الفراغ الروحي والعملي في حياة الفرد والأمة
مقاربة في الدوافع والمسببات وطرق العلاج..

السنة الحادية عشر ـ العدد 130 ـ (ذو القعدة ـ ذو الحجة 1433 هـ ) تشرين أول ـ أكتوبر ـ 2012 م)

بقلم: نبيل علي صالح(*)

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

تتجلى أزمة الفراغ الفكري والسلوكي الذي باتت معالمه تظهر وتمتد وتتوسع يوماً بعد يوم في حياتنا الإسلامية العامة فردياً وجماعياً، من خلال فقدان الإنسان المسلم الانسجام مع ذاته وانعدام المصالحة مع قيمه، وحالة انعدام مسؤولية الإحساس الحي بإسلامه الحركي العملي كنظام فكري وعقائدي متين وأصيل، يملأ جوانب حياته النفسية والوجودية، ويدفعه باتجاه العمل والجهاد والكفاح في سبيل احتلال مواقع أكثر تقدماً ورقياً في الحياة الإنسانية والإبداعية من موقع الوعي الجمالي بالحياة والوجود والإنسان..

فمعظم المسلمين حالياً يشعرون بالإسلام كحالة ذاتية طقوسية يمارسونها يومياً عبادات ومشهديات بصرية تغيب عنها عوامل الوعي والانسجامية الروحية التكاملية، أي يعيشون الدين كمجرد طقس روحي يحلق في عالم الخيال البعيد عن الأرض، بما يجعله فاقداً للعلاقة والتواصل مع واقع الحياة والمجتمع.. فتأتينا صورة الدين في حياتنا كمجرد طقوس مقدسة تتلاحق فصولها على شكل صور غامضة ومبهمة، وكليات لا يعرف مداها ومعناها في حركة التطبيق.

وقد ساعد على تعميق هذا التصور الخاطئ في نفوس المسلمين، ومحاولة إيجاد قواعد فكرية ومعرفية فلسفية مستحدثة في ذهنية أجيال الأمة الإسلامية، وجودَ تيارات سياسية وثقافية بعيدة في وعيها ونهجها وخطوطها عن حضارة وثقافة ورسالة هذه الأمة، قامت بإبعاد قطاعات المجتمع الشابة عن الإسلام الحركي الاجتماعي المتواصل بلطف وهدوء وتكامل حقيقي مع كافة مجالات السلوك الحياتي الفردي والمجتمعي، وقدمته لهم بصيغ فكرية مقولبة ومنمطة جامدة تنتمي إلى مرحلة تاريخية قديمة لا يعيشونها ولا يعرفونها، انتهت بوعيها وفكرها ومكتسباتها في زمن انقضى، ولم يعد بمقدور (هذا الإسلام) حالياً أن يستوعب، ويستجيب، ويقدم الحلول المناسبة لمشاكل الإنسانية المعاصرة التي تتزايد يوماً بعد يوم.

وإذا كان لنا أن نحدد الأسباب (والمسؤوليات) عن وجود وتكوين هذا الفراغ الروحي وانعدام حس المسؤولية الرسالية الإنسانية التي هي جوهر التفكير والعقيدة الإسلامية الأصيلة، فإننا نعتقد أن هناك عوامل وظروفاً وملابساتٍ عملية راهنة وتاريخية عديدة ساهمت ودفعت كلها - بشكل أو بآخر- في اتجاه إيجاد وخلق هذا التصور السلبي القائم عن الإسلام والمسلمين والرسالة الإسلامية النبيلة، وعملت على تأسيس ذلك الفراغ الفكري والعقدي من خلال تهيئتها للتربة المناسبة التي نشأت عليها تلك الأفكار الخاطئة التي باتت ديناً بحد ذاته.. ويمكننا -في هذا الإطار- أن نتحدث عن أهم تلك الأسباب، ونحلل مختلف تداعياتها وآثارها السلبية من خلال ما يلي:

1-أسباب سياسية:

تعود هذه الأسباب بالدرجة الأولى كما ألمحنا سابقاً إلى طبيعة ونوعية وشكل أنظمة الحكم السياسية المستبدة التي مرت في تاريخنا العربي والإسلامي، والتي حكمت بإسم الإسلام، ولكنها لم تكن تمثل في كل حكمها السياسي التاريخي- طبيعة الروح الإسلامية الصافية والنقية لا في المضمون ولا حتى في الشكل.

