الحراك الشعبي والأحكام الظالمة في البحرين

السنة الحادية عشر ـ العدد 130 ـ (ذو القعدة ـ ذو الحجة 1433 هـ ) تشرين أول ـ أكتوبر ـ 2012 م)

بقلم: م. إسماعيل

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

بعد مضي أكثر من عام ونصف العام على اندلاع الاحتجاجات الشعبية في البحرين، تزامنا مع انطلاق ثورات الربيع العربي، لا تزال الأوضاع تراوح مكانها في هذه المملكة الخليجية الصغيرة. فبين احتجاجات متفرقة ومسيرات وتظاهرات بين الحين والآخر، تثار تساؤلات حول طبيعة ما تشهده البحرين، وهل هو ثورة تتفاعل أم احتجاجات لا تلبث أن تنتهي؟.

بعد مضي أكثر من عام ونصف العام على اندلاع الاحتجاجات الشعبية في البحرين، تزامنا مع انطلاق ثورات الربيع العربي، لا تزال الأوضاع تراوح مكانها في هذه المملكة الخليجية الصغيرة. فبين احتجاجات متفرقة ومسيرات وتظاهرات بين الحين والآخر، تثار تساؤلات حول طبيعة ما تشهده البحرين، وهل هو ثورة تتفاعل أم احتجاجات لا تلبث أن تنتهي؟

 إن ما تشهده البحرين، بالتأكيد، ثورة تمتلك كل مقومات الثورة في أي بلد في العالم. إن النظام القائم في البحرين نظام غير ديمقراطي يقوم على الحالة القبلية العائلية، ويفتقر إلى مقومات الدولة الحديثة الحقيقية. لذلك، أصبحت هناك ثورة تمتلك كل المقومات.

يطالب الشعب في البحرين بأن يصبح هو مصدر السلطات، إذ إن السلطات محصورة في يد فئة معينة تحكم البلاد، بل في يد عائلة واحدة وربما فرد واحد فقط هو ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة.

كما و تطالب المعارضة بأن يكون من حق شعب البحرين أن ينتخب حكومته ومجلسه التشريعي الكامل الصلاحيات بشكل حر ونزيه، وأن يكون الأمن للجميع، وأن تتحول المؤسسات الأمنية إلى مؤسسات وطنية بقضاء نزيه و مستقل. إن سبب الانتهاكات في البحرين هو أن المؤسسات الأمنية ليست وطنية، بل تعتمد على المرتزقة وعلى قتل المواطن واعتقاله وتجويعه وفصله من العمل...

عودة التظاهرات والمسيرات إلى البحرين

 دعت القوى السياسية في البحرين إلى إطلاق سراح المعتقلين في سجون النظام، داعية المؤسسات والمنظمات الدولية إلى تحمل مسؤولياتها الإنسانية والأخلاقية تجاه شعب البحرين.

ففي بيان لها في ختام التظاهرات الحاشدة التي شهدتها ضواحي المنامة تحت شعار جمعة " مصيرنا الحرية والديمقراطية " جددت الجمعيات السياسية رفضها الكامل لاستمرار النظام البحريني في مشروعه الأمني المتعدد الأشكال، مشددة على أن الشعب وحده له الحق بوضع الدستور واختيار الحكومة. وقد حذرت القوى السياسية المعارضة للنظام البحريني من مغبة الاستمرار في نهج استغلال القضاء ضد قيادات ورموز المعارضة المحتجزين كرهائن في سجون النظام.

يأتي تصاعد الحراك في البحرين في ظل القمع المتزايد لقوات الأمن وامتناعها عن إعطاء التراخيص للمسيرات السلمية منذ عدة أشهر. ولم يقتصر القمع على منع المسيرات السلمية، بل تعداه إلى انتهاك حقوق الإنسان بشكل سافر، والذي طال الأطفال على وجه الخصوص، إذ كشفت عضو جمعية الوفاق البحرينية جليلة السيد عن تعرض ٨٤ طفلا للاعتقال والمحاكمات وعن إصابة ٨٦ آخرين بجروح جراء الاعتداءات التي طاولتهم من قبل قوات الأمن.

