المياه.. مدخل لاختراق الأمن القومي العربي وإشعال الحروب

السنة الحادية عشر ـ العدد 131 ـ (ذو الحجة 1433 هـ - محرم  1434هـ ) تشرين ثاني ـ نوفمبر ـ 2012 م)

إعداد: هيثم محمد أبو الغزلان

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

في وقت توشك فيه الموارد المائية المتاحة لكل فرد في العالم أن تتقلص بنسبة لا تقل عن 50 % خلال الفترة ما بين عامي 2000 2025، خصوصاً مع ازدياد الاستهلاك العالمي للمياه بمعدل 8.4 % سنوياً. فإن الإسرائيليين يحصلون ـ وفق البنك الدولي ـ على نسبة مياه تفوق تلك التي يستعملها الفلسطينيون بأربعة أضعاف! يترافق ذلك مع إهمال حاجات الفلسطينيين إلى الماء من خلال تطبيق سياسات إسرائيلية عنصرية وقمعية تجاه الفلسطينيين بحسب تأكيدات منظمة العفو الدولية.

لماذا بات الأمن القومي العربي مهدداً وقابلاً للاختراق بسبب المياه؟! وكيف يمكن حل مشكلة المياه ومصادرها؟! وهل ستتصاعد الأزمات بشأن المياه في القرنين القادمين؟! تحتل المياه موقعاً هاماً في الفكر الاستراتيجي الصهيوني منذ بدء التفكير بإنشاء دولة إسرائيل، وذلك استناداً لادعاءات باطلة بلبوس ديني وتاريخي باطل أيضاً..

وقامت الحركة الصهيونية بإيفاد الخبراء واللجان العلمية خلال القرن التاسع عشر لدراسة الموارد المائية في فلسطين، ومدى الاستفادة من مياه نهر الأردن لتوليد الطاقة الكهربائية بسبب انخفاض البحر الميت عن البحر المتوسط، وقد قام بهذه الدراسات خبراء فرنسيون وأمريكيون عام 1850، ومن بينهم هريس أحد مؤسسي الحركة الصهيونية أواخر القرن التاسع عشر، والجمعية العلمية البريطانية عام 1875، التي أوصت بإمكانية إسكان خمسة ملايين مهاجر يهودي في فلسطين، إلا أن أهمية المياه في الفكر الصهيوني أخذت تتبلور بعد انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897، حيث صرح ثيودور هرتزل بقوله في أعقاب المؤتمر: "إننا وضعنا في هذا المؤتمر أسس الدولة اليهودية بحدودها الشمالية التي تمتد إلى نهر الليطاني"(1).

كما سعت الدوائر الصهيونية في عام 1903، للاتصال بالحكومة البريطانية لإرسال بعثات فنية لإجراء الدراسات حول إمكانية سحب جزء من مياه نهر النيل إلى سيناء، ومن ثم جر هذه المياه إلى النقب لتطويره وبناء المستعمرات اليهودية فيه(2).