فقد قدمت تلك الأنظمة للناس تصورات وأنماطاً سلوكية منحرفة غير سوية للفكر والسلوك الديني، ظهرت على حقيقتها خلال مرحلة التطبيق، بصورة محرّفة عن حقيقة الجانب السياسي والثقافي في الإسلام الذي قدمته تجارب الرسالة النبوية الشريفة في عهد الرسول الأكرم، مما جعل الكثيرين منهم (من الناس) يعتقدون بأن معنى عودة الإسلام إلى الحكم، ليس إلا عودة عصور القهر والطغيان والسلطنة والعنف والدماء، إلى عصرنا وحياتنا.

ويبدو لنا من خلال استقرائنا لحركة الواقع السياسي الراهن أن كثيراً مما تبقى من هذه الأنظمة السياسية والثقافية العربية الحاكمة حالياً على الرغم من حدوث ثورات الربيع العربي، لا تختلف كثيراً عن سابقاتها من حيث طبيعة الأفكار، والرؤى العملية التي تتأسس عليها هذه الأنظمة أو تلك.. إنها أفكار ونظم الاستبداد والتسلط والقمع والفساد والإفساد والهيمنة على مفاصل البلاد والعباد، والتحكم القسري الأرعن على مختلف منافذ الثروات والموارد الهائلة الموجودة في داخل الأمة، ومواجهة أي موقع (فردي أو اجتماعي..الخ) قد تسول له نفسه التفكير مجرد التفكير بإحداث تغيير معين في طبيعة السلطة القائمة، حتى لو اقتضى ذلك، وضع السلاح في مواجهة الأمة كلها، بدلاً من أن يكون في مواجهة العدو، أي هناك بعض النظم غير القابلة للإصلاح على استعداد للتضحية بكل مقدرات وإمكانات مجتمعاتها للبقاء في السلطة حتى لو كلف ذلك خوض حرب تدميرية ضد تلك المجتمعات بأكملها..

إننا نعتقد أن تلك الأعمال المشينة التي يرتكبها زعماء وسلاطين الأمة بحق شعوبهم وأبناء أمتهم المستضعفة تتعمد الإساءة إلى القيم والمفاهيم الإسلامية الأصيلة المنفتحة، وتحاول -من خلال ذلك إبعاد الإسلام عن حياة المسلمين، بما تشرعه لهم من قوانين ونظم تتناقض مع المضامين الروحية والعملية الحية للقرآن الكريم والسنة المطهرة، وتتعارض كلياً مع معطيات العقل والمنطق.

وهنا نشير إلى أنه لا يجوز لأي كان من الإسلاميين الملتزمين دولة كانوا أو حزباً- إلا أن يقفوا مع الحق ضد الباطل، ومع المظلوم ضد ظالمه، مهما كلفت التضحيات، وحتى لو كان ثمن هذا الوقوف خسارة مواقع عمل وتحالفات سياسية معينة واستراتيجيات عمل سياسية وغير سياسية وغيرها.. هذا ما تعلمناه من ثورة أبي عبد الله الحسين الذي رفع شعار "هيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله..".. وقدم للأمة كلها -بسنتها وشيعيتها- نموذجا للفداء والتضحية وللبطولة الحقة التي مثلها الحسين عملياً متماهياً مع قيم الإسلام الرسالي الإنساني. والحسين هنا لم يكن يمثل حالة شيعية في مواجهة حالة سنية، بل كان إماماً وحالة إسلامية مشرقة وأصيلة وإنسانية في مواجهة حالة فكرية وسلوكية منحرفة في تاريخ الحكم الإسلامي اسمها يزيد بن معاوية.. فلا يزيد كان سنياً ولا الحسين كان شيعياً.. بل هما شخصان مسلمان انحرف أحدهما عن جادة الحق والصواب واغتصب الخلافة والرئاسة، فكان الحسين في مواجهته كما قال: "إني لم أخرج أشراً ولا بطراً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، فمن قبلني بقبول الحق، فالله أولى بالحق، ومن رد علي أصبر...الخ"..

