإن إصبعه يصبح خفيفاً على الزناد"، فهذا ما حدث عشية انتخابات العام 1981 عندما تم تدمير المفاعل النووي العراقي، وعندما تم شن عملية "عناقيد الغضب" في لبنان عشية انتخابات العام 1996، وعملية "الرصاص المصبوب" عشية انتخابات العام 2009، لكن في الحالتين الأخيرتين خسر الحزب الحاكم الحكم.

وأضاف بن، أن "العملية العسكرية الحالية "عامود السحاب" تنتمي إلى هذه الفئة، ونتنياهو مهتم في تحييد أي خصم محتمل، وباراك يصارع على عبور نسبة الحسم، وحرب ضد حماس ستقضي على ترشيح المتردد ايهود أولمرت الذي توقع مؤيدوه أن يعلن عن خوضه الانتخابات، واستبعد الموضوع الاقتصادي الاجتماعي عن الأجندة التي تخدم يحيموفيتش". وأكد بن أنه "عندما ترعد المدافع، نرى على الشاشة نتنياهو وباراك فقط، وعلى جميع السياسيين الآخرين تحيتهما وحسب". وأضاف أن النتائج السياسية للعملية العسكرية ستتضح في يوم الانتخابات "وانعكاساتها الإستراتيجية ستكون معقدة، إذ يتعين على إسرائيل أن تجد مقاولاً ثانوياً كحارس لحدودها في الجنوب، وضمان ألا تؤدي العملية إلى انهيار السلام مع مصر".

وكتب المحلل السياسي في صحيفة "معاريف" شالوم يروشالمي أن "الوضع يغلي وبنك الأهداف سيتسع والاغتيالات ستستمر وفقا لأهداف العملية العسكرية، وفي وضع كهذا يتم إزاحة المواضيع السياسية والاجتماعية جانبا.. وربما ستنتظر هناك 4 سنوات أخرى".

وأضاف يروشالمي أن "الأجندة الأمنية سيطرت على صندوق الاقتراع.. وفي هذه الأسابيع لا توجد معارضة وإنما روح الوطنية وحسب، وأي قول يصدر عن اليسار سيعتبر معادياً للروح الوطنية، وقادة أحزاب الوسط يسار، توجهوا إلى استوديوهات قنوات التلفاز فقط من أجل التعبير عن مواقف داعمة لخطوات الحكومة العسكرية، ولن يجرؤ أحد على طرح أسئلة كي لا تنخفض شعبيته في الاستطلاع".

وشدد يروشالمي على أنه "بإمكان نتنياهو وباراك أن يرفعا شارة النصر الآن، ليس النصر الأمني والعسكري وإنما النصر الانتخابي".

وخلص الكاتب إلى أنه "بالإمكان أن نعتبر أن نتنياهو وباراك لم يحلما بحملة أمنية عسكرية أفضل وبدعم الجيش الإسرائيلي، ولا شك في أن هذه الأحداث تساوي مقاعد في الكنيست".

الغطاء الغربي

أعلن السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة ميشيل أورين أن واشنطن أعطت بلاده الضوء الأخضر لشن عمليتها الحالية على قطاع غزة. وأفاد تقرير لصحيفة "نيويورك ديلي نيوز" الأمريكية بأن أورين قال بتاريخ 16/11/2012 إن "الولايات المتحدة أعطتنا الدعم الكامل لاتخاذ كل الإجراءات الضرورية لحماية مواطنينا من إرهاب حماس"، حسب تعبيره. ووفقاً للتقرير فإن أورين أشار إلى أن بلاده حصلت على "دعم واضح لا لبس فيه من الولايات المتحدة"، مشيراً إلى أن هذا الدعم مصدره البيت الأبيض والكونغرس الذي حصلت فيه "إسرائيل" على موافقة كل الأطراف.