وفي عام 1919،  كان من أهم القرارات التي اتخذها المؤتمر الصهيوني العالمي الذي عقد بمدينة بازل بسويسرا: "يجب تذكير عصبة الأمم أنه لا بد من إدخال المياه الضرورية للري والقوة الكهربائية ضمن الحدود وتشمل نهر الليطاني وثلوج جبل الشيخ"(3). وقد مارست الدوائر الصهيونية ضغوطاً كبيرة على المجتمعين في مؤتمر الصلح في باريس عام 1919،  لجعل حدود فلسطين تضم منابع نهر الأردن ونهر الليطاني وسهل حوران في سوريا إلا أن هذه المطالب قوبلت بالرفض خصوصاً من الفرنسيين الذين وضعوا سوريا ولبنان تحت انتدابهم، وفي عام 1941، قال بن غوريون:  "علينا أن نتذكر بأنه لابد أن تكون مياه نهر الليطاني ضمن حدود الدولة اليهودية لضمان قدرتها على البقاء"(4). وهكذا يتضح أن المياه وقفت على قمة المخططات لإنشاء الدولة اليهودية، لأن قضية المياه ترتبط بقضية الوجود الصهيوني نفسه، كما يتضح أن الاهتمام الصهيوني انصب بشكل كبير على المناطق المتاخمة للحدود الشمالية لفلسطين، لأن معظم مصادر المياه التي تغذي فلسطين تنبع من كل من سوريا ولبنان، حيث يقع نهر الليطاني في الأراضي اللبنانية والذي تذهب مياهه هدراً في البحر على حد تعبير بيغن عندما غزت إسرائيل لبنان عام 1982(5)،  لذلك بذلت الحركة الصهيونية جهوداً كبيرة لتوسيع الحدود الشمالية للاستحواذ على منابع المياه، وقد أكد ذلك العديد من الزعماء الصهيونيين أمثال حاييم وايزمان في رسالته بتاريخ 30/10/1920 إلى لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني، حيث أشار إلى أن مياه نهر الأردن واليرموك لا تفي بحاجة الدولة اليهودية، ونهر الليطاني يمكنه أن يسد هذا العجز ويؤمن المياه لري الجليل، كما اقترح هربرت صموئيل أول مندوب سامي بريطاني على فلسطين وهو يهودي جعل الحدود الشمالية لفلسطين تتوغل داخل لبنان ليمتد من الضفة الشمالية لنهر الليطاني حتى أقصى ينابيع نهر الأردن قرب راشيا، ولتحقيق أهدافها فقد عملت الدوائر الصهيونية على إرسال العديد من البعثات خلال فترة الانتداب البريطاني إلى فلسطين لإجراء عمليات مسح للمصادر المائية واقتراح المشاريع المائية لتشجيع الاستيطان اليهودي فوضعت المشروع تلو المشروع ومنها مشروع روتنبرغ عام 1927، ومشروع أيونيدس عام 1938، ومشروع لاودرملك عام 1944، ومشروع هيز عام 1948(6).

وبعد إقامة دولة إسرائيل عام 1948 على نحو 80% من مساحة فلسطين، وعلى الرغم من أنها لم تتمكن من السيطرة على منابع المياه في المنطقة عند تأسيسها، إلا أنها لم تيأس في تحقيق هذا الحلم، فبدأت في تنفيذ مشروع تحويل مياه نهر الأردن وذلك بسحب المياه من جسر بنات يعقوب شمال بحيرة طبريا إلى صحراء النقب، وهي منطقة منزوعة السلاح بين القوات السورية والإسرائيلية، فتأزم الموقف بين الطرفين، وأصبح على وشك الانفجار، فأرسل الرئيس الأمريكي أيزنهاور مبعوثًا خاصًا له هو أريك جونستون للبحث في حل إقليمي لقضية المياه، وقام هذا الأخير بأربع زيارات إلى منطقة الشرق الأوسط بين عامي 1953- 1955في محاولة منه لإقناع جميع الأطراف بالتقرير الفني الذي وضعه المهندس تشارلز مين بإشراف هيئة وادي تنس الأمريكية وبطلب من وكالة هيئة غوث اللاجئين والخارجية الأمريكية، وقد قدر المشروع متوسط التصريف السنوي لمياه نهر الأردن بنحو 1213 مليون متر مكعب، اقترح توزيع 774 مليون متر مكعب للأردن، و 394 مليون متر مكعب "لإسرائيل"، 45 مليون متر مكعب لسوريا، ولا شيء للبنان.