إذاً هناك فكرة وقيمة اسمها الحرية والكرامة والعزة وكلها قيم إنسانية وإسلامية طلب الإسلام من المسلم أن يعيشها فعلاً لا قولاً فقط، وأي نظام سياسي لا يحقق الحرية والكرامة والعزة لشعبة لابد من مواجهته وإسقاطه والوقوف مع الشعب المظلوم الممتهنة كرامته مهما تزايدت وتصاعدت التكاليف والتضحيات.. هذا أقل واجب أخلاقي وديني.. ولنا أن نتخيل موقف إمامنا الحسين(ع) وأولاده وأهل بيته الكرام عندما خذله أهل الكوفة ولم يناصروه فاستشهد من استشهد، وقتل من قتل.. أليس في هذا درسٌ لضرورة أن نمنع تكرار مثل هذا القهر والظلم والعدوان الذي وقع على أهل بيت الرسول(ص) في واقعنا المعاصر عن أي شعب من الشعوب خاصة الشعوب القريبة منا، والمسلمة مثلنا سنية كانت أم شيعية!!..

فالظلم الواقع على الناس هنا وهناك لا دين ولا مذهب ولا انتماء له، والمجرم القاتل السفاح الذي يمارس مثل تلك الأفعال والأعمال الإجرامية الدموية لا دين له، ولا إله له سوى إصراره على القتل والظلم وانتهاك الحرمات والكرامات والأعراض..

إننا نعتقد أن العمل على منع حدوث مآسٍ أخرى جديدة مثل تلك التي حدثت في كربلاء- هي من أولى مهامنا والواجبات الرسالية الإسلامية (التي سيسألنا الله تعالى عنها يوم الحساب) الملقاة علينا كمسؤولين وتيارات وأحزاب دينية أو غير دينية، خصوصاً وأن منطقتنا العربية الآن حبلى بالصراعات والفتن، بل وباتت أرضاً خصبة وصالحة لنمو ونشوء مزيد من الاستقطابات الطائفية الحادة (بين الشيعة والسنة وهما جناحا الإسلام الأساسيان) التي نأمل ألا تقع في شراكها أحزابنا وتياراتنا المقاومة التي نحب ونحترم ونقدر تاريخها النضالي والكفاحي الجهادي والذي هو أحد أهم نقاط القوة والإشراق في عتمة هذه الأمة.

كما ويمكن أن نستثني من هذا التاريخ المليء بالأحقاد والتباغض وأجواء الفتن والاضطرابات السياسية، المرحلة التي حكم فيها أمير المؤمنين الإمام علي(ع) الذي حاول جاهداً بشهادة الكثيرين من أعدائه ومخالفيه قبل أشياعه ومحبيه- أن يؤسس جدياً وعملياً لنظام الحريات في الإسلام بما يجعله قادراً على استيعاب مختلف اختيارات وتوجهات وانتماءات وتطلعات وقناعات البشر بعيداً عن سلطة الحق الإلهي المقدس (ثقافة ظل الله في الأرض).

وهذا ما يدعونا للاستنتاج بأنه لو أتيح للإمام علي أن يتحرك بحرية ضمن هذا المسار المشرق (مسار وعي الإسلام كرسالة وليس كسلطة، كثقافة محبة وحرية وتسامح وليس كثقافة سلطنات وزعامات وعروش وو..الخ) لكانت البشرية قد اكتشفت منذ زمن بعيد- البذور والأسس الفكرية والعملية الأولى للنهج التعددي القائم على الشورى (الديمقراطي)، ووفرت على نفسها عناء الصراعات والتكاليف الباهظة للحروب المعنوية والمادية من دون أدنى شك.

2-أسباب تربوية نفسية:

ساهم عدم اكتراثنا بأهمية السياسة التربوية الإسلامية السليمة - في داخل بيوتنا ومجتمعنا الديني- في تهيئة التربة الملائمة لنمو بذور الفراغ النفسي والعقائدي في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