في هذا السياق، تحدت القوى الشعبية والسياسية قرار وزارة الداخلية بمنعها مسيرة دعت إليها الجمعيات السياسية المعارضة في العاصمة المنامة. وعلى الرغم من الإجراءات الأمنية التي فرضتها السلطات، خرج آلاف المواطنين في مسيرة قمعتها قوات الأمن بالغازات السامة والرصاص، وانتشرت الآليات العسكرية عند مفاصل العاصمة، كما فرضت قوات النظام طوقا أمنيا وأقامت نقاط تفتيش، وشنت حملة اعتقالات واسعة. تحت شعار جمعة " الوفاء للقادة "، انطلقت مسيرات في مناطق متعددة من البحرين ما انعكس إرباكاً لدى السلطات في التعامل مع هذه المسيرات.

يتبين من خلال الهلع الشديد الذي عاشته السلطة على أثر الدعوة إلى مسيرة حاشدة وسط العاصمة، أن تلك السلطة لا ترغب بأن تسمع أي صوت يدعو إلى حرية التعبير في البحرين، لأن ذلك سوف يزلزل عروش الحكام المتهاوية.

من جهتها، فقد وثقت المعارضة بجميع أطيافها التقارير التي سوف تعرض في جينيف. والجدير بالذكر أن القمع والتعذيب والتنكيل قد ازدادت وتيرته بشكل ملحوظ بعد انعقاد مؤتمر جينيف الأول في شهر أيار/مايو الماضي وهذه دلالة واضحة على حماقة السلطة في التعامل مع المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية الدولية. فمن المقرر أن تكون الأولوية في أجندة المعارضة لملف المعتقلين الأطفال على المستوى الحقوقي، وهي قضية في سلسلة من النشاطات لتسليط الضوء على الانتهاكات بحق هؤلاء الأطفال في السجون البحرينية، والذين يتجاوز عددهم ٨٠ طفلاً.

مظاهرات تستنكر الأحكام المؤبدة بحق رموز المعارضة

وسط إجراءات أمنية مشددة، أصدرت محكمة الاستئناف البحرينية تأييدها الأحكام بالسجن التي تتراوح بين ٥ سنوات و ١٥ عاما بحق ١٣ قياديا في المعارضة، والمؤبد على ٧ منهم، وهم يعتبرون من قادة الحركة الاحتجاجية المناهضة للسلطة في البحرين بتهمة تشكيل مجموعة إرهابية مسلحة لقلب نظام الحكم، وذكر محامون أنهم سيطعنون في الحكم أمام محكمة التمييز. من بين المحكوم عليهم الناشط المعارض عبد الهادي الخواجة الذي نددت عدة دول ومنظمات بمحاكمته والذي سبق أن نفذ إضرابا عن الطعام لفترة طويلة.

لقد اشتعلت نيران الغضب في عدد من المناطق في البحرين احتجاجا على أحكام محكمة الاستئناف البحرينية. فتأييد تلك المحكمة لقرار محكمة السلامة الوطنية، وهي محكمة عسكرية ، ضد ١٣ متهماً بالمشاركة في مؤامرة ضد نظام الحكم والتخابر مع جهات أجنبية، وانتهاك أحكام الدستور رفضته المعارضة واعتبرته كفيلاً بتصعيد حدة التوتر مجدداً.  حيث قام المحتجون بقطع الطرق الرئيسة المؤدية إلى العاصمة المنامة بالإطارات المشتعلة في عملية أطلق عليها " كلنا فداء الرموز". وأصيب أحد المحتجين في منطقة كرانة بطلق مباشر من قبل قوات النظام، في المنطقة الوسطى من جسمه وحالته حرجة حيث نقل فوراً للعلاج . وأبدى الأطباء قلقهم الشديد على سلامة المصاب البحريني "٢٤ سنة" بعد أن تبين تدهور وضعه جراء الاستهداف المباشر له.

وكانت مسيرات شعبية انطلقت في أكثر من ٣٧ منطقة من مناطق البحرين تضامناً مع المعتقلين وللمطالبة بالإفراج الفوري عنهم وخصوصاً رموز المعارضة ونشطائها الذين يحاكمون على خلفية تعبيرهم عن رأيهم.

في المقابل قامت قوات النظام بمحاصرة هذه المناطق ومارست بحق أهلها العقاب الجماعي، واستخدمت ضدها الأسلحة وأساليب العنف المختلفة، ما أدى إلى إصابة عدد من المواطنين واعتقال مواطنين اثنين. وشملت عمليات القمع والبطش استخدام الرصاص الانشطاري المحرم دولياً والذي أدى إلى قتل عدد من المواطنين وإصابة عشرات منهم بإصابات يصل بعضها إلى العاهة المستديمة، ولا تزال قوات النظام تستخدمه للقتل ومواجهة التظاهرات السلمية. كما استخدمت القوات الغازات السامة والخانقة التي تلقى على البيوت والأزقة الضيقة، وأدت سابقاً إلى إزهاق أرواح واختناقات خطرة.