اجتمع الخبراء العرب بتكليف من جامعة الدول العربية لدراسة المشروع، وقد اعترضوا على جعل بحيرة طبريا منطقة لتخزين مياه نهر الأردن، لأنها تقع تحت السيطرة الإسرائيلية، الأمر الذي يجعل الزراعة العربية في تلك المنطقة رهينة بيد إسرائيل، كما أنها ليست منطقة مثالية لتخزين المياه لوجود ينابيع مالحة في قاعها، مما يزيد من ملوحة المياه، كما اعترضوا على سحب المياه خارج حوض نهر الأردن لأن ذلك مخالف للأعراف والقوانين الدولية(7).

السيطرة على مصادر المياه

وفي أعقاب حرب 1967 سيطرت إسرائيل على مصادر المياه العربية الرئيسة في منطقة الشرق الأوسط وهي حوض نهر الأردن الأعلى الذي ينبع من لبنان وسوريا وحوض نهر اليرموك المشترك بين الأردن وسوريا والخزانات الجوفية الضخمة تحت الضفة الغربية بفلسطين والمعروفة بخزان الجبل وبئر الجبل.

وبعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية أصدرت قراراً ينص على أن جميع المياه الموجودة في الأراضي الفلسطينية التي جرى احتلالها (الضفة والقطاع) هي ملك خالص لإسرائيل وبدأت في سحب المياه من الأراضي الفلسطينية لتغذية المدن المحتلة بحوالي 700مليون م3 ويحصل الفلسطينيون على حوالي 134مليون م3 أي ما يعادل 19% من المياه الفلسطينية ثم يبيعون الفائض للفلسطينيين !!. كما قامت بالاستحواذ على مياه نهر الأردن وتخزينها في بحيرة طبريا ثم نقلها من الشمال للجنوب لتغذية المناطق "الإسرائيلية" المختلفة. وتحصل إسرائيل على 60% من مياه نهر الأردن بينما يحصل الأردن على 25% وسوريا على 15% على الرغم من أن مياهه تنبع من سوريا كما قامت بمنع الفلسطينيين من الوصول لنهر الأردن ودمرت كل المضخات على النهر وطردت المزارعين.

ونتيجة سحب المياه من النهر تضررت الأراضي الواقعة على ضفتيه كما ارتفعت نسبة الأملاح في مياهه وهو المصدر الرئيس المغذي للضفة الغربية وآبارها الجوفية لتصل إلى 5000 جزء في المليون والموصى به دولياً 250 جزءاً في المليون وتسيطر سلطة الاحتلال على 88% من مصادر المياه الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة(8).

إسرائيل والمياه الفلسطينية

بعد إعلان ما سمي بدولة إسرائيل عام 1948، وضعت هذه الدولة المياه على رأس أولوياتها، فتم إعداد الخطط لاستثمار المياه وعدم هدر أي من الموارد المائية تمهيداً لاستقبال أعداد كبيرة من المهاجرين اليهود إليها، وقد وضعت السياسة الإسرائيلية نصب عينيها عدم إهدار أي نقطة ماء يمكن الحصول عليها في فلسطين، ولذلك كان قرار تأميم المياه في شهر آب/ أغسطس عام 1949 الذي أصدرته حكومة إسرائيل، ويقضي باعتبار المياه ملكاً عاماً، للدولة فقط حق التصرف فيها، ولا يحق للأفراد ذلك، وأسندت مهمة الإشراف على هذا القرار لوزير الزراعة، يساعده مفوض للمياه وظيفته حصر صلاحية الترخيص للأفراد بالحصول على كمية من المياه من مصادرها المختلفة(9).

إن مثل هذه الإجراءات إنما هي امتداد لعمليات التطبيق العملي للفكر الصهيوني فيما يتعلق بقضية المياه، وقد ظهر ذلك جلياً في المذكرات الشخصية لموسي شاريت أول وزير خارجية لإسرائيل في مباحثاته مع إريك جونستون المبعوث الأمريكي من قبل الرئيس أيزنهاور لترتيب مسألة المياه في منطقة غور الأردن، حيث اهتم بضمان سيطرة إسرائيل على جميع المنابع المائية ومصادرها بما في ذلك مياه نهر الليطاني، وعلى أن تتكيف الحدود الجغرافية وفق هذا المفهوم. وفي عام 1955، قال ديفيد بن غوريون رئيس وزراء إسرائيل في ذلك الوقت: "إن اليهود يخوضون مع العرب معركة المياه وعلى نتائج هذه المعركة يتوقف مصير إسرائيل وإذا لم ننجح في هذه المعركة فإننا لن نكون في فلسطين(10).