وحتى لو وجدت هناك أساليب تربوية معينة تقليدية موروثة أو حديثة تعتمدها الأسر ومختلف الفئات الاجتماعية في تلك المجتمعات المسلمة، من أجل تنمية سلوك أبنائها، فإننا نجد أن أغلب هذه الطرق المتبعة خاطئة، وغير واقعية، وعديمة الجدوى والنفع، خصوصاً في المسائل المتعلقة بأساليب تعليم الدين، وتثقيف الأبناء به، الذي ما يأتي غالباً بطريقة فجة وغير واقعية، بل ومخيفة لهم أيضاً، يعتمد فيها على طرق الزجر والردع والخوف والتخويف، وتجذير عقلية الحلال والحرام من دون مقدمات تربوية صحيحة يمكن إبداعها لدى الناشئة من أجيالنا.. وهذا ما يخلق في نفوس هؤلاء الشباب ردة فعل سلبية تجاه المعطى الديني، ويشكل لديهم ربما نوعاً من العقدة النفسية المرضية تجاه عالم الدين بأسره، قد تؤثر سلباً على مستويات وعيهم، وانتمائهم الفكري الديني في المستقبل.

وهذا ما يظهر أمامنا في السلوك التربوي الديني لأفراد مجتمعاتنا، من خلال اكتفاء الآباء بالتركيز على تعليم الأبناء الجانب العبادي الرمزي والطقوسي فحسب، الأمر الذي يساعد كثيراً مع مرور الزمن على خلق تصور فكري خاطئ لدى الأبناء عن حقيقة الدين يقوم على اعتبار الدين مجرد عبادة مظهرية شكلية طقوسية خالية من أي جوهر أو مضمون أو معنى رسالي وحركي في الحياة.

ونحن -بطبيعة الحال- عندما نحّمل أسرنا المسؤولية الأهم والأكبر عن اتساع دائرة الفراغ الروحي والنفسي في داخل مجتمعاتنا، لا يمكن أن نغض النظر عن دور ومسؤولية مواقع التعليم والتربية المتعددة الأخرى عندنا كالمدرسة والجامعة والمؤسسات والهيئات المجتمعية الأخرى.. لأن تلك المواقع - التي يفترض أن تعمل على تعميق الحس الديني الحضاري لدى الطالب- تشعره (بوحي الطريقة التي تتبعها في تعليم وتلقين دروس الدين) بأن هذه الدروس والتعاليم والقيم الدينية لا تمثل شيئاً من الأهمية الموجودة لباقي المواد والمقررات.

وهذا الأسلوب شبه العدمي إذا صح التعبير في التعامل مع المواد والدروس الدينية، يبعث في نفوس الطلاب الشعور بالعبث عند تناول المادة الدينية، وفقدان الاهتمام الكلي بالدين، وتضعيف الحس والانتماء الديني في داخل كيانه الذاتي، والابتعاد عن المطالعات الدينية، وعن الكتب التي تتحدث عن نظام وثقافة الدين، وأساليبه الفكرية والعملية في الحياة. فيظهر تعاطي أبنائنا مع فكر وثقافة الدين وكأنه نوع من الترف والعبث الذي لا يقدم ولا يؤخر.

3- شيوع الانحلال الفكري والأخلاقي:

يتمثل ذلك من خلال اتساع الرؤى والنظرات المعرفية العملية التي تنظر إلى الدين من منظار الحداثة الغربية القائمة على:

أ- الرؤية الدنيوية المادية المحدودة والمفضية إلى اعتبار العالم الموضوعي الخارجي هو الحقيقة، ولا شيء وراءه. وهذه الرؤية تنفي وجود تدخلات غيبية ما ورائية في أصل وجود هذا العالم، أو صيرورته. وتعتبر تلك النظرة أنّ الغاية النهائية والقصوى لحياة الإنسان على الأرض مجردة من أي معطى جوهري آخر غير المادة، وهي بلا مضمون روحي وأخلاقي قيمي عملي مجسد على الأرض. أي أن يصبح النجاح المادي وتحقيق اللذة والمنفعة والوصول إلى درجة القوة، وامتلاك رؤية دنيوية غير دينية هو القيمة الأخلاقية الذاتية الأساسية التي تدفع الإنسان للحركة الفاعلة في الحياة.

ب- أن يكون الفرد هو القيمة الأساسية المطلقة في حركة المجتمع، وهو محور العمل والنشاطات والوجود.. ولا علاقة لأحد به من موقع المرجعية الفكرية الدينية أو غير الدينية.