وتسجل الساحة البحرينية في كل يوم عشرات الجرحى والمصابين والمختنقين منذ فبراير ٢٠١١ مع استمرار الاعتقالات وقمع المناطق مع صمت مطبق وتعتيم إعلامي كبير على ما يجري ضد الغالبية من شعب البحرين بسبب مطالبتهم بالديمقراطية ورفضهم للديكتاتورية.

 أما المنامة، ولكي تتفادى المزيد من الانتقادات التي تراها غير موضوعية، فقد أوضحت عبر الأمين العام للمجلس الأعلى للقضاء البحريني مراحل المحاكمة، وهي أن محكمة الاستئناف نظرت في القضية بعد نقض الحكم الصادر عن محكمة السلامة الوطنية.

تأتي هذه الأحكام القاسية والجائرة التي صدرت بحق أبناء البحرين الأحرار الذين التزموا منذ البداية بالتحرك السلمي والحضاري ولا يزالون، والذين أبوا إلا أن يرفعوا علم بلادهم والدفاع عن حريات أبناء شعبهم المظلوم، فهذه الأحكام تبين مدى الإفلاس السياسي لدى السلطة البحرينية التي تصر على تجاهل المشكلة الحقيقية المتمثلة في رفض تحقيق المطالب الشعبية المشروعة.

 إن هذه الأحكام هي محاولة يائسة لتغطية الجرائم المرتكبة بحق الشعب البحريني، والتي يمكن أن ترتكب في المستقبل وتشكل إعلاناً وقحاً عن رفض السلطة المتواصل لإجراء حوار بنّاء فاعل وهادف مع المعارضة البحرينية من أجل الخروج بالبلاد من مأزقها الراهن. فهل لقيت هذه الأفعال إدانة إقليمية و دولية ؟

إدانة دولية و منظمات حقوقية

لقيت الأحكام الجائرة في البحرين ردود فعل دولية، فقد احتجت الدانمرك على تأييد المحكمة للحكم المؤبد على الناشط الحقوقي عبد الهادي الخواجة، ودعت المجتمع الدولي إلى التعاطي بحزم مع المنامة لعدم احترامها لحقوق الإنسان. وبدورها نددت منظمة العفو الدولية بهذه الأحكام ووصفتها بـالمشينة، داعية المنامة إلى إلغائها وإخلاء سبيل جميع الناشطين فوراً.

من جهتها، دانت قوى المعارضة في البحرين الأحكام الصادرة عن محكمة الاستئناف العليا بحق الرموز وقيادات المعارضة المعتقلين على خلفية تعبيرهم عن رأيهم.كما وشددت قوى المعارضة على أن هذه الأحكام لا قيمة لها لأنها جاءت وفق منهج انتقامي، محملة المجتمع الدولي مسؤولية هذه الأحكام بسبب محاباته للنظام وعدم اتخاذه إجراءات لدفعه على الالتزام بالمعايير والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.وطالبت قوى المعارضة بالإفراج الفوري عن الرموز والنشطاء السياسيين وجميع المعتقلين في قضايا ذات خلفيات سياسية.

إن للشعب البحريني مطالب محقة، وهذه المطالب واضحة في وثيقة المنامة، ومن بينها تشكيل حكومة منتخبة. يقول الشعب البحريني أن له الحق بأن يتظاهر لأن مطالبه لن تتحقق، إذ إن الأمور لا تزال تراوح مكانها لذلك فإن هذا الشعب يصر على إيصال صوته للسلطة ولجميع دول العالم.

إن المنظمات الدولية وكل دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية تدرك أن للشعب البحريني مطالب محقة، وأن السلطة لم تلب أيا منها. لقد جاءت لجنة تقصي الحقائق ووضعت توصيات، إلا أن تلك التوصيات لن تجد طريقها إلى التنفيذ. يجب أن يصغي النظام في البحرين إلى ما يريده الشعب من إصلاحات حقيقية وحوار يفضي إلى نتيجة ترضي طموحه وآماله بحيث لا تكون تلك الإصلاحات شكلية لتلميع الصورة فقط .