وبعد احتلال إسرائيل لبقية الأراضي الفلسطينية في أعقاب حرب 1967، سارعت قواتها إلى السيطرة الكاملة على الموارد المائية الفلسطينية، حيث أصدرت عدداً من الأوامر العسكرية، كان أولها قبل انتهاء العمليات العسكرية يوم 7/6/1967، يتم بمقتضاها نقل جميع الصلاحيات بشأن المياه في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الحاكم العسكري الإسرائيلي، ثم تلا هذا الأمر سلسلة من الأوامر العسكرية منها:

1-  الأمر رقم 92 بتاريخ 15/8/1967، وينص على منح كامل الصلاحية في السيطرة على كافة المسائل المتعلقة بالمياه لضابط المياه المعين من قبل المحاكم الإسرائيلية.

2- الأمر رقم 158 بتاريخ 19/8/1967، وينص على أن يمنع منعاً باتاً إقامة أي إنشاءات مائية جديدة بدون ترخيص، ولضابط المياه حق رفض أي ترخيص دون إعطاء الأسباب(11).

3- الأمر رقم 291 الصادر عام 1967، وينص على أن جميع مصادر المياه في الأراضي الفلسطينية أصبحت ملكاً للدولة وفقاً للقانون الإسرائيلي عام 1959.

4- الأمر العسكري رقم 948 الذي ينص على إلزام كل مواطن في قطاع غزة بالحصول على موافقة الحاكم العسكري الإسرائيلي إذا أراد تنفيذ أي مشروع يتعلق بالمياه،  بالإضافة إلى الأمر رقم (457 عام 72)، (715 عام 77)، (1336 عام 91)(12).

وقد مكّنت الأوامر العسكرية الإسرائيلية السابقة القوات الإسرائيلية خلال العقود الثلاثة الماضية من إحكام سيطرتها على موارد فلسطين المائية حارمة الشعب الفلسطيني من حقوقه المائية من خلال العديد من الإجراءات ومنها:

1. فرض القيود على استغلال الفلسطينيين لحقوقهم المائية في الضفة وغزة.

2. تقييد حفر الآبار الزراعية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

3. حفر إسرائيل العديد من الآبار داخل المستوطنات الإسرائيلية في الضفة وغزة.

4. حفر سلسلة من الآبار على طول خط الهدنة مع قطاع غزة لاستنفاد المياه العذبة والتقليل من المياه المنسابة إلى الخزان الجوفي الساحلي في قطاع غزة.

وقد أدت هذه السياسة إلى تزايد نسبة الأملاح في معظم آبار المياه الجوفية سواء كانت في الضفة الغربية أو قطاع غزة، الأمر الذي أدى إلى انخفاض الإنتاج الزراعي.

أما عن كمية المياه الفلسطينية في الخزان الجوفي فتقدر في الأوضاع المثالية بحوالى 895 مليون متر مكعب، منها 835 مليون متر مكعب في الضفة الغربية، و60 مليون متر مكعب في قطاع غزة(13)، وهناك تقديرات أخرى مختلفة، ويرجع ذلك إلى اختلاف الجهات التي تقوم بالتقدير، وتذبذب كميات المطر السنوي، وأياً كانت هذه التقديرات فإنها جميعاً تتراوح بين 700-900 مليون متر مكعب، وقد حددت اتفاقية أوسلو الثانية الموقعة في 28/9/1995 كميات المياه الفلسطينية على النحو التالي(14):