ج- أن يكون العقل الوضعي النفعي الذي يتأسس على مبادئ البراغماتية (النظرة النفعية والربحية المحضة)، ويستبعد أي دور للعقل الأخلاقي العملي القائم على قيم ومبادئ أخلاقية رسالية ذات امتداد ديني في فهم معنى الخير والشر، والحق والباطل- هو المرجعية الحقيقية والواقعية المطلقة في فهم الأشياء والموضوعات، وفي وعي وإدراك آليات العمل والحكم على الأعمال والسلوكيات المختلفة. وبشيء من الاستطراد يمكن القول هنا بأن انتشار أفكار ونظريات وطروحات الحداثة الغربية في أوساطنا الاجتماعية الإسلامية -بالمعنى الذي تحدثنا عنه- قد قاد إلى:

1- نشوء تطبيقات روحية ومفاهيمية عملية تخاطب الغرائز والجوانب المادية الحسية فقط عند بني البشر، وتدفعهم إلى تقديسها واعتبارها محور النشاط والفاعلية البشرية، من دون أن يكون للعوامل والدوافع الروحية أي دور في ذلك. الأمر الذي ساعد كثيراً على إشاعة الروح الانحلالية، وأجواء التهتك الاجتماعي، والتمييع الفكري والأخلاقي في نفوس الناس والمجتمعات.

2- ظهور النظريات والأفكار الفاشية والنازية والاتجاهات العدمية اللا إنسانية، وكل ما يقوم على تعزيز النزعة القهرية والعدوانية إذا صح التعبير- في استلاب الآخر وإلغائه، وليس بالتكامل معه وبه.. وذلك كقيمة طبيعية لتجريد هذه الحداثة من الإيمان الديني الأخلاقي.

وهنا نشير إلى أن ظهور مبادئ "الأنسنة" بالمفهوم الغربي، قد ترافق مع الاندفاع الأكبر والأعظم في التاريخ للنزعة العدوانية الغربية في استعمارها ونهبها وأحياناً تدميرها لإنجازات حضارات وثقافات الشعوب المستضعفة الأخرى، ومنها شعوبنا وبلداننا العربية والمسلمة.

ومن الطبيعي أن يحدث مثل هذا الواقع في أجوائه السلبية الضاغطة تأثيراً نفسياً وسلوكياً كبيراً في نفوس أبناء المجتمع خصوصاً فئة الشباب، ليشعرهم بأن الإيمان الديني الإسلامي لا يتصل بحياتهم وبسلوكياتهم على الأرض في قليل أو كثير، ولا علاقة له بتوجهاتهم الفكرية والعلمية والعقلية، ويصبح بالتالي- من العبث أن يشغلوا أنفسهم  بدراسته والتعرف عليه.. لذلك من الطبيعي أن تتسع وتمتد تلك الطروحات والمفاهيم إلى ساحة الحياة كلها خصوصاً مع عدم وجود فكر ونهج واع مقاوم ومواجه لتلك الأفكار العبثية الرافضة للدين.

من هنا يجب علينا - على طريق إيجاد حلول متوازنة لمشكلة الفراغ الروحي العقائدي- أن نكون صريحين مع واقعنا وأنفسنا ومشاكلنا. أي أن تكون المكاشفة والوضوح هي السبيل الذي نجابه به تحدياتنا وأزماتنا التي يعيشها تفكيرنا وواقعنا الديني والاجتماعي والسياسي.. لأن المكاشفة هي القاعدة الأساسية في فهم وتصوُّرِ أسباب المشكلة، ثم في تبني حلول عملية لها.

وبمقدار ما نفعّل هذا الأسلوب النقدي في حياتنا الدينية والحضارية (مع توافر شرط عدم إلقاء التهم، وتحميل المسؤوليات للآخرين) بمقدار ما ننجح في عملية المواجهة، ونؤسس لمستقبل ديني ورسالي ناجح ومستقر.

طبعاً نحن عندما قلنا أن هناك تأثيرات سلبية للتفاعل الديني والاحتكاك الحضاري مع حداثة الغرب، لا يعني ذلك أن مفاهيم ونتاجات الحداثة الغربية هي كلها في نفس المنحى السلبي بالمطلق، بل نعتقد جازمين أن واقع وآثار وإبداعات تلك الحداثة الغربية خاصة في المجال العلمي والتقني والمؤسسات الدولتي- قدمت للإنسانية عموماً كثيراً من الأفكار والمناهج الثقافية النافعة والمفيدة، وشكلت تجارب متراكمة مهمة على طول المسيرة الإنسانية.