وقال نائب وزير الخارجية الإسرائيلي داني أيالون إن "الولايات المتحدة تؤيد الحملة العسكرية في القطاع"، مضيفاً أن هذا التأييد يزداد مع استمرار القذائف الصاروخية الفلسطينية.  وأشار أيالون أثناء زيارته نيويورك إلى أن الأمريكيين يرون أن من "حق إسرائيل بل من واجبها الدفاع عن مواطنيها وخاصة ان واشنطن تعتبر حماس منظمة إرهابية". وأعرب في سياق مقابلة مع الإذاعة العبرية عن "اعتقاده بان الدول الأوروبية على الرغم من تصريحاتها الحذرة تدعم أيضاً الموقف الإسرائيلي". وتابع يقول إنه علم من مصادر تحدثت مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أنه يحمّل حماس مسؤولية التصعيد في غزة..

إلى ذلك كشف المراسل للشؤون السياسية في القناة الثانية بالتلفزيون الإسرائيلي، النقاب عن أن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، قد تحدث هاتفيًا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وعبر عن قلقه العميق من الوضع في المنطقة، محملاً حركة حماس المسؤولية عما أسماها بالأزمة، وبحسبه فإن إطلاق الصواريخ على إسرائيل غير مقبول، على حد قوله.

إضافة إلى ذلك، قال التلفزيون الإسرائيلي إن توني بلير، مبعوث الرباعية الدولية إلى منطقة الشرق الأوسط حمل حركة حماس المسؤولة عن التصعيد، وبحسبه فإنه يتحتم على حماس أن تتوقف عن إطلاق الصواريخ، وزاد التلفزيون أن جميع القادة الغربيين الذين تحدثوا إلى نتنياهو عبروا عن دعمهم الكامل لإسرائيل، لافتًا إلى أن المصادر المحيطة برئيس الوزراء أكدت على أنه يجب على الدولة العبرية استغلال هذا الموقف المؤيد لإسرائيل لتنفيذ أكبر قدر من الأهداف للعملية العسكرية، ولفت المراسل الإسرائيلي إلى أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، كان الوحيد من بين القادة الذين تحدثوا إلى نتنياهو هاتفيًا، الذي حمل الطرفين مسؤولية التصعيد، وطلب منه إيقاف العملية العسكرية، كما أشار إلى أن رئيس الوزراء الكندي، كان من أشد المتحمسين خلال حديثه مع نتنياهو وعبر عن تأييد بلاده لموقف إسرائيل القاضي بالدفاع عن نفسها في مواجهة الإرهاب، على حد تعبيره.

جدير بالذكر، أن مجلس الشيوخ الأمريكي صادق بالإجماع، يوم الخميس 15/11/2012، على قرار يعترف بما أسماه حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها أمام الهجمات الصاروخية من قطاع غزة. وكان قد بادر إلى القرار، غير الملزم، كريستين جيليبراند من الحزب الديمقراطي، ومارك كيرك من الحزب الجمهوري.

لقد انتظر كثيرون الانتخابات الأمريكية، واعتبروا أن الضربة الإسرائيلية لإيران ستأتي بعدها إثر التهديدات الإسرائيلية المتكررة، والإصرار الإسرائيلي على الضربة، والنقاش الإسرائيلي- الأمريكي الصعب، والتكهنات التي أطلقت حول الدور الأمريكي، "تشارك أمريكا أو لا تشارك؟؟... تقوم إسرائيل بتوجيه الضربة وحدها؟.. أم هي غير قادرة على ذلك وستفعلها أمريكا؟.."، مع مرور الوقت ودخول أمريكا أجواء الانتخابات ذهب كثيرون إلى الاعتقاد أن لا شيء قبلها بل ستكون الضربة مؤكدة بعدها!!. إيران لا يمكن أن تتراجع عن ملفها النووي ودورها الإقليمي.. إذن لا بد من ضربها...

انتهت الانتخابات.. واعتبر كثيرون أن ثمة مشكلة بين نتنياهو وأوباما. قال نتنياهو: "لن أسمح لأحد بالدخول بيننا, والعلاقات جيدة". مباشرة جاءت الضربة لغزة, الأولوية هي فلسطين بالنسبة إلى الإسرائيليين, الموافقة الأمريكية تم تأكيدها بموقف أوباما شخصياً الذي أيد العملية العسكرية العدوانية ضد غزة, برّر لنتنياهو حربه وإجرامه, لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها, دعا الدول القادرة على لعب دور في الضغط على "حماس" وعلى السلطة الفلسطينية, دعا مصر إلى ممارسة نفوذها لوقف "العنف" في غزة, حدد سقفاً عالياً, أكد الضوء الأخضر "والشرعية" لإسرائيل في عدوانها ورغم هول الجريمة والإصرار على توسيع دائرتها فإن المواقف الدولية تراوحت بين مؤيد واضح على النسق الأمريكي ومُدين بخجل دون أي فعل يذكر لوقف العدوان على غزة.