المنطقة         كمية المياه- مليون متر مكعب

أحواض الضفة الغربية الحوض الشرقي 172

الحوض الشمالي الشرقي        145

الحوض الغربي         362

مجموع الضفة الغربية   679

قطاع غزة       55

مجموع الأراضي الفلسطينية     734

كما حددت اتفاقية أوسلو كمية استهلاك المياه على النحو التالي: (15)

المنطقة         كمية المياه- مليون متر مكعب

الضفة الغربية   127.4

قطاع غزة       108

المجموع        235.4

المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة       60

المجموع الكلي 295.4

إذن فإن كمية المياه المستهلكة في الضفة الغربية، بلغت حسب اتفاقية أوسلو  127.4 مليون م3، هذا يعني أن الكمية الباقية وهي 552 مليون م3 تذهب جميعها إلى إسرائيل، منها 50 مليون م3 تذهب إلى المستوطنات الإسرائيلية في الضفة، أما في قطاع غزة فإن مياه الخزان الجوفي تقدر بـ55 مليون م3، إلا أن احتياجات القطاع المائية أكبر من ذلك بكثير إذ تم ضخ 103 مليون م3 بالإضافة إلى 10 مليون م3 يتم ضخها في المستوطنات.

إن قطاع غزة يعاني عجزاً مائياً يقدر بـ 50 مليون م3، وإسرائيل تستنفذ 562 مليون م3 من المياه الفلسطينية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة بشكل مباشر. بالإضافة إلى استيلائها على حقوق فلسطين المائية في نهر الأردن والتي تقدر بـ50  مليون م3. ولقد تركت الإجراءات الإسرائيلية آثارها الخطيرة على الحقوق الفلسطينية في المياه، فمعدلات الاستهلاك الفردي للمواطن الفلسطيني أصبحت تقل كثيراً عن معدلات الاستهلاك الفردي في إسرائيل كما في الجدول التالي:

نوع الاستهلاك فلسطين         إسرائيل         النسبة

عدد السكان- مليون    2.87 5.7    1.96:1

كمية المياه للاستهلاك الآدمي م3/ سنوياً        91     571   2.3:1

نصيب الفرد من مياه الشرب م3/ سنوياً 30     101   3.36:1

كمية المياه للاستهلاك الزراعي م3/ سنوياً       171   1252 7.3:1

كمية المياه للاستهلاك الصناعي م3/ سنوياً      5      136   27:1

إجمالي نصيب الفرد من المياه م3/ سنوياً        93     344   3.7:1

ويتضح من الجدول أن معدل نصيب الفرد الفلسطيني من المياه يصل إلى 27% بالمقارنة مع نصيب الفرد الإسرائيلي، وهذا راجع إلى اعتماد إسرائيل الكبير على المياه الفلسطينية لتلبية متطلباتها المائية الكبيرة، وتستغل إسرائيل مياه الخزان الجوفي الفلسطيني عبر شبكة من الآبار العميقة يصل عددها إلى 300 بئر غرب الخط الأخضر، بالإضافة إلى 51 بئراً(17) موجودة في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة، و43 بئراً موجودة في المستوطنات الإسرائيلية في قطاع غزة(18).

أطماع بمياه لبنان

لا تقف الأطماع الإسرائيلية إلى حد معين، ففي أول مؤتمر صهيوني في بال بسويسرا اعتبر ثيودور هرتزل حدود "الدولة اليهودية" تمتد حتى نهر الليطاني، كما قدّمت المنظمة الصهيونية العالمية عام (1919م) إلى مؤتمر باريس مذكرة طالبت فيها بضم الأراضي اللبنانية حتى نهر الليطاني إلى حدود فلسطين تحت سيطرة الاحتلال البريطاني. وفي عام (1923م)، انتقلت سبع عشرة قرية لبنانية إلى هذه الحدود. وقد ضمّ الإسرائيليون في العام (1948م) سبع قرى لبنانية إلى حدود كيانهم، وفي عام (1967م)، سيطروا على عدد من مزارع الجنوب وطردوا مئات العائلات اللبنانية من بيوتها وأملاكها، وأقاموا عام (1978م) "دويلة لعملائهم"، أسقطها المقاومون، ودحروا جيش الاحتلال في أيار(2000م)...