والحداثة الغربية التي ترتكز على مفاهيم العقلانية والإنسانية والتسامح والاعتراف بالآخر والتعايش معه والاستفادة منه وتبادل الخبرات معه، لا يوجد بينها وبين الإسلام كدين إنساني يهدف لخير البشرية- أية مشكلة على مستوى المناهج العامة، وليس على مستوى المفردات. فأفكار وطروحات العقل والانفتاح وغيرها موجودة أصلاً في داخل المنظومة الاعتقادية والفكرية الإسلامية. وحركة العقل والعقلانية في التاريخ الإسلامي -التي مرت بكثير من الأزمات المستعصية، لم يكن للفكر الإسلامي الأصيل أي دخل فيها- يمكن التأسيس عليها مجدداً في عصرنا الراهن.

ونحن نعرف أن هناك جدلاً واسعاً بين الأشاعرة والمعتزلة، مورست فيه حالات ضغط وقسر في كل حركة العقل في بعض الأحيان. لكنها لم تكن بالمستوى الذي أدى إلى إلغاء دور العقل وإسقاطه بالمطلق. لكن العقل استطاع في نهاية المطاف- إثبات نفسه، وفرض وجوده في تاريخ الفكر والثقافة الإسلامية.

وبالإضافة إلى مفهوم العقل، هناك مصطلح ومفهوم ومفردة "العلم" الذي دعا الإسلام إلى اعتماده في كل المجالات. ولا حاجة بنا هنا إلى التذكير بكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي دعت إلى تلقف ونيل العلم، واكتسابه، والعمل به والانتفاع من خيراته.. وأن يفكر الإنسان، ويصول بعقله في كل الواقع الحياتي والكوني من أجل أن يدرس أسرار الكون، وحركة نظامه ونواميسه وقوانينه. كما ونددت الثقافة الإسلامية التي تحمل الإنسان مسؤولية التعقل والتعلم واكتساب المعرفة- بأولئك الذين لا يتفكرون ولا يتعقلون ولا ينتجون، والذين "لهم قلوب لا يفقهون بها وأعين لا يبصرون بها". لأن العقل هو المنتج للعلم والمعرفة. كما ودعا الإسلام إلى ضرورة عدم اتباع نهج الآباء والأجداد، ورفض تقليد الآخر..﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ)(البقرة:170).. بل أن يكون للمرء وعيه وسلوكه ودوره وعمله وكسبه الحياتي.. ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة:134).

وفي عصرنا الراهن نحن نريد -كمسلمين- أن يكون  لنا وجود نوعي ومؤثر في ساحة الحياة، وأن نضيف أشياء نافعة للبشرية، وعلى هذا الطريق لا عيب أن ننفتح على تجارب الآخرين للاستفادة وليس للإتّباع، وأن نقدم الحداثة الغربية في عالمنا العربي والإسلامي على أساس أنها خطاب ثقافي جديد أو رؤية ذات مفاهيم جديدة مختلفة عن كثير من أفكار ومفاهيم الخطابات القديمة، وتهدف إلى تشكيل وتنظيم مجتمعاتنا العربية والإسلامية عموماً على معايير تأسيسية جديدة (ليست مغايرة أو متناقضة مع بعض معاني وتعابير ثقافتنا الإسلامية الأصيلة)، تأخذ بعين الاعتبار أولوية وجود الإنسان الفرد الحر (بعقله وسلوكه) على أي شيء آخر مستفيدةً من أجمل ما في تراثنا وماضينا من قيم ومبادئ مهمة وجميلة تلحظ تفعيل دور ونشاط الإنسان الإيجابي في الحياة.. وقد انبثقت الحداثة خلال مرحلة الزحف السياسي والعسكري الأوروبي على عالمنا العربي والإسلامي، وامتد زماناً منذ غزوة بونابرت لمصر في خواتيم القرن الثامن عشر، إلى انهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، ما رتّب عند كثير من الباحثين العرب استنتاجاً يقضي بالشك في أصالة ميلاد فكرة الحداثة وفي شرعيتها التاريخية.