أضواء على فشل السياسات الأمريكية والبريطانية في البحرين

لقد فشلت السياسات الأمريكية والبريطانية في إخماد الثورة في البحرين، فمنذ انطلاق الثورة الشعبية في الرابع عشر من فبراير العام الماضي والإدارتان الأمريكية والبريطانية تحاولان إخمادها عن طريق الترغيب تارة والترهيب تارة أخرى بدءا بالرصاص الحي وإنزال الدبابات مرورا بمؤامرة الحوار التي أشرف عليها جيفري فيلتمان شخصياً واشتركت فيها قوى الثورة المضادة إلى الاحتلال السعودي والذي جاء بقرار أمريكي بعد فشل الحوار.

وبعد أن استنفذ فيلتمان كل ما في جعبته، خلفه مايكل بوسنر، الذي بدوره لم يأت بجديد سوى إعطاء النظام الخليفي والاحتلال السعودي مزيدا من الغطاء السياسي والإعلامي والأسلحة للتنكيل بالشعب البحريني وإخضاعه. غير أن الأخير لاقى مصير الأول لأن كلاهما فشل في تشخيص الأسباب الحقيقة التي أدت إلى انطلاق الثورة واستمرارها لعام ونصف على الرغم من القمع الدموي والحصار الإعلامي والسياسي الخانق.فماذا بعد هذا الفشل الغربي في البحرين؟.

إن السياسة الأمريكية والبريطانية للالتفاف على الثورة ترتكز على عنصرين أساسيين هما:

١- العناصر "المعتدلة" في النظام والتي تمثل دور "الإصلاحيين".

٢- العناصر "المعتدلة" في المعارضة، أي تلك التي تنسب  نفسها للثورة ولكنها لا تتبنى مطالب الثورة بل لها مطالبها المختلفة وأجنداتها الخفية.

ما لم تستوعبه الإدارتان الأمريكية والبريطانية هو أن العناصر "المعتدلة" سواء في النظام أو في المعارضة لا تمثل الشارع الثوري الذي يهتف في كل يوم بشعارات إسقاط الطاغية حمد والنظام الملكي الفاقد للشرعية ورفض الحوار. وفي محاولة يائسة قد تكون الأخيرة عمدت أمريكا وبريطانيا إلى رفع جزء من "الحصانة" التي تمنحها لقوى الثورة المضادة عقابا لها على فشلها في السيطرة على الشارع ومن أجل إعطائها زخما شعبيا عاطفيا بعد أن يقوم النظام ومرتزقته باستهدافها والتضييق عليها. ولا يخفى على المتابعين أن التصعيد الأخير جاء بعيد زيارة بوسنر الأخيرة وبيانات "منتصف الليل" التي ساوت بين الرصاص الانشطاري (الشوزن) الذي يستخدم في الاعتداء على العزل والمولوتوف الذي يستخدم في الدفاع عن النفس والعرض.

ما لم تستوعبه (أو لا تريد استيعابه) الإدارتان الأمريكية والبريطانية هو أن المشكلة الأساسية ترتكز في دعمهم اللامحدود للأنظمة الدكتاتورية في البحرين والخليج، وفي التواجد غير الشرعي للأسطول الخامس الذي بدأت قوى الثورة تعبر عن رفضها لوجوده على أراضي ومياه البحرين (تم تجديد الاتفاقية بين الإدارة الأمريكية والنظام البحريني لبقاء الأسطول الخامس في البحرين حتى عام ٢٠١٦ بشكل سري العام الماضي).

في ظل المؤشرات السياسية الراهنة من المتوقع في المستقبل القريب أن تشهد الساحة البحرينية مزيداً من التضييق على قوى الثورة المضادة من قبل النظام بإيعاز من الإدارتين الأمريكية والبريطانية، وإن حدث ذلك فعلا فهذا يعني أن أمريكا وبريطانيا قد استنفذتا جميع ما لديهما من خطط وأفكار "نظامية" وقد تبدآن في انتهاج سياسة التجربة والخطأ!

ولكننا نقول لهم: جربوا ما شئتم فالشعب البحريني أوعى من أن ينخدع بألاعيبكم والثورة ستستمر إلى أن يسقط النظام البحريني الفاقد للشرعية وبعدها سيحين وقت القصاص وستدفعون ثمن أفعالكم.

اعلى الصفحة