وكانت الطائرات الإسرائيلية قد أغارت عام (1965م) على العمال الذين كانوا يعملون في ورشة بناء سد الحاصباني، واستطاعت أن توقف العمل في المشروع. وكان قد صرّح رئيس شركة المياه الإسرائيلية (ميكورت)، بتاريخ (19/7/1990) أن "إسرائيل تقوم بضخ (20 ـ 23) مليون م3، من مياه الليطاني سنوياً".

وبحسب اليشع كالي ـ خبير المياه الصهيوني ـ "أن نقل المياه اللبنانية ـ قبل دحر إسرائيل عن الجنوب ـ إلى إسرائيل، في إطار تعاون محتمل في شأن المياه بين إسرائيل ولبنان، قابل للتحقيق عن طريق تحويل مياه نهر الليطاني إلى حوض طبريا".

وبحسب كالي أيضاً فإن تحويل مياه الليطاني إلى بحيرة طبريا ليس بقصد إنتاج المزيد من الكهرباء فحسب، بل لتقليص المياه في الميزان اللبناني لأن هناك "فوائض غير مستغلة في الليطاني الأسفل" وأن "هذا الوضع سيتغير عاجلاً أم آجلاً".

وعلى الرغم من هذا التهديد الأجوف، فإن الأمور والمعطيات بعد دحر الاحتلال عن الجنوب اللبناني قد تغيّرت بشكل كامل، وعلى هذا الأساس، وفي (31/8/2002)، بدأ لبنان بالأعمال الإنشائية لمشروع ضخ مياه الحاصباني، وذلك لجر (12) ألف م3، من مياه الشرب يومياً (أي حوالي 4.4 مليون متر مكعب سنوياً) من منابع الحاصباني إلى القرى والبلدات الواقعة ضمن المنطقة المحيطة بمجرى الحاصباني.

وبحسب تقرير أعدته الحكومة اللبنانية وسُلّم للأمم المتحدة وعدد من عواصم القرار في العالم فإن هذا المشروع "يتجاوب مع الحاجات الاجتماعية ـ الاقتصادية، الحيوية، الأساسية، والإنسانية في هذه المناطق". وبحسب التقرير أيضاً فإن كمية المياه المتوفرة حالياً لسكان تلك القرى والبلدات الجنوبية اللبنانية تبلغ (50) ليتراً للشخص الواحد في اليوم. أي ما يساوي (3910) متراً مكعباً في اليوم للمنطقة بأسرها والمأهولة بحوالي (65) ألف نسمة".

المياه تشعل الحروب

ويؤكد مراقبون ومتخصصون في ملف المياه بالمنطقة العربية أن الموارد المائية المتاحة لكل فرد في العالم باتت على وشك التقلص بنسبة لا تقل عن 50 % خلال الفترة ما بين عامي 2000 2025، مشيرين إلى أن الخطورة كامنة عند معرفة أن نسبة الاستهلاك العالمي للمياه تزداد بمعدل 8.4 % سنوياً. وتشير التقارير والدراسات إلى أن القرن الحالي سيشهد حروباً داخلية وخارجية للسيطرة على المياه مثلما شهد القرن الماضي حروباً على النفط.