وفي الختام نؤكد على أن لا بديل لنا كعرب ومسلمين عن الانخراط في الواقع المعاصر، والاهتمام بكل أحداثه ووقائعه وأحداثه وشؤونه المختلفة.. وهذا يتطلب البحث الجدي منا عن مضامين معرفية جديدة، ما يؤهّلنا لـ"التكيّف الإيجابي" مع معطيات ومواقع هذا العالم، وبالتالي الانخراط في مقتضياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، بما يقلل من الخسائر التي علينا دفع أثمانها نتيجة فواتنا التاريخي، ريثما تتوفر شروط عامة للتحرر والانعتاق في المستقبل.

فنحن لسنا وحدنا في هذا العالم، كما أننا لسنا مركزه أو غايته أو منتهاه.. بل نحن أمة كباقي الأمم والحضارات.. لها ما لها وعليها ما عليها.. إننا أمة من مجموعة أخرى من الأمم والثقافات، لا يمكن أن نتكور على أنفسنا وذواتنا، ولا نتقوقع ونعيش من دون جيران وأصدقاء ومصالح وتوترات ومناخات باردة أو ساخنة وغيره.. ولا نستطيع أن ننعزل عن أية تأثيرات وتطورات قد تحدث في العالم الذي نعيش فيه. كما أننا نتحمل مسؤولية كبيرة في المشاركة في بناء هذا العالم الإنساني الكبير المتداخل بالتكامل مع باقي الأمم والحضارات، ولا يكفي أن نوجّه إليها اللوم ونلقي عليها مسؤولية فشلنا وتقهقرنا الحضاري القائم حتى الآن، إذ أنه وعلى الرغم من التسليم بدور ومسؤولية العامل الخارجي في ما وصل إليه حال العالم العربي والإسلامي من تدهور وتأخر، إلا أن هناك وعياً متزايداً بأن الكوارث التي يعيشها ليست كلها ناجمة عن المؤامرات والمصالح والأطماع والتدخلات الأجنبية وحدها، وأن الكثير منها يعود إلى أسباب داخلية مقيمة ذاتية، من أبرزها عجز النخب السياسية عن إيجاد الحلول الملائمة لتناقضات كامنة في بنية وثقافة المجتمعات ونظم الحكم العربية.. وترتب على إهمالها وتراكمها نجاح القوى الخارجية في استثمارها واستغلالها إلى أن وصلت إلى نقطة الانفجار أو انفجرت بالفعل كما هو الحال في دول عربية كثيرة.. على الرغم من حدوث موجة الثورات العربية التي انفجرت في بعض تلك البلدان، التي تعاني معظمها من البطالة والفشل التنموي وتعثر الإصلاح السياسي والخلل الرهيب في توزيع الثروة والمداخيل تحولت إلى أمراض مزمنة راحت تنخر في عظام هذه الدول لتشكل قنابل موقوتة قابلة للانفجار في جسدها في أية لحظة.

من هنا نؤكد على الحقائق التالية في سياق ضرورة قبولنا وتبنينا لأفكار الحداثة التي تنسجم مع ذاتنا الحضارية:

 1- إن الإصلاح الداخلي المنطلق من ترتيب أوضاع بيوتنا الداخلية أفضل وأقوى وأمتن من أي إصلاح خارجي مفروض لن يأتي إلينا إلا نتيجة الغياب المتعمد لانطلاقة مناخ الإصلاح الطبيعي في المجتمعات والشعوب بما ينبع منها ويتفق مع تقاليدها ويرتبط بهويتها.

2- الإصلاح الحقيقي المطلوب الذي يستمر ويبقى هو فقط الإصلاح الذي يتم بالطرق السلمية الديمقراطية مع رفض كامل لمنطق العنف في العملية السياسية الإصلاحية، لأن مفاجآتها كثيرة وردود فعلها معقدة ونتائجها غير مضمونة.. بينما الإصلاح التدريجي المدروس وفقاً لخطة زمنية معلنة هو السبيل الأفضل للانتقال نحو غايات الأمم وأهداف الشعوب. وتستطيع نظم عربية كثيرة أن تتلاءم مع التطورات المقبلة بشرط أن تستوعب حقائق العصر وأن تمضي نحو المستقبل بخطى ثابتة، بدلاً من ترديد شعارات خادعة للاستهلاك المحلي وتسويف التغيير وإجهاض الإصلاح.