الاستعدادات الإسرائيلية بدأت منذ فترة, التهديدات توالت, التعبئة توالت, التحذير من خطر "حماس" و"المنظمات الفلسطينية الأخرى" لم تتوقف, تم تحضير كل شيء إلى أن جاءت اللحظة, ولكن لماذا الآن؟.

لقد انتهت الانتخابات الأمريكية, فليكن التحرك سريعاً, ليس لامتحان الموقف الأمريكي واختبار جديته أو صدقيته في الالتزام مع إسرائيل بالدفاع عن نفسها! بل ليؤكد للجميع أن هذا أمر ثابت, وأن لا مشكلة بين الإدارتين في الدولتين, وقد ثبت ذلك, لا مشكلة حول الموقف من القضية الفلسطينية.

جاء هذا الأمر في وقت، المشكلة فيه كبيرة وعميقة بين الإدارة الأمريكية والفلسطينيين. فحركة "حماس" هي إرهابية بالنسبة إلى أمريكا. والسلطة الفلسطينية هي متهمة ومهددة. لاسيما وهي تتجه مجدداً نحو الأمم المتحدة للمطالبة بالحصول على مقعد لفلسطين كدولة في صفوف المنظمة الدولية. أمريكا رفضت وهددت السلطة بقطع المساعدات المالية عنها وبإغلاق مكتبها في واشنطن, ثم كان تهديد مباشر من أوباما للرئيس أبو مازن خلال مكالمة هاتفية بينهما. أوباما اتهم أبو مازن بالعمل على إشعال المنطقة! ممنوع الذهاب إلى الأمم المتحدة. ممنوع الدخول إليها كعضو. وإذا حصل الأمر ستكون عقوبات كبيرة وستصل إلى حد عدم دفع حصة أمريكا في ميزانية الأمم المتحدة. تماماً كما أوقفت أمريكا التمويل عن منظمة اليونسكو لأن فلسطين أصبحت عضواً فيها!.

كذلك فقد حصل تطور ملفت في الأسابيع الأخيرة في المواقف الأوروبية. إذ ظهر تراجع عن ذكر قرارات الأمم المتحدة في بيانات واتفاقات مشتركة مع دول عربية وفي لقاءات ومؤتمرات مشتركة حصلت في بروكسل والقاهرة وغيرهما من العواصم. لماذا؟ لأن إسرائيل لا تريد قرارات الأمم المتحدة وفيها القرار المتعلق بحق العودة. أمام قرارات مجلس الأمن فلا تشير إلى ذلك وهذه المسألة إستراتيجية وحيوية في المشروع الإسرائيلي! ما جرى أوروبياً أعطى إسرائيل زخماً وتأييداً لموقفها.

وأخيراً فإن المهم في كل هذا الموضوع هو الموقف الفلسطيني، الشعب الفلسطيني ردّ بقوة على العدوان، أصاب إسرائيل في قلبها في تل أبيب، لم تنفع التكنولوجيا الإسرائيلية الخطيرة في إسقاط الصواريخ. نتنياهو لجأ إلى أحد "الملاجئ". الذعر والهلع لم يعد في صفوف المواطنين الفلسطينيين. أصبح في كل حي إسرائيلي.

ومما لا شك فيه أنه لا مقارنة بين الترسانة العسكرية الإسرائيلية وما تمتلكه المقاومة الفلسطينية من أسلحة، ولكن إدخال معظم المدن الإسرائيلية ومن أهمها مدينة القدس فى دائرة الاستهداف وتمكن المقاومة من إسقاط طائرة وقصف بارجة حربية وذلك باعترافات إسرائيلية قد هزت وبشدة معادلة الردع التي أراد تحقيقها نتنياهو من تلك الهجمة؛ والتي رغب فيها بتحقيق هدنة طويلة الأمد تحقق له نصر سريعاً يُسجل في حملته الانتخابية.

اعلى الصفحة