وتبدو المياه رهاناً استراتيجياً يدخل في صميم الأمن القومي لأي بلد سواء على الصعيد السياسي، الاستراتيجي، أو الاقتصادي الاجتماعي. ويرى الخبراء أن الماء سيكون على الأرجح مصدراً للاضطرابات السياسية والاجتماعية، وقد يصل إلى الحروب في الشرق الأوسط خلال السنوات العشرين المقبلة. وحسب خبراء، فإن احتياطيات المياه الجوفية تشكل مورداً محدوداً يتم استغلاله على نحو يفوق قدرته على تجديد نفسه، لكن بعد استنزاف تلك المياه، لا بد من حفر آبار عميقة، علماً بأن المياه عندها ستصبح أقل عذوبة.

يقول د.حلمي شعراوي المدير السابق لمعهد البحوث العربية والأفريقية "إن خطط إسرائيل منذ وجودها تحوي خططاً وأفكاراً مائية ترتكز أساساً على ادعاء صاغه البروفيسير الإسرائيلي "جدعون فيشلرون" بأن البنية المائية السطحية والجوفية في الشرق الأوسط غير متواصلة وهذا ما يفرض الحاجة إلى اتفاق لنقل المياه إلى مناطق لم تشأ المصادفات أن تمنحها إياها ويكمل هذا الادعاء على لسان "يوسي ببلين" في الجولة الخامسة للمفاوضات متعددة الأطراف عام 1992 حينما دعا إلى نبذ الحديث عن المياه التي اغتصبتها إسرائيل والانطلاق من الأمر الواقع الحالي وهو من منظوره وجود نقص في المياه لدى الدول العربية وإسرائيل معا مما يطرح ضرورة تعاونهما لزيادة الموارد بدلاً من التركيز على حقوق الفلسطينيين والسوريين وغيرهم من مصادر المياه الموجودة.

وأضاف د. شعراوي "إن المشروع المائي الإسرائيلي هو تزويد الضفة الغربية وقطاع غزة بالمياه من مصادر خارجية 'النيل اليرموك - الليطاني أو جميعها" ونقل مياه النيل إلى شمال النقب "يقصد أن 0.5 % من استهلاك مصر لا يشكل عنصراً مهما في الميزان المائي المصري"، كما أن هناك مشروع أردني إسرائيلي مشترك لاستغلال مياه نهر اليرموك وذلك لتخزين مياه السيول الشتوية لنهر اليرموك في بحيرة طبرية الواقعة داخل فلسطين المحتلة وهيئة مائية مشتركة أردنية/ إسرائيلية للتنمية المشتركة واقتسام موارد المياه، ومشروع مع لبنان للاستغلال الكهربائي لنهر الحاصباني ونقل مياه الليطاني إلى إسرائيل واستغلاله كهربائيا(19).

ويقول د. مغاوري شحاتة دياب الخبير المائي بجامعة المنوفية "إن التقارير الدولية تشير إلى أنه على صعيد عالمنا العربي، معظم مصادر المياه العربية تنبع من مصادر غير عربية، مما يجعل الأمن القومي العربي قابلاً للاختراق من قبل كثير من الدول منها على سبيل المثال تركيا، أثيوبيا، إسرائيل". ويضيف "كثيراً ما يتم استخدام المياه كسلاح تهديد ضد العرب والضغط عليهم، وهو ما حدث فعلاً عام 1998 بالضغط التركي على سوريا، وكما حدث أيضاً بين مصر وأثيوبيا".