3- إن المؤسسة الدينية الحاكمة ظاهراً أم باطناً- في العالمين العربي والإسلامي مطالبة أكثر من أي وقت مضى باعتماد العقل والحوار والانفتاح على الآخر، وإطلاق خطاب ديني عصري واضح يعتمد على عنصر النقد الفاعل البناء وليس التلقي والقبول والتسليم الكامل..

ومن أجل ذلك، تبدو مقولة الحداثة العقلية والفكرية والاشتغال على الاجتهاد الديني إذا صح التعبير- في رأس أولويات التجديد المطلوب للبناء والتطوير ومن ثم اللقاء والتعاون مع باقي الحضارات الإنسانية.. فمسألة التقدم والتطور الحداثي تستدعي مقولات أخرى جديدة: المجتمع المدني، الديمقراطية، الدولة الحديثة، المواطنة، وهذا كله يمكن اختصاره بمقولة واحدة هي: الحكم الصالح. وتبدو أهمية ذلك إذا أدركنا أننا، بشكل عام، لا نملك لغة سياسية حديثة، منظمة ومؤسسة، في بنانا السياسية والثقافية، إذا بقينا خارج تسلسل وتاريخ الأحداث والتغيرات التي تعصف بالعالم المعاصر.

طبعاً نحن عندما نتحدث عن قضية الاجتهاد الديني وأهمية الإصلاح في الفكر الإسلامي، فإن ذلك يعني من جهة أولى، رفض أن تراوح هذه الثقافة الإسلامية في مكانها ليجتر أصحابها مقولات ومفاهيم خارج نطاق الحياة والعصر.. ومن جهة ثانية يعني عدم الاكتفاء بترديد أغاني الماضي التليد وانجازات العصور القديمة، بل عليها (على ثقافتنا الإسلامية) أن تواكب حركات التقدم الذي وصلت إليه الثقافات الأخرى وأن تتفاعل بشكل خلاق ومبدع مع كل الانجازات العلمية والفكرية التي ساهم بها مثقفو الأمم الأخرى.

وهنا نؤكد دائماً على أن تجاوز هذه الإشكالية "الجديدة-القديمة" قائم على مسألة نظرية بسيطة النظرية لكن مركبة التنفيذ والتطبيق، وهي: أن نعمل على الاستفادة من ثقافتنا وحضارتنا العربية والإسلامية بما يتلاءم ويتناسب مع سياقات وحاجات ومتطلبات العيش المعاصر لمجتمعاتنا الراهنة ذات الحاجات المتبدلة والمتغيرة، ومن دون أن نكون أسرى لقيم وأفكار ونصوص الماضي، ومستغرقين في مناخاته القديمة، وأن نأخذ بمعطيات الحاضر ونساهم في تطويره بما يمكننا من استشراف المستقبل، وأهم ما نحتاج إليه هنا هو الثقافة التنويرية العقلية، وضرورة خلق نقاط ارتكاز واستنادات معرفية وفلسفية عميقة لها.. حيث لم يعد مقبولاً الاكتفاء بالنشاطات الثقافية الشكلية المجردة التي لا تمت إلى الجوهر بصلة، بل علينا أن نساهم في عملية البناء الفكري الذي يصوب سهامه إلى مكامن الجهل ومفاصل الترهل في زوايا مجتمعاتنا المتعطشة إلى نور العلم والمعرفة.. وهذا ما يتطلب توفير كل المقومات والإمكانات الضرورية كأسس وقواعد، عن طريق إيجاد مناخ يكفل حرية البحث العلمي والإنتاج الأدبي والنقد السياسي، بما يؤهل مجتمعاتنا لأن تكون رائدة في ثقافتها منسجمة مع ماضيها مترقبة لمستقبلها الواعد.. وتلك هي مسيرة الثقافات عبر التاريخ وخلال العصور فالتواصل الثقافي بين الأمم أشبه بسلسلة ذات قنوات متداخلة كل قناة تأخذ مما قبلها وتعطي ما بعدها، هكذا كان حال ثقافات الأمم الغابرة من مصرية ورومانية وفارسية ويونانية وعربية إسلامية مروراً بثقافة أوروبا في عصر النهضة والتنوير وانتهاء بالثقافة المعاصرة التي نعيش في رحاب نتاجها الذي يرفد الإنسانية بعوامل الرقي والإبداع لما فيه خير البشرية جمعاء.

كاتب سوري(*)

اعلى الصفحة