ويقول د. مغاوري "ويبقى الأمر أكثر تعقيداً على مستوى الصراع العربي الإسرائيلي حيث أمام هذا الوضع المائي الصعب، فإن "إسرائيل" تقترح تعاوناً مائياً في المنطقة من فرضية أن العقدين القادمين من القرن الحادي والعشرين سيكونان على الأرجح عقدي صراع وتشاحن على موارد المياه في الشرق الأوسط". ويرى "أن حل أزمة المياه بالطرق التقليدية لم يعد يجدي نفعاً، وأنه لا مفر من أدوات وأساليب  جديدة لإدارة هذا الصراع قبل أن يتحول إلى أزمة حادة يصعب حلها". وأشار د. مغاوري إلى أن "إسرائيل بدأت ترمي إلى الحصول على مياه النيل لري النقب الشمالي للتوسع في الاستيطان. واهتمت إسرائيل كذلك، بوجودها في دول أعالي النيل لتكون حليفاً يهدد المصالح المصرية السودانية كما حظيت أثيوبيا باهتمام إسرائيل (وإقناعها بألا يكون البحر الأحمر بحيرة عربية)(20). وبرز اهتمام السياسة الخارجية الإسرائيلية بدعم وجودها وتوثيق علاقاتها بدول منابع النيل للضغط على مصر (كينيا أثيوبيا زائير وتأهيل أوغندا بوروندي رواندا وينتظر انضمام تنزانيا). ويقول د. مغاوري إن "هناك حقيقة لا يمكن إغفالها ومفادها أن عدم التشاور والتنسيق والتعاون بشأن هذه المشروعات يهدد مصالح مصر والأمن القومي لها - وتأتي أثيوبيا في المقدمة "حيث تمثل 84 % من مياه النيل" يليها أوغندا "وتمثل 16 % من هذه الموارد".

مما تقدم يتضح أن مسألة المياه بالنسبة إلى إسرائيل لا تدخل في صميم الأمن القومي فقط، بل هي مسألة وجود بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وتحاول إسرائيل من خلال هذا الوضع المُعقد أن تأخذ المياه كنموذج حتمي للدخول في تسوية وتطبيع مع الدول العربية يخدم مصالحها الإستراتيجية. وبناء عليه فإنّ أخطر ما يواجه مسألة الأمن المائي العربي هو المعادلة المائية غير المتكافئة بين العرب ودول الجوار. فالحصة العربية من المياه الإقليمية مرهونة إلى حدٍ كبير لإرادات غير عربية، حيث إن 60% من الموارد المائية العربية تنبع من خارج الأراضي العربية. وهذا الأمر، من منظور الواقع الإقليمي للوطن العربي، والمشاريع المائية الحاضرة والمستقبلية لدول الجوار والاحتلال الإسرائيلي للأرض ومصادر المياه، سيؤدي عملياً ـ بحسب خبراء ـ، إلى توسيع ثغرة الأمن المائي العربي، وبالتالي تسديد ضربة قاتلة إلى الأمن الغذائي العربي.

مصادر:

1- محمود زنبوعة "الأمن المائي في الوطن العربي" (المؤتمر السنوي الثالث، "المياه العربية وتحديات القرن الحادي والعشرين")، 24-26 نوفمبر 1998 أسيوط، ص 615، وكالة وفا. 

2- فيصل الرفوع السعودي: "الإستراتيجية المائية والصراع العربي- الإسرائيلي" (المؤتمر السنوي الثالث)، مصدر سابق، ص 333.

3- وليد سرحان- بسام عويضة: "ملف المياه، اللغم الرابع" صحيفة القدس، 24/6/2000، ص 10.

4- مصدر سابق.

5- مصدر سابق.

6- عادل عبد السلام: "المياه في فلسطين" الموسوعة الفلسطينية، المجلد الأول، بيروت، 1990.

7- أطماع إسرائيل في المياه العربية، د. عدنان هزاع البياتي.

8- إسرائيل تسرق المياه العربية؟، عبد الرحيم ريحان، (www.lahona.com/show_files.aspx).

9- مصدر سابق.

10- مصدر سابق.

11- مصدر سابق.

12- مصدر سابق.

13- مصدر سابق.

14- مصدر سابق.

15- مصدر سابق.

16- مصدر سابق.

17- مصدر سابق.

18- مصدر سابق.

19- المياه تشعل حروب الشرق الأوسط بدل النفط، (وكالة الصحافة العربية)، موقع www.middle-east-online.com، (19-9-2012).

20- المصدر السابق. 

اعلى الصفحة